جوزيف ناي يبحث تغير الموازين في القرن الحادي والعشرين

عرض عزالدين سنيقرة
يعد كتاب جوزيف ناي الجديد "مستقبل القوة" إضافة مهمة لأعماله الأكاديمية المهمة حول القيادة، وسياسات القوة والدور الأميركي في العالم. ويعد الكتاب ملخصا لأعماله حتى الآن كما أنه يقدم مقدمة رائعة وإن كانت مختصرة حول الشؤون الدولية وسياسات القوة في القرن الحادي والعشرين. هذا وقد صنف مسح حديث لعلماء السياسة الأميركيين جوزيف ناي كأبرز الأكاديميين المختصين في الشؤون الخارجية الأميركية وأكثرهم نفوذا أيضا، وأحد الأكاديميين البارزين في مجال العلاقات الدولية. وكخبير، فإن كتاباته الحادة لها تأثير ونفوذ بين أجيال من صناع السياسة وعلمائها.
مصطلحا ناي “القوة الناعمة” و”القوة الذكية” أصبحا شائعي الاستخدام في النقاشات العامة، وأسرعت القوى الناشئة مثل الصين في الاحتفاء بتلك المصطلحات واستخدامها في تعريف نفسها في القرن الجديد.
ويعكس بناء ناي لكتابه “مستقبل القوة” استيعابه بأن جماهير مختلفة سوف تقرأ كتابه خاصة الجمهور الأميركي من الأكاديميين والمختصين إلى القراء، والطلاب. فبعدما يطرح فرضيته المفهومية الشاملة في المقدمة، ينتقل لتعريف القوة بأسلوب سهل وإن كان أكاديميا. ثم يعقب مركز كتابه، الذي يفحص فيه تغيرات القوة وانتقالها (الجزء الأكثر أهمية في الكتاب) وصفات سياسية تتعلق بأنه على الولايات المتحدة تبني استراتيجية القوة الذكية في هذا العالم المتغير. ويذكر ناي أنه لكي نقدم تحليلا أكثر عمقا للمناحي المختلفة لتلك الفرضية، تعد هوامش كتابه مصدرا مهما، وبفحص تلك الهوامش، يتضح عمق ناي الأكاديمي ومدى اطلاعه.
إن إنتاج أعمال حول الطبيعة المتغيرة للقوة في النظام الدولي كنتيجة للحروب المستمرة في أفغانستان والعراق وبزوغ الصين والأزمة المالية 2008 (خاصة أعمال نيال فيرغسون، ستيفان وولت، روبرت كاغان، وفريد زكريا) تنطلق من الفرضية الشائعة بأن هيمنة أميركا على السلطة في النظام الدولي تتراجع. ومن ثم، فإما أنها تؤيد تلك الفرضية أو تختلف معها. وبالتالي، تميل تلك الأعمال لأن تحمل منظورا أميركيا في فحص التغيرات التي طرأت على النظام الدولي.
وعلى الرغم من أن ناي ليس استثناء من ذلك فإنه ليس لديه غضاضة في أن يفحص تلك الفرضية في إطار خبرته في التجربة الأميركية في السلطة. ولكن قصور كتابه الرئيسي يكمن في أنه حوار أميركي حول مستقبل السلطة يركز أساسا على كيفية تطور الدور الأميركي في النظام الدولي المتغير وما يجب على الولايات المتحدة عمله لكي تتكيف مع تلك التغيرات. وكانت تلك الأسئلة تثير اهتمامه طوال تاريخه المهني المميز.
ويعد أكثر الأشياء أهمية في “مستقبل السلطة” هو طرحه لمفهومي “تشظي القوة” و”انتقال القوة” في فهم مستقبل الوضع الأميركي في القرن الحادي والعشرين. ويتكامل كتابه ويؤطر على نحو تجريبي أعمال مثل “عالم ما بعد أميركا” لفريد زكريا وكتاب روبرت كابلان “الرياح الموسمية: المحيط الهندي ومستقبل القوة الأميركية”.

