جوناثان فورد من لندن

قبل أيام من سقوط نظام حسني مبارك في مصر العام الماضي، نشر بول ميسون، محرر الشؤون الاقتصادية في برنامج نيوزنايت لشبكة بي بي سي التلفزيونية، تعليقاً حماسياً في إحدى المدونات عن موجات الاحتجاج التي تجتاح أوروبا والشرق الأوسط.
هذا التعليق، الذي انتشر انتشاراً واسعاً، وكتبه بعد نقاش عن بلدية باريس مع بعض الطلاب المتطرفين في مسكن مهجور في ضاحية بلومزبيري، حدد 20 سبباً رئيساً لكونها ''تندلع في كل مكان''. وشملت بعض الملاحظات الحيوية، ولكن غير المترابطة بشكل وثيق عن الاضطرابات، التي تراوح من الواضحة (الويب مفيد جداً للتواصل) إلى غير القابلة للتصديق (المحتجون من كاتدرائية سانت بول إلى ميدان التحرير، يدرسون بجد المنظّرين الماركسيين مايكل هاردت، وأنطونيو نيغري).
في النهاية، اعترف ميسون بأن هذه ''تعميمات'' تهدف للحصول على استجابة، ويجب قراءتها على هذا النحو. وهذا الكتاب محاولة لتحويل القائمة المثيرة إلى تحليل أكثر تفصيلاً لأحداث العام الماضي. شهدت أوروبا موجات ثورية من قبل - عام 1848، وفي الآونة الأخيرة 1989. ولذا، فإن من المنطقي التساؤل ما إذا كنا نشهد موجة أخرى، ولماذا. ما الذي يحدد الاحتجاجات؟ كيف ترتبط ببعضها بعضا؟ وأين هو كل مكان بالضبط؟ يعد عنوان ميسون بالكثير، لكن الكتاب يمر مرور الكرام على روسيا والصين. للأسف، لم يقدم أبداً إجابات في الواقع. وفي كتاب ''لماذا تندلع في كل مكان''، ربما وسع ميسون مدونته بتقرير شامل، متنقلاً من أثينا إلى مانيلا لمعرفة ما الذي دفع الناس للنزول إلى الشوارع. ولكن ما يظهر ليس تفسيراً مقنعاً، بل مجرد تعميمات غير مرتبطة بشكل وثيق.
إن ما لا يساعد هو أن ميول ميسون السياسية واضحة جداً. وبالنسبة إليه، كانت أحداث العام الماضي ''ثورة ضد المنظر الاقتصادي فريدريك هايك، ومبادئ الأنانية والجشع التي اعتنقها'' التي يحارب فيها ''الخريجون البائسون، والعمال غير المستقرين، والفقراء'' ضد ''التأثيرات الذرية للسوق الحديثة''.
قد تلقى هذه الأشياء ترحيباً في مسكن بلومزبيري المهجور، ولكن من الصعب أن تتوافق مع دوافع أولئك الذين بشروا، مثلا، بالربيع العربي فالمتمرد الشهيد التونسي، محمد البوعزيزي، بائع الفاكهة الذي يعمل لحسابه الخاص، لم يشعل النار في نفسه لإسقاط المشاريع الحرة، بل للاحتجاج على القيود التافهة المفروضة من قبل بيروقراطية سارقة حرمته من فرصة التنافس. ولقد كان يسعى إلى الحصول على الوصول العادل إلى السوق وليس إلى إلغائها.
