عاجل
الدراسات

السينما وحقوق الإنسان دارسة حالة فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس"

إن فكرة التسامح وأسلوب الحوار وقبول الآخر أياً كان الأخر ، وأين تقف حقوق الفرد لتبدأ حقوق الآخرين جميعها موضوعات تطرح نفسها وبقوة في عصر تدنت فيه حقوق الفرد ، مما يدفع وبقوة إلى أهمية النهوض بثقافة حقوق الإنسان الذي جاءت بها جميع الرسالات السماوية وهي إعلاء شأن الأنسان وإحترام أدميته بغض النظر عن عقيدته ، لذلك نجد أن الارتقاء بهذه الحقوق ونشر ثقافتها بات مطلبا حقيقيا لتميكن الفرد من كل حقوقه الإنسانية ، وهذا ما يدفع باتجاه الاهتمام بنشر هذه الثقافة سواء من حيث المواد التعليمية أو من خلال وسائل الإعلام

السينما وحقوق الإنسان  دارسة حالة فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس"
اضغط للتكبير

إذن الثقافة الحقوقية في المنطقة العربية المتدنية تستوجب النهوض بها من خلال المواد التعليمية ووسائل الإعلام المختلفة
بعد أن اتسعت آفاقها في مختلف أنحاء العالم وباتت من مقومات التنمية في أي بلد، فالتنمية لم تعد مجرد نمو اقتصادي وإنما تمكين المواطن من أن يحصل على حقوقه السياسية والمدنية جنباً إلى جنب مع حقوقه الاقتصادية والاجتماعية مثل حقه بالسكن والتعليم وغيرها من مناحي الحياة .
لذلك من المهم البحث عن هذه القضايا الحقوقية في السينما التي باتت بدورها من أهم المؤثرات الثقافية في المجتمع .وإن كانت السينما موضع نقد من الكثير لتخليها عن دورها التوعوي إلى أدوار أخرى رخيصة وأصبحت غاية للمكسب  على حساب قيم المجتمع .على عكس دورها المنوطة به ولنا في السينما الإيرانية عبرة وعظة .

حقوق الانسان كتعريف عام :

حقوق الإنسان، هي الحقوق والحريات المستحقة لكل شخص لمجرد كونه إنسانا دون تمييز لأصل أو دين أوعرق أو لون أو لغة أو معتقد سياسي" فقط لكونه إنسان" . ويستند مفهوم حقوق الإنسان على الإقرار بما لجميع أفراد الأسرة البشرية من قيمة وكرامة أصيلة فيهم فطروا وجبلوا عليها، فهم يستحقون التمتع بحريات أساسية معينة. وبإقرار هذه الحريات فإن المرء يستطيع أن يتمتع بالأمن والأمان، ويصبح قادراً على اتخاذ القرارات التي تنظم حياته.

حقوق الإنسان في الرواية والسينما العربية :

من المعروف إن الرواية هي فن المدينة، ولما كان مجتمع المدينة بطبيعيته أكثر أنواع المجتمعات تغيراً واستجابة للتجديد وتمثّلاً للتحولات، فكان من الطبيعي أن تعنى الرواية في استجابتها لمتغيرات المجتمع المدني مشتملاً على الحقوق الأساسية وتحولاته بفعل التغير وما ينتج عنه، وفي ضوء ذلك صار ينظر للرواية بوصفها فن العصر.