مستقبل القوة
ويقدم ناي الحجة المقنعة بأن مفاهيمه تعكس التغيرات الأفقية والرأسية التي تحدث في العالم اليوم. ففي انتقال القوة، تنتقل القوة إلى الشرق من الغرب نظرا لظهور الصين. وفي تشظي القوة، تنتشر القوة رأسيا من خلال العولمة والتكنولوجيا لأطراف مختلفة سواء كانت تلك الأطراف دولا أم أطرافا أخرى أصبح لها نفوذ محسوس لأول مرة الآن. حيث لم تعد القوى العظمى تحتكر القوة ويقدم تشظي السلطة أطرافا جديدة لها نفوذ متنام. فقد انخفضت إلى حد كبير كلفة دخول لعبة سياسة القوة وهو ما مكن أطرافا جديدة من الدخول ببساطة للشؤون الدولية والتأثير فيها. ويقدم أيضا ناي مصطلح “القوة الإلكترونية” لفهم الدور الذي يلعبه الإنترنت في تشكيل قدرة الأطراف المؤثرة، والتي يعد من أبرزها الأطراف الدولية والدول الناشئة، لتحقيق أهدافها. فقد قلل العصر الإلكتروني صعوبات الدخول وأعطى تلك الأطراف القدرة والقوة ولكن القوة الإلكترونية في الوقت نفسه فرضت تحديات كبرى على هؤلاء الأطراف، وبالنسبة أيضا لأطراف ذات تاريخ مثل الولايات المتحدة.
بالنسبة للولايات المتحدة، التي كان لديها ما يشبه الاحتكار لمصادر القوة منذ نهاية الحرب الباردة، يقدم ذلك التغير في موازين قوى النظام الدولي فرصا وتحديات. وفي معالجته لقصة التراجع الأميركي، ينأى ناي بنفسه عن الكتاب الذين يركزون في الحديث حول التراجع الأميركي. وعلى الرغم من أنه يختلف مع الأكاديميين الذين يقولون إن الولايات المتحدة تواجه تراجعا مؤكدا، يقر ناي بأن الولايات المتحدة تواجه عالما ستكون فيه دولة رائدة خلال العقود القليلة المقبلة ولكن دولا أخرى سوف تبزغ ولن يصبح نفوذها الاقتصادي والثقافي بنفس القوة التي كان عليها من قبل.
وفي إطار إبرازه للطبيعة متعددة الأبعاد للقوة، يقول ناي إن الصراع على القوة في النظام الدولي موجود على ثلاثة مستويات حيث تقع القوة العسكرية في القمة، والقوة الاقتصادية في الوسط والعلاقات الدولية في القاع. وما زال للولايات المتحدة قصب السبق في المستوى الأعلى حيث إنها القطب الأوحد فيما يتعلق بالتفوق العسكري. وفي المستوى الأوسط، أصبح هناك أكثر من دولة لديها القوة الاقتصادية وبالتالي أصبح المستوى الأوسط متعدد الأقطاب رغم أن الولايات المتحدة ما زال لها حضور معقول به ولكن بالنسبة للمستوى الأدنى حيث لا توجد دولة أو طرف لديه احتكار للقوة، تجد الولايات المتحدة نفسها في موقف ضعف. إذن، تحظى الولايات المتحدة بالتفوق في بعض المناحي ولكن قوتها محدودة في مجالات أخرى.
ويختم ناي كتابه بالقول إن الولايات المتحدة يجب أن تتبنى استراتيجيات ذكية للقوة تجمع بين موارد القوة والقوة الناعمة للفوز في لعبة الشطرنج المعقدة.
وأكثر من أي وقت آخر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، يجب على الولايات المتحدة أن تعمل مع الآخرين على مواجهة التحديات خاصة على المستوى الدولي. ويرى ناي أن الولايات المتحدة تواجه خمسة تحديات رئيسية في العقود المقبلة: الإرهاب المرتبط بالقوة النووية، والإسلام السياسي، واحتمال بزوغ الصين العدائية، والأزمات الاقتصادية، والتحديات البيئية مثل التغير المناخي.
تزود وصفات ناي لاستراتيجيات القوة الذكية صناع السياسة بمقاربة نافعة لتأطير مفاهيمي لاستجاباتهم لتلك التحديات. وعما إذا كان ذلك سوف يستخدم كدليل إرشادي أثناء التطبيق فما زال الأمر في حاجة إلى نظر، إلا أن ناي يطرح نقطة مبدئية مهمة بشأن كيف يجب أن ترى الولايات المتحدة استجابتها لتحديات القرن الحادي والعشرين.
