المقالات
أخطار السعي إلى الكمال عبر التكنولوجيا
«لحظة يتوقف قلبك عن الخفقان، لن تتوقف عن التغريد (على تويتر)». هذه العبارة تستقبل زائر موقع «لايفزأون» الذي يعد لإطلاق خدمة التغريد نيابة عن المرء بعد مماته من طريق تحليل سيل تغريداته السابقة. فالموقع يستخلص من التغريدات هذه «ما يستسيغه المرء،
أوجيني موروزوف
الأربعاء,13 مارس 2013 - 05:39 ص
مشاهدات: 404
وذوقه، وأسلوبه اللغوي وطريقة بناء جملته»، فيطبع التغريدة المؤتمتة بصبغة شخصية تعود الى شخص صار في العالم الآخر. وقد تخفق محاكاة «لايفزأون» تغريدات البشر، وقد تلقى النجاح، وفي الحالين لا يخفى أن فكرة الموقع هي من بنات أيديولوجيا السيليكون فالي (وادي السيليكون). ففي هذا الوادي تذلَّل القيود والحواجز التي تحد القدرات الإنسانية وتلغى، فشركة «سوبرهيومن»، الجديدة والغامضة، تعد زبائنها بالارتقاء إلى مصاف البشر «الخارقي القدرات» المصورين في القصص المصورة، والنقاش الدائر على ثورة تويتر أو أثر الإنترنت في المعرفة والإدراك يغفل أن أَعلام وادي السيليكون وأصحاب الرؤى المستقبلية يسعون إلى تطوير «ضمادات» تشفي ضعف قدرات الإنسانية.
الضجر لم يسلم من أسلحة وادي السيليكون، وهو يشارف على لفظ أنفاسه الأخيرة: فالباحثون اليابانيون ابتكروا وسائل تسلية تطرد الملل في رحلة في القطار: هاتف «آي فون» مرتبط بأداة تسليط الصور على شاشة، ووحدة «جي بي أس» وأداة «كينك» من «مايكروسوفت». وهذه الأجهزة المتصلة تمكِّن المسافر من زيادة عناصر الى «المشاهد» خارج نافذة القطار، فيرى ما يشغله ويثير اهتمامه في واقع خيالي يزرع في قلب «الواقع». وقد يلقى مثل هذه الأجهزة رواجاً في أوساط نظام كوريا الشمالية الذي يحجر بين أبنائه والعالم الخارجي.
والمرء الذي يميل إلى النسيان يجد غايته في وادي السيليكون، فهو يُعد «تطبيقاً» ذكياً يتذكر الأشياء عنه، وإذا كان المرء يتوسل المراوغة والكذب في الجمع بين واجبات كثيرة متشابكة ومتباينة، على غرار الجمع بين مسؤوليات الأهل والأصدقاء والزملاء، فقد يرصد تطبيقٌ الكتروني خللاً في تماسك سلوكه فينذر من يتوجه اليه بأنه يكذب. وفي الشهر المنصرم، اعلن راندي زوكربيرغ، مدير التسويق السابق في «فايسبوك»، والحماسة تعلو وجهه عن تطبيق رائج يحسم قرارات المرء اليومية من طريق الـ «كراودسورس»، أي الاحتكام إلى خدمات عدد من المستشارين على الإنترنت. والتطبيق اسمه «سيسو» (التأرجح او الأرجوحة)، وهو ينجز استفتاء فورياً مع الأصدقاء ويطلب النصح والمشورة من خبراء في شؤون الحياة اليومية: أيَّ فستان زفاف تشتري المرأة، وأي شراب حليب مخفوق يختار المرء، وأي مرشح سياسي ينتخب. و «سيسو» يخلف أثراً كبيراً في رؤية الناس الى ردود الآخرين واحتمال الإخفاق في نيل إعجابهم. فإلى وقت قريب، مال الناس إلى شراء الأشياء لإثارة إعجاب الأصدقاء، مع