يمكن أن نستشف خيبات أمل مشابهة في بعض الاحتجاجات الأوروبية. وبالنسبة إلى كثير من الشباب اليونانيين، والإسبان، فإن العدو ليس الرأسمالية بحد ذاتها، وإنما تلك الصيغة المعربدة منها التي تكافئ المطلعين الداخليين ذوي العلاقات السياسية، وتترك البقية تقريباً دون الحصول على شيء. يبدو أن تركيز ميسون الشديد على مساوئ الرأسمالية في غير مكانه حين يصل إلى مانيلا، ويبدأ جولة في الأحياء الفقيرة المحيطة بالعاصمة الفلبينية. وهو يعلن أن هذه الأحياء هي ''النتيجة المخفية لعشرين سنة من قوى السوق غير المقيدة، والجشع، والإهمال، والابتزاز''. وقد يكون الأمر كذلك، ولكنها أيضاً نقطة دخول فجة وجاهزة لملايين من فقراء الريف إلى الاقتصاد العالمي الذي قدم في العقدين الماضيين تحسينات كبرى على مستويات المعيشة، والمعايير الصحية، وتوقعات الحياة. وهذا هو السبب في أنه – على الرغم من الصعوبات الموجودة في مثل هذه الأماكن – فإن الناس يستمرون في التدفق إليها.
كما أن ميسون لا يقدم أي حل. وأقرب ما يكون إلى ذلك حين يدعو إلى ''صيغة جديدة من العولمة أكثر عدالة، واستدامة – في ظل معاهدات جديدة، وكذلك إلى منظمات تحويلية، وصفقة جديدة بخصوص العملات العالمية''. وإذا نظرنا إلى ذلك كنتيجة، فإن من الصعب المجادلة بالأمر، وأما كوصفة، فإنها أشد هشاشة من قبعة بلومزبيري، المتطرفة السيئة الصنع.
لكن على الرغم من أن ميسون يصارع لضغط أحداث العام الماضي في القالب الذي ابتدعه، فإن كتابه لا يفتقر إلى التبصر. وهو مثير للاهتمام بخصوص دور التقنية في القلاقل، ولا سيما الطريقة التي استخدم بها المحتجون شبكات التواصل الاجتماعي. وليست هذه مجرد حالة للسماح للمحتجين بتبادل معلومات فنية (كما في ''احتجاجات بلاكبيري'' في بريطانيا)، والتبادل المستمر للأفكار، بل إن التغريدات، والتبادلات تساعد على تنقية المعلومات غير السليمة. ومع ذلك، فإن المرء يتساءل حول ما الذي يمكن أن يتوصل إليه رؤساء ميسون في هيئة الإذاعة البريطانية الذين دفعوا تكاليف أوديسته العالمية، من المقارنة غير المواتية التي يرسمها بين تغطية الاحتجاجات على موقع ''تويتر''، وتلك التي تتم عبر ''وسائل الإعلام السائدة''.
يقدم ميسون بعض الملاحظات ذات الدلالة – ولا سيما بخصوص المأزق الذي يواجه الغرب من مشكلة توفير الوظائف للشباب المتعلمين إلى الصعوبة الهائلة في المجتمعات المجهزة لتوقعات ارتفاعات في مستويات المعيشة لكي تتكيف مع التوقعات المتقلصة.
غير أن المرء في النهاية يُترك في حالة شعور بالإحباط. وهنالك حلول قليلة كذلك، وإن ما يقدم، بصورة أساسية هو مساهمة انطباعية بالمحادثة. وقد سبب موقع ميسون التدويني إثارة حين أطلقه في العام الماضي. وربما كان عليه أن يبقيه على ما هو عليه.
جوناثان فورد من لندن

قبل أيام من سقوط نظام حسني مبارك في مصر العام الماضي، نشر بول ميسون، محرر الشؤون الاقتصادية في برنامج نيوزنايت لشبكة بي بي سي التلفزيونية، تعليقاً حماسياً في إحدى المدونات عن موجات الاحتجاج التي تجتاح أوروبا والشرق الأوسط.
هذا التعليق، الذي انتشر انتشاراً واسعاً، وكتبه بعد نقاش عن بلدية باريس مع بعض الطلاب المتطرفين في مسكن مهجور في ضاحية بلومزبيري، حدد 20 سبباً رئيساً لكونها ''تندلع في كل مكان''. وشملت بعض الملاحظات الحيوية، ولكن غير المترابطة بشكل وثيق عن الاضطرابات، التي تراوح من الواضحة (الويب مفيد جداً للتواصل) إلى غير القابلة للتصديق (المحتجون من كاتدرائية سانت بول إلى ميدان التحرير، يدرسون بجد المنظّرين الماركسيين مايكل هاردت، وأنطونيو نيغري).