جوزيف ناي يبحث تغير الموازين في القرن الحادي والعشرين

عرض عزالدين سنيقرة
يعد كتاب جوزيف ناي الجديد "مستقبل القوة" إضافة مهمة لأعماله الأكاديمية المهمة حول القيادة، وسياسات القوة والدور الأميركي في العالم. ويعد الكتاب ملخصا لأعماله حتى الآن كما أنه يقدم مقدمة رائعة وإن كانت مختصرة حول الشؤون الدولية وسياسات القوة في القرن الحادي والعشرين. هذا وقد صنف مسح حديث لعلماء السياسة الأميركيين جوزيف ناي كأبرز الأكاديميين المختصين في الشؤون الخارجية الأميركية وأكثرهم نفوذا أيضا، وأحد الأكاديميين البارزين في مجال العلاقات الدولية. وكخبير، فإن كتاباته الحادة لها تأثير ونفوذ بين أجيال من صناع السياسة وعلمائها.
مصطلحا ناي “القوة الناعمة” و”القوة الذكية” أصبحا شائعي الاستخدام في النقاشات العامة، وأسرعت القوى الناشئة مثل الصين في الاحتفاء بتلك المصطلحات واستخدامها في تعريف نفسها في القرن الجديد.
ويعكس بناء ناي لكتابه “مستقبل القوة” استيعابه بأن جماهير مختلفة سوف تقرأ كتابه خاصة الجمهور الأميركي من الأكاديميين والمختصين إلى القراء، والطلاب. فبعدما يطرح فرضيته المفهومية الشاملة في المقدمة، ينتقل لتعريف القوة بأسلوب سهل وإن كان أكاديميا. ثم يعقب مركز كتابه، الذي يفحص فيه تغيرات القوة وانتقالها (الجزء الأكثر أهمية في الكتاب) وصفات سياسية تتعلق بأنه على الولايات المتحدة تبني استراتيجية القوة الذكية في هذا العالم المتغير. ويذكر ناي أنه لكي نقدم تحليلا أكثر عمقا للمناحي المختلفة لتلك الفرضية، تعد هوامش كتابه مصدرا مهما، وبفحص تلك الهوامش، يتضح عمق ناي الأكاديمي ومدى اطلاعه.
إن إنتاج أعمال حول الطبيعة المتغيرة للقوة في النظام الدولي كنتيجة للحروب المستمرة في أفغانستان والعراق وبزوغ الصين والأزمة المالية 2008 (خاصة أعمال نيال فيرغسون، ستيفان وولت، روبرت كاغان، وفريد زكريا) تنطلق من الفرضية الشائعة بأن هيمنة أميركا على السلطة في النظام الدولي تتراجع. ومن ثم، فإما أنها تؤيد تلك الفرضية أو تختلف معها. وبالتالي، تميل تلك الأعمال لأن تحمل منظورا أميركيا في فحص التغيرات التي طرأت على النظام الدولي.
وعلى الرغم من أن ناي ليس استثناء من ذلك فإنه ليس لديه غضاضة في أن يفحص تلك الفرضية في إطار خبرته في التجربة الأميركية في السلطة. ولكن قصور كتابه الرئيسي يكمن في أنه حوار أميركي حول مستقبل السلطة يركز أساسا على كيفية تطور الدور الأميركي في النظام الدولي المتغير وما يجب على الولايات المتحدة عمله لكي تتكيف مع تلك التغيرات. وكانت تلك الأسئلة تثير اهتمامه طوال تاريخه المهني المميز.
ويعد أكثر الأشياء أهمية في “مستقبل السلطة” هو طرحه لمفهومي “تشظي القوة” و”انتقال القوة” في فهم مستقبل الوضع الأميركي في القرن الحادي والعشرين. ويتكامل كتابه ويؤطر على نحو تجريبي أعمال مثل “عالم ما بعد أميركا” لفريد زكريا وكتاب روبرت كابلان “الرياح الموسمية: المحيط الهندي ومستقبل القوة الأميركية”.