إدراكهم أنهم قد لا يستسيغونها، ولكن اليوم انقلب منطق الشراء: إذا كان الشيء يعجب الأصدقاء أشتريه. ويعرف المرء عدد الأصدقاء الذين يُبدون عبر «فايسبوك» إعجابهم بالقرار المزمع قبل اتخاذه. ورأى الفيلسوف الوجودي جان- بول سارتر، أن التنازع والقلق لدى اتخاذ القرار هما عَلم على المسؤولية، وهذا هو الجسر الى النضج. ومثل هذه المسؤولية لا مكان لها في وادي السيليكون الذي انحاز إلى تخفيف المعاناة البشرية المترافقة مع اتخاذ القرار. وعلى سبيل المثل، ترمي نظارة «غوغل غلاس» الذكية، وهي تلتقط تلقائياً الصور المحيطة بالمرء وتحفظها للأجيال المقبلة، إلى ردم فجوات النسيان، وإلغاء النسيان هو من بنات أفكار عالِم الكمبيوتر الرؤيوي، غوردون بيل. وهو وعد الناس ببروز تكنولوجيا تسجيل تعزز «البصيرة الذاتية، وتمكن واحدنا من عيش قصة حياته وتذكُّر تفاصيلها تذكراً بروستياً (نسبة الى مارسيل بروست)، وتمنحه حرية تذكر ما يشاء وإلغاء ما لا يحتاج اليه من ذكريات وزيادة قدرته على الإبداع». ولا يخفى أن وصفه مثل هذه الذاكرة التي تراكم الحوادث وتسجلها بالبروستية في غير محله، فالذاكرة البروستية هي تفاعل معقد من التجارب الحسية والاستعادة السردية الروائية. ويقول بيل إن أجهزة التسجيل هذه تجعل المرء يدرك أخطاءه وتنافر أفعاله، وتميط اللثام عن حجم الكذبات التي يسر بها إلى نفسه ويقدمها الى الآخرين. وفي مقالته اللامعة «في مديح التنافر»، المنشورة في «ديسنت» في 1964، يذهب الفيلسوف البولندي ليشك كولاكوفسكي إلى أن التماسك المطلق من غير تنافر هو صنو التعصب والعقائد المغلقة، فتنافر أفعال المرء وتجاذبها هما السبيل الوحيد إلى تفادي تحوله عقائدياً لا يقيم وزناً لأحوال العالم.
النظارات الذكية لن يقتصر دورها في المستقبل القريب على تخزين الأفعال وما يصادفه المرء، فهي قد تعدل المشاهد المزعجة في طريق التوجه إلى العمل، فالباحثة الرؤيوية المستقبلية، عائشة خانا، أعلنت العام الماضي تطوير عدسات لاصقة تخفي المشردين من مرأى العين. ويبدو أن النظارة هذه تحل مشكلة التشرد إذا لم يكن المرء نفسه مشرداً، وربما ينتج وادي السيليكون نظارة للمتشرد تجعل الشارع يبدو كالبيت. والكلام على مثل هذه النظارات يعيد الى الذهن شعار إعلاني لتلفزيون سامسونغ «الواقع، يا له من خيبة أمل!».
والحل التبسيطي التكنولوجي لمشكلات الحياة يغفل أبعادها الفلسفية، وعقيدة الحلول التكنولوجية تلتزم دوراً رسالياً إنسانياً يجوز وصفه بـ «الإنسانوية الرقمية»، فيحسب رواد الإنترنت أنهم ذللوا مشكلة «جيش الرب» في أوغندا من طريق نشر شريط قصير يرجى من انتشاره أن يحمل زعيم هذا الجيش على الشعور بالعار وإلقاء السلاح. ثمة مقالة نشرها موقع «وايرد» البريطاني عنوانها «افريقيا؟ ثمة تطبيق (إلكتروني) يذللها». ولكن يبدو أن البنك الدولي فاته التوسل بهذا التطبيق السحري.