على إشراك شخصيات دولية وعربية إعلامية وفكرية وديبلوماسية في البحث معاً في صياغة مفهوم جديد لكيفية إدارة الحكومات شؤون مواطنيها، فللأمر أكثر من دلالة في هذه الإمارة بالذات وفي منطقة تغلي بالثورات ضد أنظمتها وفي عالم صار التواصل فيه أكثر شفافية عبر وسائل الإعلام الاجتماعي التي تجتاز كل الرقابات وتخرق كل الخصوصيات.
عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة سلطان بن محمد القاسمي شدد في كلمته أمام المنتدين على «أهمية الحفاظ على الهوية الثقافية». فـ «الخصوصيات الثقافية»، برأيه، «لا يمكن أن تضمحل، فهي تلجأ إلى العيش في سبات شتوي، وهي الدرع الواقي وضمان البقاء الوحيد لمواجهة الزحف الفوضوي». وهي، كما أشار، انتصرت في مواجهة «العولمة» التي ساواها بـ «إلغاء الثقافة»، متوقفاً عند مصطلح «الفوضى الخلاقة» التي «تركت الجميع يترنح وأصبحنا في العالم العربي ننظر إلى مواقع مثل مصر وتونس وليبيا واليمن وسورية فنشاهد حلبات الديكة وهي تتصارع والآخرون يتفرجون، ولولا لطف الله بنا لكانت تلك الحلبات موجودة في كل حارة وكل بيت».
على أن لعمرو موسى رأياً في هذه الثورات العربية التي اعتبرها «تغييراً يؤكد وعياً جديداً»، وبعض الثورات كان سببه «عدم التواصل بين الحكومة والجمهور»، ولا يمكن بعد اليوم «أن نملي على الرأي العام كيفية التفكير، ولا بد من تطوير آليات الإعلام الحكومي فلا يقدم ما يريد أن يبلغه الحكام فقط للشعب».
وحين سئل جمهور، لا تكف أجهزته الخلوية عن الإضاءة والطنين كل الوقت، عن «أي وسيلة يلجأ إليها في حال رغب في الإدلاء برأيه في قضية أو مخاطبة إحدى الدوائر الحكومية في الدولة»، كانت وسيلة «الهاتف» الإجابة الأعلى نسبة، في حين جاءت وسيلة «التواصل مع موقع الدائرة الإلكتروني» ثانية، وتساوت وسيلتا «التواصل الاجتماعي عبر مواقع خاصة بالدائرة» مع «التواصل مع وسائل الإعلام بشكل مباشر» في الدرجة الثالثة.
قال أحد المشاركين إنه تصفح موقع مجلس الوزراء فوجد أنه «مجموعة وزارات وهيئات اتحادية ولا يوجد أي اتصال بين الحكومة والجمهور... انه اتصال بين الحكومة والحكومة، انه ترويج للحكومة وليس تواصل مع المجتمع، لكن الحكومات ليست غبية، تحاول الاتصال مع جمهورها لكنه اتصال ناقص ومقصر».
ورأى المدير العام لشركة «أبكو» في المنطقة العربية مأمون صبيح، المتخصص في تقديم الاستشارات للرؤساء التنفيذيين وكبار مديري الهيئات الحكومية «الجمهور يستحق أن يعرف ماذا تقوم به الحكومة، والحكومة تستحق أن يعرف الجمهور ماذا تفعل».
لعقود كان التواصل بين الحاكم والشعب يتم «عبر مجالس الحكام والشيوخ»، قال مدير تحرير صحيفة «الخليج» الإماراتية رائد برقاوي، «لكن الأمر لم يعد كما السابق، المسؤول تجده اليوم يتواصل بشكل يفاجئ المجتمع نفسه مع تطور التكنولوجيا، عبر «تويتر» و «فايسبوك»، حتى أصبح الإعلام التقليدي، برأي مدير شركة «بيوند للإصلاح والتنمية» جيلبيرت ضومط «ناطقاً فقط باسم الحكومات على عكس وسائل التواصل الإعلامي التي أصبحت متقدمة ومعها لم يعد ممكناً إخفاء سر».
وأقرت وزيرة التجارة الخارجية في دولة الإمارات لبنى القاسمي بأن «وضوح الحقيقة لا يأخذ ثواني هذه الأيام، فلا وقت للمجاملات»، لكنها تعتقد «أن التواصل موجود بين الحاكم والشعب عبر المجالس التقليدية ووسائل التواصل الحديثة تصب في نمط المجالس لكنها أسرع والمطلوب من الحكومات أن يكون لديها رد مباشر».
