عاجل
المقالات

أخبار مُسجلة

تعمد القنوات، عادةً، إلى تسجيل نشراتها الإخبارية، التفصيلية منها، والمُوجزة. يمكن المرء إدراك أهمية هذا الفعل، إذا نُظر إليه باعتباره تزويداً يومياً متواصلاً للأرشيف السمعي البصري الذي يتحوّل إلى ذاكرة تختزن سيرة أمكنة وأزمنة وشخصيات ووقائع وأحداث. وفي اليقين أن الانتباه إلى المخزون المتراكم في بطن هذا الأرشيف،

 له أن يكون أمّ المصادر والمراجع الراهنة والمستقبلية، التي يمكنها أن تتسرّب إلى أفلام وبرامج، بل وإلى حلقات بحث ومشاريع تخرّج ودراسات أكاديمية.

ربما، يمكن إعادة نشرة الأخبار التلفزيونية اليوم، إلى سلفها المتمثل في الجريدة السينمائية التي عرفت رواجاً في النصف الأول من القرن العشرين، وأضحت المصدر السمعي البصري للراغبين في مشاهدة ما كان له أن يتوافر من صور، سرعان ما غدا الكثير أيقونات ارتباطاً بشخصيات ووقائع، عرفت طريقها إلى التاريخ وذاكرة الإنسانية.

يمكن أيّ قناة تلفزيونية الاعتداد بأرشيفها، وما تمتلكه من مواد أصيلة وصور قابلة للتداول والاستخدام وإعادة الاستخدام، بخاصّة مع توافر تلك السوق العالمية الهائلة التي يتمّ في ثناياها توزيع هذه المواد والصور وتسويقها وتبادلها، سواء كانت خاماً أم تمّ تثميرها في أنسجة أوسع وأشمل، على هيئة أفلام وتقارير ومسلسلات وثائقية أو روائية.

وإذ يبدو هذا الأمر، أي تسجيل الأخبار، على شكل عملية تقنية بحتة، يمكن عامل المكتبة القيام بها، كما يعتقد بعض القائمين على هذه القنوات، فإن من الضروري الانتباه هنا إلى أنه في الحقيقة أبعد من ذلك تماماً، وأكثر خطورة! إنها عملية جوهرية، تفيض عن طبيعة العمل اليومي الروتيني، وترتقي إلى شكل من كتابة التاريخ، من خلال الأخبار، وما تتضمّنه من صور وتقارير، وتصريحات، وظهور شخصيات فاعلة في الواقع، أو شخصيات ذات رؤية بصدد ما يجري.

وكما أن كتابة التاريخ يجب أن تتحرّى الدقة، فإن تسجيل الأخبار ينبغي أن يخضع للمعايير ذاتها! فهل يجوز الاحتفاظ، مثلاً، بنشرة أخبار تبيّن بوضوح إصابتها بخطأ في معلومة أو تفصيل أو لغة؟ وهل يجوز أن تدخل هذه النشرة الأرشيف، وتتحوّل إلى مصدر، يمكن أن يقع عليه دارس أو باحث، ويأخذ ما فيها على عواهنه؟

يحدث الآن، وعلى أكثر من شاشة، أن يجد المشاهد نفسه أمام أخطاء مضحكة، ترد في ثنايا هذه النشرة، أو ذاك الموجز، كأن تنتقل مدينة من ريف درعا إلى ريف حلب، أو أن تحطّ بلدة أخرى على ضفة نهر الفرات، مغادرةً موقعها الأصلي في الغوطة الشرقية! تماماً كما يحدث أن تجري كتابة اسم شخصية تظهر على الشاشة، فنقرأ الاسم مكتوباً في شكل خاطئ، أو ننتبه إلى أنه ينتمي الى شخصية أخرى، غير هذه التي نراها ونسمعها! وستعيد قناة «الجزيرة» موجزاً إخبارياً غير مرّة، وقد ارتكبت المذيعة خطأ لغوياً فاضحاً، فبقيت تكرّره بإصرار... ليس لرغبة من المذيعة، ولكن لأنها سجّلت النشرة، ومضت!


طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك