Breaking
المقالات

المسكوت عنه في الربيع العربي

لا أحد يمكنه أن ينكر إن الظروف المحلية وعواملها هي المسببة في ثورات الربيع العربي، فالأوضاع المحلية هي المحرك الأساس لتلك الهبة الجارفة الكبرى بعد طول إنتظار وصبر،

المسكوت عنه في الربيع العربي
Click to enlarge

 

 

 غير إن الوضع العربي عموما مترابط بقضاياه التي أبداً لم يغفلها الإنسان العربي رغم ظروفه المحلية تاريخياً، حيث شكلت تلك القضايا مكنوناته ومصدر غضبه، وتضحياته ودعمه ومطالبه ووجدانه، وتُعَبِرُ عن حبل الوريد الرابط بين الظروف المحلية والوطنية والعربية عموماً، والتي لايمكن تجزئتها أو فصلها عن بعض، أو إغفال وتغييب البعض منها، فما هي القضايا المسكوت عنها في الربيع العربي؟ وما هو الدور المطلوب من القوة الوطنية محلياً والدور المطلوب عربياً لترقيتها، وما المطلوب منا كقوة وطنية عربية ليزهر الربيع العربي أزهاره وثماره على أكمل دائرة عربية.

إن الأهداف هي معيار قياس النتائج لأي عمل، رغم إنها في الحركات الإجتماعية غالباً مضمرة وعميقة، ولا تدرك إلا بتتبع عميق، وهي التي تعبر عن رفض الواقع المستهدف بالتغير في كل تجلياته ، فيتم تحقيقها بإعلائها  وإستحضارها في مسيرة الثورة التي تعبر عن جملة من المكنونات مجتمعة ومترابطة، حركت الفعل الكامنة بإشتعال فتيلها، وبالتالي تبقى محور مسيرتها حتى تتحقق فعلياً الأمر الذي لابد من ملاحظته في الربيع العربي، حيث تبدو الضرورة ملحة لإبراز قضايانا كدائرة وحزمة واحدة وليس تغييبها في زحمة الأحداث والصخب ألإعلامي الكبير - الذي ربما يكون مقصوداً - والذي يصطنع معارك يومية تغوص وتغرق في التفاصيل فضاعت في أتون ذلك عملية تحديد الأولويات الأساسية للعرب في مرحلة مخاض تاريخي مهم.

إن ثورات الربيع العربي أمام تحدي قضايا أساسية تحدد صدقية تثمير الفعل الثوري عربياً وإنعكاسه على قضايانا التي هي مصدر ثورتنا الأساس، والتي يبدو إنها غائبة حتى ألأن بسبب إعلاء الأسباب الدولية وإلاقليمية لدعم ثورات الربيع العربي ، حيث تبدو الضرورة ملحة اليوم لإعلاء أسبابنا نحن للثورة لتحقيق أهدافنا ومطالبنا وليس تحقيق مآرب وأسباب الدعم الخارجي سوى إقليمياً أو دولياً ، ولذا فإن الربيع العربي في - بلدانه - اليوم أمام سؤال تاريخي مهم - يضاف لتحقيق الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة - يمكن تحديده في أربعة قضايا هي:

 

اولاً التنمية المحلية: التي تشكل المحور الأساس والمعيار الحقيقي في موضوع الربيع العربي، حيث ثار الناس من واقع ظروفهم المعيشية التي يعانوها على مستوى الفرد والأسرة والقرية والمدينة، ولا شك إن الثورة التونسية التي ألهبت مشاعر العرب كانت في قرية نائة عبرت عن رفض البطالة وإنعدام البنية التحتية والتنمية، وكذلك الحال في مصر وليبيا واليمن، ولذا فإن غياب العمل حول التنمية والعصرنة والتحديث و إغفال أو تأجيل أو ألإحتيال على موضوع التنمية المحلية والبنية التحتية في الربيع العربي يعني إن الثورة سرقت أو ذهبت بعيداً عن أهدافها الحقيقية، حيث إن تاخير وتأجيل  العمل التنموي المحلي يعني بقاء نفس الأسباب للقيام بالثورة مرة اخرى.