على أن وزيرة السياحة والآثار السابقة في الأردن مها الخطيب اعتبرت «أن المشكلة الرئيسية في عملية التواصل هي التنفيذ وليس التخطيط، حيث في معظم الأحيان يتم اقتطاع موازنة إدارات التواصل في الحكومات بسبب قلة الموارد»، وبدا الناطق السابق لمجلس الأمن القومي في البيت الأبيض غوردون غوندرو أكثر وضوحاً في هذا النقاش «فعلى الحكومات ألا يكون لها منفذ إلى وسائل التواصل الاجتماعي ما لم ترد أن تجيب بوضوح على أسئلة الناس واستفساراتهم ومتطلباتهم»، مشدداً على وجوب «التركيز على أهمية التنسيق بين جميع الوزارات بهدف إرسال رسائل موحدة وبناء سياسة واضحة حتى في الرسائل المغردة، علماً أن الاتصال يصبح مستحيلاً حتى بوجود رسائل موحدة إذا كانت الحكومة بحد ذاتها غير موحدة».
الهواتف الذكية غيّرت مفهوم السياسة
وحول «الاتصال في الحملات الانتخابية»، تحدث كل من جيم ماسينا مدير حملة أوباما الانتخابية لعام 2012، وكولين هاريس، المستشارة الصحافية السابقة لأميري ويلز ويليام وهاري. قال ماسينا أن «لأدوات التكنولوجيا الجديدة دوراً بارزاً في صياغة توجهات الجمهور، بل إن الهواتف الذكية غيرت السياسة ومفهومها، ومثال ذلك دورة انتخابات الرئيس أوباما بالمقارنة مع عام 2008، اليوم يتم توظيف نوعية جديدة من الأدوات المختلفة للتواصل مع الجمهور، إلا أن إدارة هذه القنوات المختلفة تشكل تحدياً كبيراً يواجه المعنيين، فالأمور مختلفة جداً بوجود وسائل الاتصال الاجتماعي. وركزنا في حملة الرئيس الأخيرة على ثلاثة عناصر أساسية وهي أهمية وضوح الرسائل، وسرعة وصول هذه الرسائل، والتحدث والوصول للجماهير المختلفة أي كان مكان وجودهم».
ولفت إلى أن الأميركيين «لا يفكرون في السياسة إلا 20 دقيقة في الأسبوع ومن هنا كان علينا التركيز على هذه الدقائق».
أما هاريس فاعتبرت أن «على رغم عدم تمكن الرئيس أوباما من تحقيق جميع وعوده الانتخابية السابقة، إلّا أن المنهجية التي اعتمدها خلال حملته الانتخابية الأخيرة حققت تعاطفاً واسعاً. وفي سياقٍ آخر، بنت العائلة المالكة في بريطانيا تواصلاً جماهيرياً واسعاً مع الجمهور حيث توّجت بفوز الملكة بجائزة المرأة الأقوى في المملكة فتفوقت بذلك على أكاديميين وفنانين. وهو الأمر الذي ميّز العائلة المالكة في السنوات الأخيرة بصفتها العائلة الأكثر متابعة في المملكة، بعدما كانت أخبارها مملة بالنسبة إلى البريطانيين لكنها باتت تعنى بالموضة مثلاً، والآن هي الأكثر متابعة على الـ «يوتيوب» و «تويتر».
الوزير السابق للداخلية في لبنان زياد بارود كان واضحاً في مداخلته عن آليات الاتصال الحكومي المطبقة في الهيئات الحكومية، فاعتبر «أن التواصل بحاجة إلى قرار سياسي غالباً ما يكون غائباً في دولنا العربية، وعلى كل هيئة إدارية في أي دولة أن تعي سبل الاتصال المتنوعة والمختلفة، علماً أن لكل هيئة احتياجاتها التي تختلف من إدارة إلى أخرى»، أما عميد كلية محمد بن راشد للإعلام في الجامعة الأميركية في دبي المدير العام لقنوات «إم بي سي» علي جابر فاعتبر أن «التواصل الحكومي غير فاعل لأن وسائله المستخدمة وخطاباته ولغته وأفكاره تكون في معظم الأوقات غير ناجحة ولا تؤدي الغرض المطلوب منها ولا تعبر عما يريده الطرفان».
وإذ شدد الكاتب والصحافي في جريدة «الحياة» الزميل جهاد الخازن على «وجوب أن تفي الحكومات بوعودها قبل أن تسعى للتواصل مع الشعوب»، اقترحت الإعلامية في قناة «إم بي سي» أوكتافيا نصر «إلغاء الطبقية في التعامل، أي إلغاء الـ نحن والـ هم، واتباع أسلوب «نحن نمثلهم» و «نحن منهم» لأنه الأمثل لعملية الاتصال».
وفي جلسة «الخطاب المؤثر»، لفت الإعلامي المصري حمدي قنديل إلى أن «مقياس التقدم ليس بالثروات في باطن الأرض، ولكن بالناس الذين يمشون على ظهرها وبالحاكم الذي يمشي بينهم، والتقدم مرهون بمزيد من الشفافية والمشاركة الشعبية وقليل من الثرثرة الحكومية».