مستقبل القوة
ويقدم ناي الحجة المقنعة بأن مفاهيمه تعكس التغيرات الأفقية والرأسية التي تحدث في العالم اليوم. ففي انتقال القوة، تنتقل القوة إلى الشرق من الغرب نظرا لظهور الصين. وفي تشظي القوة، تنتشر القوة رأسيا من خلال العولمة والتكنولوجيا لأطراف مختلفة سواء كانت تلك الأطراف دولا أم أطرافا أخرى أصبح لها نفوذ محسوس لأول مرة الآن. حيث لم تعد القوى العظمى تحتكر القوة ويقدم تشظي السلطة أطرافا جديدة لها نفوذ متنام. فقد انخفضت إلى حد كبير كلفة دخول لعبة سياسة القوة وهو ما مكن أطرافا جديدة من الدخول ببساطة للشؤون الدولية والتأثير فيها. ويقدم أيضا ناي مصطلح “القوة الإلكترونية” لفهم الدور الذي يلعبه الإنترنت في تشكيل قدرة الأطراف المؤثرة، والتي يعد من أبرزها الأطراف الدولية والدول الناشئة، لتحقيق أهدافها. فقد قلل العصر الإلكتروني صعوبات الدخول وأعطى تلك الأطراف القدرة والقوة ولكن القوة الإلكترونية في الوقت نفسه فرضت تحديات كبرى على هؤلاء الأطراف، وبالنسبة أيضا لأطراف ذات تاريخ مثل الولايات المتحدة.
بالنسبة للولايات المتحدة، التي كان لديها ما يشبه الاحتكار لمصادر القوة منذ نهاية الحرب الباردة، يقدم ذلك التغير في موازين قوى النظام الدولي فرصا وتحديات. وفي معالجته لقصة التراجع الأميركي، ينأى ناي بنفسه عن الكتاب الذين يركزون في الحديث حول التراجع الأميركي. وعلى الرغم من أنه يختلف مع الأكاديميين الذين يقولون إن الولايات المتحدة تواجه تراجعا مؤكدا، يقر ناي بأن الولايات المتحدة تواجه عالما ستكون فيه دولة رائدة خلال العقود القليلة المقبلة ولكن دولا أخرى سوف تبزغ ولن يصبح نفوذها الاقتصادي والثقافي بنفس القوة التي كان عليها من قبل.
وفي إطار إبرازه للطبيعة متعددة الأبعاد للقوة، يقول ناي إن الصراع على القوة في النظام الدولي موجود على ثلاثة مستويات حيث تقع القوة العسكرية في القمة، والقوة الاقتصادية في الوسط والعلاقات الدولية في القاع. وما زال للولايات المتحدة قصب السبق في المستوى الأعلى حيث إنها القطب الأوحد فيما يتعلق بالتفوق العسكري. وفي المستوى الأوسط، أصبح هناك أكثر من دولة لديها القوة الاقتصادية وبالتالي أصبح المستوى الأوسط متعدد الأقطاب رغم أن الولايات المتحدة ما زال لها حضور معقول به ولكن بالنسبة للمستوى الأدنى حيث لا توجد دولة أو طرف لديه احتكار للقوة، تجد الولايات المتحدة نفسها في موقف ضعف. إذن، تحظى الولايات المتحدة بالتفوق في بعض المناحي ولكن قوتها محدودة في مجالات أخرى.
ويختم ناي كتابه بالقول إن الولايات المتحدة يجب أن تتبنى استراتيجيات ذكية للقوة تجمع بين موارد القوة والقوة الناعمة للفوز في لعبة الشطرنج المعقدة.
وأكثر من أي وقت آخر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، يجب على الولايات المتحدة أن تعمل مع الآخرين على مواجهة التحديات خاصة على المستوى الدولي. ويرى ناي أن الولايات المتحدة تواجه خمسة تحديات رئيسية في العقود المقبلة: الإرهاب المرتبط بالقوة النووية، والإسلام السياسي، واحتمال بزوغ الصين العدائية، والأزمات الاقتصادية، والتحديات البيئية مثل التغير المناخي.
تزود وصفات ناي لاستراتيجيات القوة الذكية صناع السياسة بمقاربة نافعة لتأطير مفاهيمي لاستجاباتهم لتلك التحديات. وعما إذا كان ذلك سوف يستخدم كدليل إرشادي أثناء التطبيق فما زال الأمر في حاجة إلى نظر، إلا أن ناي يطرح نقطة مبدئية مهمة بشأن كيف يجب أن ترى الولايات المتحدة استجابتها لتحديات القرن الحادي والعشرين.