في النهاية، اعترف ميسون بأن هذه ''تعميمات'' تهدف للحصول على استجابة، ويجب قراءتها على هذا النحو. وهذا الكتاب محاولة لتحويل القائمة المثيرة إلى تحليل أكثر تفصيلاً لأحداث العام الماضي. شهدت أوروبا موجات ثورية من قبل - عام 1848، وفي الآونة الأخيرة 1989. ولذا، فإن من المنطقي التساؤل ما إذا كنا نشهد موجة أخرى، ولماذا. ما الذي يحدد الاحتجاجات؟ كيف ترتبط ببعضها بعضا؟ وأين هو كل مكان بالضبط؟ يعد عنوان ميسون بالكثير، لكن الكتاب يمر مرور الكرام على روسيا والصين. للأسف، لم يقدم أبداً إجابات في الواقع. وفي كتاب ''لماذا تندلع في كل مكان''، ربما وسع ميسون مدونته بتقرير شامل، متنقلاً من أثينا إلى مانيلا لمعرفة ما الذي دفع الناس للنزول إلى الشوارع. ولكن ما يظهر ليس تفسيراً مقنعاً، بل مجرد تعميمات غير مرتبطة بشكل وثيق.
إن ما لا يساعد هو أن ميول ميسون السياسية واضحة جداً. وبالنسبة إليه، كانت أحداث العام الماضي ''ثورة ضد المنظر الاقتصادي فريدريك هايك، ومبادئ الأنانية والجشع التي اعتنقها'' التي يحارب فيها ''الخريجون البائسون، والعمال غير المستقرين، والفقراء'' ضد ''التأثيرات الذرية للسوق الحديثة''.
قد تلقى هذه الأشياء ترحيباً في مسكن بلومزبيري المهجور، ولكن من الصعب أن تتوافق مع دوافع أولئك الذين بشروا، مثلا، بالربيع العربي فالمتمرد الشهيد التونسي، محمد البوعزيزي، بائع الفاكهة الذي يعمل لحسابه الخاص، لم يشعل النار في نفسه لإسقاط المشاريع الحرة، بل للاحتجاج على القيود التافهة المفروضة من قبل بيروقراطية سارقة حرمته من فرصة التنافس. ولقد كان يسعى إلى الحصول على الوصول العادل إلى السوق وليس إلى إلغائها.
يمكن أن نستشف خيبات أمل مشابهة في بعض الاحتجاجات الأوروبية. وبالنسبة إلى كثير من الشباب اليونانيين، والإسبان، فإن العدو ليس الرأسمالية بحد ذاتها، وإنما تلك الصيغة المعربدة منها التي تكافئ المطلعين الداخليين ذوي العلاقات السياسية، وتترك البقية تقريباً دون الحصول على شيء. يبدو أن تركيز ميسون الشديد على مساوئ الرأسمالية في غير مكانه حين يصل إلى مانيلا، ويبدأ جولة في الأحياء الفقيرة المحيطة بالعاصمة الفلبينية. وهو يعلن أن هذه الأحياء هي ''النتيجة المخفية لعشرين سنة من قوى السوق غير المقيدة، والجشع، والإهمال، والابتزاز''. وقد يكون الأمر كذلك، ولكنها أيضاً نقطة دخول فجة وجاهزة لملايين من فقراء الريف إلى الاقتصاد العالمي الذي قدم في العقدين الماضيين تحسينات كبرى على مستويات المعيشة، والمعايير الصحية، وتوقعات الحياة. وهذا هو السبب في أنه – على الرغم من الصعوبات الموجودة في مثل هذه الأماكن – فإن الناس يستمرون في التدفق إليها.
كما أن ميسون لا يقدم أي حل. وأقرب ما يكون إلى ذلك حين يدعو إلى ''صيغة جديدة من العولمة أكثر عدالة، واستدامة – في ظل معاهدات جديدة، وكذلك إلى منظمات تحويلية، وصفقة جديدة بخصوص العملات العالمية''. وإذا نظرنا إلى ذلك كنتيجة، فإن من الصعب المجادلة بالأمر، وأما كوصفة، فإنها أشد هشاشة من قبعة بلومزبيري، المتطرفة السيئة الصنع.