 ثانيا: السيادة الوطنية: وهي معيار كرامة الوطن وهيبته وإستقلاليته الكاملة غير المنقوصة فعلاً وليس صورياً، والتي تعتبر عاملاً مهما في بقاء الدولة وممارسة سيادتها بعيداً عن التدخلات الخارجية والإملاءات، فالربيع العربي - في عصر القرية الكونية الواحدة ومع تداخل الأطماع والجغرافية والنفط وصراع القوى الكبرى في العالم - شهد رغم محلية أسبابه تدخلات خارجية واضحة ومعلومة ومعروفة، ثمرت القوى الكبرى والإقليمية إتجاهه فيها لتحقق مكاسبها الإقليمية والدولية ( نفطية - أرصدة - جغرافية - تموضع سياسي) في لحظة نهوض الدولة والنظام الجديد، الأمر الذي يتطلب أن تعٌبر الثورة اليوم - فيه - عن سيادتها الوطنية بالتحرر والإستقلالية التامة من التدخلات والإملااءت، والسيادة على الموارد والأراضي والأجواء والبحار، وهو المطلوب اليوم بقوة من القوى السياسية الوطنية - المتصارعة في بلدان الربيع العربي - تحقيقه والإلتفات إليه وإعتباره أولوية.

ثالثاً: فلسطين : حيث يعني غيابها كصوت وفعل - سوى في الساحات والميادين أو في الإعلام او السياسة - الذهاب بالربيع العربي بعيداً عن العرب وقضيتهم المركزية وضرورتها المصيرية، فلا ربيع عربي دون أن تكون فلسطين أحد قضاياه الأساسية الحاضرة، وخاصة المتعلقة بدعم الدولة الفلسطينية وفتح المعابر والتعامل بحزم في موضوع التطبيع والاستيطان.

رابعاً المقاومة : وهي الصيغة العملية والحقيقية لمبداء البقاء الذي تفرضه كل الشرائع على الأرض في حق الشعوب والأُمم في مقاومة مستعمريها ومكافحة إستيطان وقضم أراضيها، ولذا فإن غياب صوت دعم المقاومة وتشجيعها في ثورات الربيع العربي يتطلب منا اليوم تعلية هذه القيم النبيلة  المشروعة وجعلها - في الألفية الجديدة - أحد أذرع الربيع العربي التي يجتاح المنطقة في هذه الحقبة المهمة من تاريخنا في كل جوانبه.

أن الأمم تمر بمراحل مخاض تاريخية - كما نرى اليوم في أمتنا - وترى أيضاً أشكالاً من التدخل والتطاول ومحاولات سرقة جهدها والركوب على ثوراتها لحظة مخاضها (خاصة بالنسبة للعرب)، وما التخلص من الدكتاتورية المقيتة المتخلفة المتخشبة إلا مرحلة مهمة من التقدم والتطور الذي تسير عليه الأمم، ولابد اليوم من مواكبة هذا الإنجاز بشكل متوازي بتحقيق مكاسبنا على أكمل وأوسع دائرة في التنمية المحلية، والسيادة الوطنية الحقيقية، ودعم القضية الفلسطينية عملياً وإعلامياً وسياسياً، ودعم المقاومة التي تعتبر العمل الأكثر شعبية في مواجهة الإستعمار والإستيطان والإعتداءات، والتي أيضاً تعتبر الخط الحقيقي للقوة الشعبية المطالبة بالحرية والكرامة والسيادة والتحرر.

إن المطلوب اليوم بشكل ملح في ثورات الربيع العربي هو إعلاء وإستحضار القضايا العربية في الربيع العربي على الأسباب الدولية والإقليمية الداعمة له،  تلك الأسباب التي أبداً لم تكن حباً ، أو إعترافاً مفاجئاً بنا وبمعاناتنا أو إنسانية فقط ، بقدر ما كانت ومازالت وستبقى تعبيراً عن برغماتية ميكافيللية سياسية معروفة تاريخياً تواقة للسيطرة وتحقيق المكاسب الإستراتيجية في عالم متصارع ومتدافع بطبيعته، ولنا في تاريخنا الحديث من العبر ما يكفي للفهم وما يدفع للعمل بذكاء وفطنة.

والله من وراء القصد ..

كاتب ليبي/ بريطانيا
Print Article Send to Friend Add Comment

Reader Comments

Share Your Opinion