جوزيف ناي يبحث تغير الموازين في القرن الحادي والعشرين

عرض عزالدين سنيقرة
يعد كتاب جوزيف ناي الجديد "مستقبل القوة" إضافة مهمة لأعماله الأكاديمية المهمة حول القيادة، وسياسات القوة والدور الأميركي في العالم. ويعد الكتاب ملخصا لأعماله حتى الآن كما أنه يقدم مقدمة رائعة وإن كانت مختصرة حول الشؤون الدولية وسياسات القوة في القرن الحادي والعشرين. هذا وقد صنف مسح حديث لعلماء السياسة الأميركيين جوزيف ناي كأبرز الأكاديميين المختصين في الشؤون الخارجية الأميركية وأكثرهم نفوذا أيضا، وأحد الأكاديميين البارزين في مجال العلاقات الدولية. وكخبير، فإن كتاباته الحادة لها تأثير ونفوذ بين أجيال من صناع السياسة وعلمائها.
مصطلحا ناي “القوة الناعمة” و”القوة الذكية” أصبحا شائعي الاستخدام في النقاشات العامة، وأسرعت القوى الناشئة مثل الصين في الاحتفاء بتلك المصطلحات واستخدامها في تعريف نفسها في القرن الجديد.
ويعكس بناء ناي لكتابه “مستقبل القوة” استيعابه بأن جماهير مختلفة سوف تقرأ كتابه خاصة الجمهور الأميركي من الأكاديميين والمختصين إلى القراء، والطلاب. فبعدما يطرح فرضيته المفهومية الشاملة في المقدمة، ينتقل لتعريف القوة بأسلوب سهل وإن كان أكاديميا. ثم يعقب مركز كتابه، الذي يفحص فيه تغيرات القوة وانتقالها (الجزء الأكثر أهمية في الكتاب) وصفات سياسية تتعلق بأنه على الولايات المتحدة تبني استراتيجية القوة الذكية في هذا العالم المتغير. ويذكر ناي أنه لكي نقدم تحليلا أكثر عمقا للمناحي المختلفة لتلك الفرضية، تعد هوامش كتابه مصدرا مهما، وبفحص تلك الهوامش، يتضح عمق ناي الأكاديمي ومدى اطلاعه.
إن إنتاج أعمال حول الطبيعة المتغيرة للقوة في النظام الدولي كنتيجة للحروب المستمرة في أفغانستان والعراق وبزوغ الصين والأزمة المالية 2008 (خاصة أعمال نيال فيرغسون، ستيفان وولت، روبرت كاغان، وفريد زكريا) تنطلق من الفرضية الشائعة بأن هيمنة أميركا على السلطة في النظام الدولي تتراجع. ومن ثم، فإما أنها تؤيد تلك الفرضية أو تختلف معها. وبالتالي، تميل تلك الأعمال لأن تحمل منظورا أميركيا في فحص التغيرات التي طرأت على النظام الدولي.
وعلى الرغم من أن ناي ليس استثناء من ذلك فإنه ليس لديه غضاضة في أن يفحص تلك الفرضية في إطار خبرته في التجربة الأميركية في السلطة. ولكن قصور كتابه الرئيسي يكمن في أنه حوار أميركي حول مستقبل السلطة يركز أساسا على كيفية تطور الدور الأميركي في النظام الدولي المتغير وما يجب على الولايات المتحدة عمله لكي تتكيف مع تلك التغيرات. وكانت تلك الأسئلة تثير اهتمامه طوال تاريخه المهني المميز.
ويعد أكثر الأشياء أهمية في “مستقبل السلطة” هو طرحه لمفهومي “تشظي القوة” و”انتقال القوة” في فهم مستقبل الوضع الأميركي في القرن الحادي والعشرين. ويتكامل كتابه ويؤطر على نحو تجريبي أعمال مثل “عالم ما بعد أميركا” لفريد زكريا وكتاب روبرت كابلان “الرياح الموسمية: المحيط الهندي ومستقبل القوة الأميركية”.