لكن على الرغم من أن ميسون يصارع لضغط أحداث العام الماضي في القالب الذي ابتدعه، فإن كتابه لا يفتقر إلى التبصر. وهو مثير للاهتمام بخصوص دور التقنية في القلاقل، ولا سيما الطريقة التي استخدم بها المحتجون شبكات التواصل الاجتماعي. وليست هذه مجرد حالة للسماح للمحتجين بتبادل معلومات فنية (كما في ''احتجاجات بلاكبيري'' في بريطانيا)، والتبادل المستمر للأفكار، بل إن التغريدات، والتبادلات تساعد على تنقية المعلومات غير السليمة. ومع ذلك، فإن المرء يتساءل حول ما الذي يمكن أن يتوصل إليه رؤساء ميسون في هيئة الإذاعة البريطانية الذين دفعوا تكاليف أوديسته العالمية، من المقارنة غير المواتية التي يرسمها بين تغطية الاحتجاجات على موقع ''تويتر''، وتلك التي تتم عبر ''وسائل الإعلام السائدة''.
يقدم ميسون بعض الملاحظات ذات الدلالة – ولا سيما بخصوص المأزق الذي يواجه الغرب من مشكلة توفير الوظائف للشباب المتعلمين إلى الصعوبة الهائلة في المجتمعات المجهزة لتوقعات ارتفاعات في مستويات المعيشة لكي تتكيف مع التوقعات المتقلصة.
غير أن المرء في النهاية يُترك في حالة شعور بالإحباط. وهنالك حلول قليلة كذلك، وإن ما يقدم، بصورة أساسية هو مساهمة انطباعية بالمحادثة. وقد سبب موقع ميسون التدويني إثارة حين أطلقه في العام الماضي. وربما كان عليه أن يبقيه على ما هو عليه.
جوناثان فورد من لندن

قبل أيام من سقوط نظام حسني مبارك في مصر العام الماضي، نشر بول ميسون، محرر الشؤون الاقتصادية في برنامج نيوزنايت لشبكة بي بي سي التلفزيونية، تعليقاً حماسياً في إحدى المدونات عن موجات الاحتجاج التي تجتاح أوروبا والشرق الأوسط.
هذا التعليق، الذي انتشر انتشاراً واسعاً، وكتبه بعد نقاش عن بلدية باريس مع بعض الطلاب المتطرفين في مسكن مهجور في ضاحية بلومزبيري، حدد 20 سبباً رئيساً لكونها ''تندلع في كل مكان''. وشملت بعض الملاحظات الحيوية، ولكن غير المترابطة بشكل وثيق عن الاضطرابات، التي تراوح من الواضحة (الويب مفيد جداً للتواصل) إلى غير القابلة للتصديق (المحتجون من كاتدرائية سانت بول إلى ميدان التحرير، يدرسون بجد المنظّرين الماركسيين مايكل هاردت، وأنطونيو نيغري).
في النهاية، اعترف ميسون بأن هذه ''تعميمات'' تهدف للحصول على استجابة، ويجب قراءتها على هذا النحو. وهذا الكتاب محاولة لتحويل القائمة المثيرة إلى تحليل أكثر تفصيلاً لأحداث العام الماضي. شهدت أوروبا موجات ثورية من قبل - عام 1848، وفي الآونة الأخيرة 1989. ولذا، فإن من المنطقي التساؤل ما إذا كنا نشهد موجة أخرى، ولماذا. ما الذي يحدد الاحتجاجات؟ كيف ترتبط ببعضها بعضا؟ وأين هو كل مكان بالضبط؟ يعد عنوان ميسون بالكثير، لكن الكتاب يمر مرور الكرام على روسيا والصين. للأسف، لم يقدم أبداً إجابات في الواقع. وفي كتاب ''لماذا تندلع في كل مكان''، ربما وسع ميسون مدونته بتقرير شامل، متنقلاً من أثينا إلى مانيلا لمعرفة ما الذي دفع الناس للنزول إلى الشوارع. ولكن ما يظهر ليس تفسيراً مقنعاً، بل مجرد تعميمات غير مرتبطة بشكل وثيق.