مارتن لوثر كينغ الثالث
الناشط في مجال حقوق الإنسان والمجتمع مارتن لوثر كينغ الثالث، نجل مارتن لوثر كينغ جونيور، القس والناشط السياسي الإنساني الاميركي، عرض في المنتدى خبرته الشخصية في تقديم أفضل ممارسات الاتصال الحكومي في جلسة خاصة من أعمال منتدى «الاتصال الحكومي».
قال: «قد يكون العنف لغة أولئك الذين لم يُسمع صوتهم وأولئك الذين يرغبون في أن يسمع صوتهم، إلا أن استخدام الأسلوب السلمي يتيح فرصة إيصال الرسالة وكسب التعاطف في الوقت نفسه، وهذا ما فعله مارتن لوثر كينغ وفريقه بعدم السماح باستخدام العنف في تظاهراتهم ونجح عبر ذلك في الحصول على العديد من المكتسبات أهمها حق المواطنة وحق الانتخاب للسود وتغيير القوانين التي تحض على التمييز والعنصرية وتمكين السود من الحصول على حق المسكن والتعليم والرعاية الصحية والوظائف والعدالة المنصفة».
ورأى ان «هناك قيماً مرتبطة بالتواصل، ويجب دائماً مد جسور التواصل والحوار بين الحكومة والشعب، ولا يمكن التقدم خطوة واحدة من دون حوار ثم مفاوضة للوصول إلى حل سلمي للنزاعات ضمن خطوات ست منها جمع المعلومات والحقائق، والالتزام بالطريق السلمي لحل النزاع، والتصالح والتفاوض والجلوس الى طاولة واحدة مع ضرورة أن يقدم الطرفان تنازلات للوصول إلى حل مرضٍ، وإذا لم تكن هناك ثقة ورغبة في الحل فسيصل الطرفان إلى طريق مسدود».
وقال: «مارتن لوثر كينغ الوالد علمنا كيفية التعايش بانسجام وتفاهم مع بعضنا بعضاً، وأن هذه الأسس متشابهة في الكثير من المناطق حول العالم على رغم وجود بعض التعقيدات في مجتمعاتنا، وخصوصاً المجتمع الأميركي، ولا سيما قضية العنف واستخدام الأسلحة. وعلى رغم حصولنا على مساحة كبيرة من الحرية في الولايات المتحدة إلا إننا لم نتعلم كيفية التعايش مع بعضنا من دون إلحاق أضرار بأنفسنا، فلدينا نحن البشر الكثير من المناطق المشتركة التي تفوق مناطق الاختلاف».
وفرق في ذلك بين «السياسي ورجل الدولة، فالسياسي الجيد هو من يحضر للانتخابات، ورجل الدولة هو من يعد الجيل المقبل»، مشدداً على «أن كل قائد عليه أن يغير نمط الاتصال مع الآخرين وإذا لم يستخدم وسائل الاتصال الحديثة فإن الزمن سيفوته على عكس الذين يستخدمون أدوات الاتصال المتنوعة فإنهم بلا شك سيحققون النجاح المطلوب».
واذ لفت الى ان «أشكال التواصل أصبحت كثيرة للغاية مقارنة بالماضي»، قال: «إن الألم في أي مكان في العالم هو الألم وله الآثار نفسها وبالتالي يجب البحث عن وسائل الاتصال المناسبة مع كل شرائح المجتمع بغض النظر عن مكان وجدهم»، داعياً إلى البحث «عما يوحد وينشئ الاتفاق بين الناس»، مردداً مقولة تأثر بها للغاية «كن خجلاً إذا مت ولم تحقق شيئاً للإنسانية» وهو ما يمكن لكل شخص أن يحققه لو وضع هدفاً لحياته».
وعن ثمن التغيير، قال: «لا بد من ثمن يُدفع في كل الأحيان، ويتعين علينا أن نكون ملتزمين تجاه التغيير عبر التخطيط الاستراتيجي، وإذا لم تكن هناك خطة فإن التغيير يتأخر أو قد لا يحدث على الإطلاق»، مؤكداً أنه «يتعين علينا أن نؤمن بالشعوب وتعزيز قيم القيادة الجماعية والتواصل مع الجماهير باللغة التي يفهمونها وفي ظل مفاهيم مشتركة»
تشذيب وتصفية
في مركز «اكسبو» الشارقة، كان للضيوف الإعلاميين المحليين والعرب قاعة خاصة بهم لإنتاج موادهم حول المنتدى، والتي كانت تصلهم «مشذبة» عبر بريدهم الإلكتروني، ومن بين هذه المواد كلمة رجب طيب أردوغان الذي خضع هجومه العنيف فيها على الرئيس السوري بشار الأسد إلى «تصفية». كان ذلك في جلسة افتتاح المنتدى. لعل بعد اختتامه تنجح وحدات الاتصال الحكومي في الدول العربية في الاستفادة من كل ما قيل على مدى يومين ولا يبقى التواصل محصوراً بتغيير وسائل الاتصال..