مستقبل القوة
ويقدم ناي الحجة المقنعة بأن مفاهيمه تعكس التغيرات الأفقية والرأسية التي تحدث في العالم اليوم. ففي انتقال القوة، تنتقل القوة إلى الشرق من الغرب نظرا لظهور الصين. وفي تشظي القوة، تنتشر القوة رأسيا من خلال العولمة والتكنولوجيا لأطراف مختلفة سواء كانت تلك الأطراف دولا أم أطرافا أخرى أصبح لها نفوذ محسوس لأول مرة الآن. حيث لم تعد القوى العظمى تحتكر القوة ويقدم تشظي السلطة أطرافا جديدة لها نفوذ متنام. فقد انخفضت إلى حد كبير كلفة دخول لعبة سياسة القوة وهو ما مكن أطرافا جديدة من الدخول ببساطة للشؤون الدولية والتأثير فيها. ويقدم أيضا ناي مصطلح “القوة الإلكترونية” لفهم الدور الذي يلعبه الإنترنت في تشكيل قدرة الأطراف المؤثرة، والتي يعد من أبرزها الأطراف الدولية والدول الناشئة، لتحقيق أهدافها. فقد قلل العصر الإلكتروني صعوبات الدخول وأعطى تلك الأطراف القدرة والقوة ولكن القوة الإلكترونية في الوقت نفسه فرضت تحديات كبرى على هؤلاء الأطراف، وبالنسبة أيضا لأطراف ذات تاريخ مثل الولايات المتحدة.
بالنسبة للولايات المتحدة، التي كان لديها ما يشبه الاحتكار لمصادر القوة منذ نهاية الحرب الباردة، يقدم ذلك التغير في موازين قوى النظام الدولي فرصا وتحديات. وفي معالجته لقصة التراجع الأميركي، ينأى ناي بنفسه عن الكتاب الذين يركزون في الحديث حول التراجع الأميركي. وعلى الرغم من أنه يختلف مع الأكاديميين الذين يقولون إن الولايات المتحدة تواجه تراجعا مؤكدا، يقر ناي بأن الولايات المتحدة تواجه عالما ستكون فيه دولة رائدة خلال العقود القليلة المقبلة ولكن دولا أخرى سوف تبزغ ولن يصبح نفوذها الاقتصادي والثقافي بنفس القوة التي كان عليها من قبل.
وفي إطار إبرازه للطبيعة متعددة الأبعاد للقوة، يقول ناي إن الصراع على القوة في النظام الدولي موجود على ثلاثة مستويات حيث تقع القوة العسكرية في القمة، والقوة الاقتصادية في الوسط والعلاقات الدولية في القاع. وما زال للولايات المتحدة قصب السبق في المستوى الأعلى حيث إنها القطب الأوحد فيما يتعلق بالتفوق العسكري. وفي المستوى الأوسط، أصبح هناك أكثر من دولة لديها القوة الاقتصادية وبالتالي أصبح المستوى الأوسط متعدد الأقطاب رغم أن الولايات المتحدة ما زال لها حضور معقول به ولكن بالنسبة للمستوى الأدنى حيث لا توجد دولة أو طرف لديه احتكار للقوة، تجد الولايات المتحدة نفسها في موقف ضعف. إذن، تحظى الولايات المتحدة بالتفوق في بعض المناحي ولكن قوتها محدودة في مجالات أخرى.
ويختم ناي كتابه بالقول إن الولايات المتحدة يجب أن تتبنى استراتيجيات ذكية للقوة تجمع بين موارد القوة والقوة الناعمة للفوز في لعبة الشطرنج المعقدة.
وأكثر من أي وقت آخر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، يجب على الولايات المتحدة أن تعمل مع الآخرين على مواجهة التحديات خاصة على المستوى الدولي. ويرى ناي أن الولايات المتحدة تواجه خمسة تحديات رئيسية في العقود المقبلة: الإرهاب المرتبط بالقوة النووية، والإسلام السياسي، واحتمال بزوغ الصين العدائية، والأزمات الاقتصادية، والتحديات البيئية مثل التغير المناخي.
تزود وصفات ناي لاستراتيجيات القوة الذكية صناع السياسة بمقاربة نافعة لتأطير مفاهيمي لاستجاباتهم لتلك التحديات. وعما إذا كان ذلك سوف يستخدم كدليل إرشادي أثناء التطبيق فما زال الأمر في حاجة إلى نظر، إلا أن ناي يطرح نقطة مبدئية مهمة بشأن كيف يجب أن ترى الولايات المتحدة استجابتها لتحديات القرن الحادي والعشرين.