إن ما لا يساعد هو أن ميول ميسون السياسية واضحة جداً. وبالنسبة إليه، كانت أحداث العام الماضي ''ثورة ضد المنظر الاقتصادي فريدريك هايك، ومبادئ الأنانية والجشع التي اعتنقها'' التي يحارب فيها ''الخريجون البائسون، والعمال غير المستقرين، والفقراء'' ضد ''التأثيرات الذرية للسوق الحديثة''.
قد تلقى هذه الأشياء ترحيباً في مسكن بلومزبيري المهجور، ولكن من الصعب أن تتوافق مع دوافع أولئك الذين بشروا، مثلا، بالربيع العربي فالمتمرد الشهيد التونسي، محمد البوعزيزي، بائع الفاكهة الذي يعمل لحسابه الخاص، لم يشعل النار في نفسه لإسقاط المشاريع الحرة، بل للاحتجاج على القيود التافهة المفروضة من قبل بيروقراطية سارقة حرمته من فرصة التنافس. ولقد كان يسعى إلى الحصول على الوصول العادل إلى السوق وليس إلى إلغائها.
يمكن أن نستشف خيبات أمل مشابهة في بعض الاحتجاجات الأوروبية. وبالنسبة إلى كثير من الشباب اليونانيين، والإسبان، فإن العدو ليس الرأسمالية بحد ذاتها، وإنما تلك الصيغة المعربدة منها التي تكافئ المطلعين الداخليين ذوي العلاقات السياسية، وتترك البقية تقريباً دون الحصول على شيء. يبدو أن تركيز ميسون الشديد على مساوئ الرأسمالية في غير مكانه حين يصل إلى مانيلا، ويبدأ جولة في الأحياء الفقيرة المحيطة بالعاصمة الفلبينية. وهو يعلن أن هذه الأحياء هي ''النتيجة المخفية لعشرين سنة من قوى السوق غير المقيدة، والجشع، والإهمال، والابتزاز''. وقد يكون الأمر كذلك، ولكنها أيضاً نقطة دخول فجة وجاهزة لملايين من فقراء الريف إلى الاقتصاد العالمي الذي قدم في العقدين الماضيين تحسينات كبرى على مستويات المعيشة، والمعايير الصحية، وتوقعات الحياة. وهذا هو السبب في أنه – على الرغم من الصعوبات الموجودة في مثل هذه الأماكن – فإن الناس يستمرون في التدفق إليها.
كما أن ميسون لا يقدم أي حل. وأقرب ما يكون إلى ذلك حين يدعو إلى ''صيغة جديدة من العولمة أكثر عدالة، واستدامة – في ظل معاهدات جديدة، وكذلك إلى منظمات تحويلية، وصفقة جديدة بخصوص العملات العالمية''. وإذا نظرنا إلى ذلك كنتيجة، فإن من الصعب المجادلة بالأمر، وأما كوصفة، فإنها أشد هشاشة من قبعة بلومزبيري، المتطرفة السيئة الصنع.
لكن على الرغم من أن ميسون يصارع لضغط أحداث العام الماضي في القالب الذي ابتدعه، فإن كتابه لا يفتقر إلى التبصر. وهو مثير للاهتمام بخصوص دور التقنية في القلاقل، ولا سيما الطريقة التي استخدم بها المحتجون شبكات التواصل الاجتماعي. وليست هذه مجرد حالة للسماح للمحتجين بتبادل معلومات فنية (كما في ''احتجاجات بلاكبيري'' في بريطانيا)، والتبادل المستمر للأفكار، بل إن التغريدات، والتبادلات تساعد على تنقية المعلومات غير السليمة. ومع ذلك، فإن المرء يتساءل حول ما الذي يمكن أن يتوصل إليه رؤساء ميسون في هيئة الإذاعة البريطانية الذين دفعوا تكاليف أوديسته العالمية، من المقارنة غير المواتية التي يرسمها بين تغطية الاحتجاجات على موقع ''تويتر''، وتلك التي تتم عبر ''وسائل الإعلام السائدة''.
يقدم ميسون بعض الملاحظات ذات الدلالة – ولا سيما بخصوص المأزق الذي يواجه الغرب من مشكلة توفير الوظائف للشباب المتعلمين إلى الصعوبة الهائلة في المجتمعات المجهزة لتوقعات ارتفاعات في مستويات المعيشة لكي تتكيف مع التوقعات المتقلصة.
غير أن المرء في النهاية يُترك في حالة شعور بالإحباط. وهنالك حلول قليلة كذلك، وإن ما يقدم، بصورة أساسية هو مساهمة انطباعية بالمحادثة. وقد سبب موقع ميسون التدويني إثارة حين أطلقه في العام الماضي. وربما كان عليه أن يبقيه على ما هو عليه.
جوناثان فورد من لندن

قبل أيام من سقوط نظام حسني مبارك في مصر العام الماضي، نشر بول ميسون، محرر الشؤون الاقتصادية في برنامج نيوزنايت لشبكة بي بي سي التلفزيونية، تعليقاً حماسياً في إحدى المدونات عن موجات الاحتجاج التي تجتاح أوروبا والشرق الأوسط.
هذا التعليق، الذي انتشر انتشاراً واسعاً، وكتبه بعد نقاش عن بلدية باريس مع بعض الطلاب المتطرفين في مسكن مهجور في ضاحية بلومزبيري، حدد 20 سبباً رئيساً لكونها ''تندلع في كل مكان''. وشملت بعض الملاحظات الحيوية، ولكن غير المترابطة بشكل وثيق عن الاضطرابات، التي تراوح من الواضحة (الويب مفيد جداً للتواصل) إلى غير القابلة للتصديق (المحتجون من كاتدرائية سانت بول إلى ميدان التحرير، يدرسون بجد المنظّرين الماركسيين مايكل هاردت، وأنطونيو نيغري).
في النهاية، اعترف ميسون بأن هذه ''تعميمات'' تهدف للحصول على استجابة، ويجب قراءتها على هذا النحو. وهذا الكتاب محاولة لتحويل القائمة المثيرة إلى تحليل أكثر تفصيلاً لأحداث العام الماضي. شهدت أوروبا موجات ثورية من قبل - عام 1848، وفي الآونة الأخيرة 1989. ولذا، فإن من المنطقي التساؤل ما إذا كنا نشهد موجة أخرى، ولماذا. ما الذي يحدد الاحتجاجات؟ كيف ترتبط ببعضها بعضا؟ وأين هو كل مكان بالضبط؟ يعد عنوان ميسون بالكثير، لكن الكتاب يمر مرور الكرام على روسيا والصين. للأسف، لم يقدم أبداً إجابات في الواقع. وفي كتاب ''لماذا تندلع في كل مكان''، ربما وسع ميسون مدونته بتقرير شامل، متنقلاً من أثينا إلى مانيلا لمعرفة ما الذي دفع الناس للنزول إلى الشوارع. ولكن ما يظهر ليس تفسيراً مقنعاً، بل مجرد تعميمات غير مرتبطة بشكل وثيق.
إن ما لا يساعد هو أن ميول ميسون السياسية واضحة جداً. وبالنسبة إليه، كانت أحداث العام الماضي ''ثورة ضد المنظر الاقتصادي فريدريك هايك، ومبادئ الأنانية والجشع التي اعتنقها'' التي يحارب فيها ''الخريجون البائسون، والعمال غير المستقرين، والفقراء'' ضد ''التأثيرات الذرية للسوق الحديثة''.