جوزيف ناي يبحث تغير الموازين في القرن الحادي والعشرين

عرض عزالدين سنيقرة
يعد كتاب جوزيف ناي الجديد "مستقبل القوة" إضافة مهمة لأعماله الأكاديمية المهمة حول القيادة، وسياسات القوة والدور الأميركي في العالم. ويعد الكتاب ملخصا لأعماله حتى الآن كما أنه يقدم مقدمة رائعة وإن كانت مختصرة حول الشؤون الدولية وسياسات القوة في القرن الحادي والعشرين. هذا وقد صنف مسح حديث لعلماء السياسة الأميركيين جوزيف ناي كأبرز الأكاديميين المختصين في الشؤون الخارجية الأميركية وأكثرهم نفوذا أيضا، وأحد الأكاديميين البارزين في مجال العلاقات الدولية. وكخبير، فإن كتاباته الحادة لها تأثير ونفوذ بين أجيال من صناع السياسة وعلمائها.
مصطلحا ناي “القوة الناعمة” و”القوة الذكية” أصبحا شائعي الاستخدام في النقاشات العامة، وأسرعت القوى الناشئة مثل الصين في الاحتفاء بتلك المصطلحات واستخدامها في تعريف نفسها في القرن الجديد.
ويعكس بناء ناي لكتابه “مستقبل القوة” استيعابه بأن جماهير مختلفة سوف تقرأ كتابه خاصة الجمهور الأميركي من الأكاديميين والمختصين إلى القراء، والطلاب. فبعدما يطرح فرضيته المفهومية الشاملة في المقدمة، ينتقل لتعريف القوة بأسلوب سهل وإن كان أكاديميا. ثم يعقب مركز كتابه، الذي يفحص فيه تغيرات القوة وانتقالها (الجزء الأكثر أهمية في الكتاب) وصفات سياسية تتعلق بأنه على الولايات المتحدة تبني استراتيجية القوة الذكية في هذا العالم المتغير. ويذكر ناي أنه لكي نقدم تحليلا أكثر عمقا للمناحي المختلفة لتلك الفرضية، تعد هوامش كتابه مصدرا مهما، وبفحص تلك الهوامش، يتضح عمق ناي الأكاديمي ومدى اطلاعه.
إن إنتاج أعمال حول الطبيعة المتغيرة للقوة في النظام الدولي كنتيجة للحروب المستمرة في أفغانستان والعراق وبزوغ الصين والأزمة المالية 2008 (خاصة أعمال نيال فيرغسون، ستيفان وولت، روبرت كاغان، وفريد زكريا) تنطلق من الفرضية الشائعة بأن هيمنة أميركا على السلطة في النظام الدولي تتراجع. ومن ثم، فإما أنها تؤيد تلك الفرضية أو تختلف معها. وبالتالي، تميل تلك الأعمال لأن تحمل منظورا أميركيا في فحص التغيرات التي طرأت على النظام الدولي.
وعلى الرغم من أن ناي ليس استثناء من ذلك فإنه ليس لديه غضاضة في أن يفحص تلك الفرضية في إطار خبرته في التجربة الأميركية في السلطة. ولكن قصور كتابه الرئيسي يكمن في أنه حوار أميركي حول مستقبل السلطة يركز أساسا على كيفية تطور الدور الأميركي في النظام الدولي المتغير وما يجب على الولايات المتحدة عمله لكي تتكيف مع تلك التغيرات. وكانت تلك الأسئلة تثير اهتمامه طوال تاريخه المهني المميز.
ويعد أكثر الأشياء أهمية في “مستقبل السلطة” هو طرحه لمفهومي “تشظي القوة” و”انتقال القوة” في فهم مستقبل الوضع الأميركي في القرن الحادي والعشرين. ويتكامل كتابه ويؤطر على نحو تجريبي أعمال مثل “عالم ما بعد أميركا” لفريد زكريا وكتاب روبرت كابلان “الرياح الموسمية: المحيط الهندي ومستقبل القوة الأميركية”.