قد تلقى هذه الأشياء ترحيباً في مسكن بلومزبيري المهجور، ولكن من الصعب أن تتوافق مع دوافع أولئك الذين بشروا، مثلا، بالربيع العربي فالمتمرد الشهيد التونسي، محمد البوعزيزي، بائع الفاكهة الذي يعمل لحسابه الخاص، لم يشعل النار في نفسه لإسقاط المشاريع الحرة، بل للاحتجاج على القيود التافهة المفروضة من قبل بيروقراطية سارقة حرمته من فرصة التنافس. ولقد كان يسعى إلى الحصول على الوصول العادل إلى السوق وليس إلى إلغائها.
يمكن أن نستشف خيبات أمل مشابهة في بعض الاحتجاجات الأوروبية. وبالنسبة إلى كثير من الشباب اليونانيين، والإسبان، فإن العدو ليس الرأسمالية بحد ذاتها، وإنما تلك الصيغة المعربدة منها التي تكافئ المطلعين الداخليين ذوي العلاقات السياسية، وتترك البقية تقريباً دون الحصول على شيء. يبدو أن تركيز ميسون الشديد على مساوئ الرأسمالية في غير مكانه حين يصل إلى مانيلا، ويبدأ جولة في الأحياء الفقيرة المحيطة بالعاصمة الفلبينية. وهو يعلن أن هذه الأحياء هي ''النتيجة المخفية لعشرين سنة من قوى السوق غير المقيدة، والجشع، والإهمال، والابتزاز''. وقد يكون الأمر كذلك، ولكنها أيضاً نقطة دخول فجة وجاهزة لملايين من فقراء الريف إلى الاقتصاد العالمي الذي قدم في العقدين الماضيين تحسينات كبرى على مستويات المعيشة، والمعايير الصحية، وتوقعات الحياة. وهذا هو السبب في أنه – على الرغم من الصعوبات الموجودة في مثل هذه الأماكن – فإن الناس يستمرون في التدفق إليها.
كما أن ميسون لا يقدم أي حل. وأقرب ما يكون إلى ذلك حين يدعو إلى ''صيغة جديدة من العولمة أكثر عدالة، واستدامة – في ظل معاهدات جديدة، وكذلك إلى منظمات تحويلية، وصفقة جديدة بخصوص العملات العالمية''. وإذا نظرنا إلى ذلك كنتيجة، فإن من الصعب المجادلة بالأمر، وأما كوصفة، فإنها أشد هشاشة من قبعة بلومزبيري، المتطرفة السيئة الصنع.
لكن على الرغم من أن ميسون يصارع لضغط أحداث العام الماضي في القالب الذي ابتدعه، فإن كتابه لا يفتقر إلى التبصر. وهو مثير للاهتمام بخصوص دور التقنية في القلاقل، ولا سيما الطريقة التي استخدم بها المحتجون شبكات التواصل الاجتماعي. وليست هذه مجرد حالة للسماح للمحتجين بتبادل معلومات فنية (كما في ''احتجاجات بلاكبيري'' في بريطانيا)، والتبادل المستمر للأفكار، بل إن التغريدات، والتبادلات تساعد على تنقية المعلومات غير السليمة. ومع ذلك، فإن المرء يتساءل حول ما الذي يمكن أن يتوصل إليه رؤساء ميسون في هيئة الإذاعة البريطانية الذين دفعوا تكاليف أوديسته العالمية، من المقارنة غير المواتية التي يرسمها بين تغطية الاحتجاجات على موقع ''تويتر''، وتلك التي تتم عبر ''وسائل الإعلام السائدة''.
يقدم ميسون بعض الملاحظات ذات الدلالة – ولا سيما بخصوص المأزق الذي يواجه الغرب من مشكلة توفير الوظائف للشباب المتعلمين إلى الصعوبة الهائلة في المجتمعات المجهزة لتوقعات ارتفاعات في مستويات المعيشة لكي تتكيف مع التوقعات المتقلصة.
غير أن المرء في النهاية يُترك في حالة شعور بالإحباط. وهنالك حلول قليلة كذلك، وإن ما يقدم، بصورة أساسية هو مساهمة انطباعية بالمحادثة. وقد سبب موقع ميسون التدويني إثارة حين أطلقه في العام الماضي. وربما كان عليه أن يبقيه على ما هو عليه.