مستقبل القوة
ويقدم ناي الحجة المقنعة بأن مفاهيمه تعكس التغيرات الأفقية والرأسية التي تحدث في العالم اليوم. ففي انتقال القوة، تنتقل القوة إلى الشرق من الغرب نظرا لظهور الصين. وفي تشظي القوة، تنتشر القوة رأسيا من خلال العولمة والتكنولوجيا لأطراف مختلفة سواء كانت تلك الأطراف دولا أم أطرافا أخرى أصبح لها نفوذ محسوس لأول مرة الآن. حيث لم تعد القوى العظمى تحتكر القوة ويقدم تشظي السلطة أطرافا جديدة لها نفوذ متنام. فقد انخفضت إلى حد كبير كلفة دخول لعبة سياسة القوة وهو ما مكن أطرافا جديدة من الدخول ببساطة للشؤون الدولية والتأثير فيها. ويقدم أيضا ناي مصطلح “القوة الإلكترونية” لفهم الدور الذي يلعبه الإنترنت في تشكيل قدرة الأطراف المؤثرة، والتي يعد من أبرزها الأطراف الدولية والدول الناشئة، لتحقيق أهدافها. فقد قلل العصر الإلكتروني صعوبات الدخول وأعطى تلك الأطراف القدرة والقوة ولكن القوة الإلكترونية في الوقت نفسه فرضت تحديات كبرى على هؤلاء الأطراف، وبالنسبة أيضا لأطراف ذات تاريخ مثل الولايات المتحدة.
بالنسبة للولايات المتحدة، التي كان لديها ما يشبه الاحتكار لمصادر القوة منذ نهاية الحرب الباردة، يقدم ذلك التغير في موازين قوى النظام الدولي فرصا وتحديات. وفي معالجته لقصة التراجع الأميركي، ينأى ناي بنفسه عن الكتاب الذين يركزون في الحديث حول التراجع الأميركي. وعلى الرغم من أنه يختلف مع الأكاديميين الذين يقولون إن الولايات المتحدة تواجه تراجعا مؤكدا، يقر ناي بأن الولايات المتحدة تواجه عالما ستكون فيه دولة رائدة خلال العقود القليلة المقبلة ولكن دولا أخرى سوف تبزغ ولن يصبح نفوذها الاقتصادي والثقافي بنفس القوة التي كان عليها من قبل.
وفي إطار إبرازه للطبيعة متعددة الأبعاد للقوة، يقول ناي إن الصراع على القوة في النظام الدولي موجود على ثلاثة مستويات حيث تقع القوة العسكرية في القمة، والقوة الاقتصادية في الوسط والعلاقات الدولية في القاع. وما زال للولايات المتحدة قصب السبق في المستوى الأعلى حيث إنها القطب الأوحد فيما يتعلق بالتفوق العسكري. وفي المستوى الأوسط، أصبح هناك أكثر من دولة لديها القوة الاقتصادية وبالتالي أصبح المستوى الأوسط متعدد الأقطاب رغم أن الولايات المتحدة ما زال لها حضور معقول به ولكن بالنسبة للمستوى الأدنى حيث لا توجد دولة أو طرف لديه احتكار للقوة، تجد الولايات المتحدة نفسها في موقف ضعف. إذن، تحظى الولايات المتحدة بالتفوق في بعض المناحي ولكن قوتها محدودة في مجالات أخرى.
ويختم ناي كتابه بالقول إن الولايات المتحدة يجب أن تتبنى استراتيجيات ذكية للقوة تجمع بين موارد القوة والقوة الناعمة للفوز في لعبة الشطرنج المعقدة.
وأكثر من أي وقت آخر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، يجب على الولايات المتحدة أن تعمل مع الآخرين على مواجهة التحديات خاصة على المستوى الدولي. ويرى ناي أن الولايات المتحدة تواجه خمسة تحديات رئيسية في العقود المقبلة: الإرهاب المرتبط بالقوة النووية، والإسلام السياسي، واحتمال بزوغ الصين العدائية، والأزمات الاقتصادية، والتحديات البيئية مثل التغير المناخي.
تزود وصفات ناي لاستراتيجيات القوة الذكية صناع السياسة بمقاربة نافعة لتأطير مفاهيمي لاستجاباتهم لتلك التحديات. وعما إذا كان ذلك سوف يستخدم كدليل إرشادي أثناء التطبيق فما زال الأمر في حاجة إلى نظر، إلا أن ناي يطرح نقطة مبدئية مهمة بشأن كيف يجب أن ترى الولايات المتحدة استجابتها لتحديات القرن الحادي والعشرين.