وبذلك  تفاعلت الرواية  واشتبكت مع الواقع مباشرة أو غير مباشرة بطريقة ساخرة ومحاكاة قائمة علي النقد والهجاء وتعرية الذات والموضوع معا،يقول محمد منيب البوريمي في دراسته القيمة عن الفضاء السياسي في الرواية السبعينية " عندما نصل إلي جيل الستينات: (جمال الغيطاني / إسماعيل فهد إسماعيل/ نبيل سليمان/ شريف حتاتة وغيرهم)، أي جيل ما بعد هزيمة يونيو 1967، فإننا نجد الفضاء الروائي عندهم يتخذ شكلا آخر، وبعدا آخر مغايرين تماما، يتميز بالعداء عموما (فضاء مراكز الشرطة، والمخابرات، وفضاء القلاع والسجون، والغرف الحمراء، ودهاليز الاحتجاز، والإذلال وساحات الإعدام وقضبان الانتظار، وعتبات القلق الممض والحيرة الناهشة)، إنه الفضاء السياسي الواقعي بكل كوابيسه الدموية اليومية. هذا الفضاء المعادي أصبح يسيطر علي راهن الرواية العربية كتابة وقراءة وتمثلا. إنه فضاء نمطي، أو هو في طريقه إلي التنميط، يطمح أن يختصر (بكل مكوناته الواقعية والرمزية) عذاب الإنسان المستلب والمقموع في أي بقعة من بقاع العالم الثالث - عبر صراعه في المجتمع - ضد إحباطاته الذاتية وضد قمع السلطة وعدوانية الآخرين". وهو ما يوكده ايضاً الناقد السينمائي مصطفى درويش بقوله " السينما تعاملت مع هذه القضايا في أفلامها التي لو جمعت ووضعت بجوار بعضها سنجد أنها تلمس حقوق الإنسان ولم تكن محورا أساسيا لها; بطريقة اعتمدت علي الاستسهال, لخوف صناعها من التنكيل بهم كما يحدث لزملائهم في إيران, وتركيا الذين يتناولون هذه الموضوعات بشكل أساسي في أفلامهم "

والرواية والسينما قد تعكس أو تبرز إلى حد ما – إذاكانت غير  خاضعة للنظام الحاكم - الواقع المعايش للإنسان , وهو ما ظهر جليأ في كتابات وروايات الكثير من الكتاب المعاصرين للحقبة الناصرية – موضع دراسة الحالة- الذي تنناولوا هذه الإنتهاكات للحقوق الإنسانية للمواطن المصري في كتاباتهم الروائية والقصصية سواء أكان ذلك تلميحاً أو صراحة ومن هولاء الكتاب مصطفى وعلى أمين "سنة أولي سجن ـ سنة ثالثة سجن" ـ زينب الغزالي" صور من حياتي "  , محمد عبد السلام " سنوات عصيبة"" مذكرات نائب عام سابق"وجمال الغيطاني في (الزيني بركات) . علي عشماوي" التاريخ السري للاخوان المسلمين".

  وجلال الدين الحمامصي  "حوار خلف الاسوار" التي نتج عنها الفيلم السينمائي " إحنا بتوع الأتوبيس " إنتاج 1979.الذي سيتم من خلاله هذه الطلالة السريعة على حقوق الانسان كما عكسها هذا الفيلم .

وقد ترجمت هذه الروايات إلى أفلام سينمائية منها وكان من أهمها وأقساها "فيلم الكرنك" الذي أُنتج عام 1975 وأثار جدلاً واسعاً وانتقادات من عدة أطراف، وهو من بطولة الراحلة سعاد حسني ونور الشريف ومحمد صبحي وكمال الشناوي . الفيلم مأخوذ عن رواية نجيب محفوظ التي تحمل نفس العنوان وتتناول فترة من تاريخ مصر شديدة الخطورة والتأثير علي الشخصية المصرية ،حتي فترة بعيدة قادمة . الفترة التي أعقبت هزيمة 1967. وأفلام أخرى مثل "وراء الشمس" و"حلاوة الروح"

فيلم إحنا بتوع الاتوبيس :

كان هذا الفيلم إنعكاساً لإنتهاك حقوق الانسان في أثناء حكم عبد الناصر التي أتفق عليها الجميع أنها أسو فترات المجتمع المدني منذ بداياته إلى الأن لما تسمت به من تعدي واضح لأبسط حقوق الأنسان .

الإنتاج: أم كلثوم الحميديأولاً: بيانات توثيقيه
الإنتاج: أم كلثوم الحميدي
سنة الانتاج : 1979
الإخراج: حسين كمال
القصة: عن واقعة حقيقية في كتاب "حوار خلف الأسوار" للكاتب الصحفي "جلال الدين الحمامصي".
القصة السينمائية والسيناريو والحوار: فاروق صبري
التصوير: محسن نصر
المونتاج: رشيدة عبد السلام
الموسيقى والألحان: بليغ حمدي
مهندس الديكور ومنسق المناظر: نهاد بهجت
التمثيل: عادل إمام (جابر)- عبد المنعم مدبولي (مرزوق)- مشيرة إسماعيل (مني)- عقيلة راتب (حفظية)- سعيد عبد الغني (رمزي)- يونس شلبي (على)- إبراهيم سعفان – وجدي العربي– إسعاد يونس- جمال إسماعيل  (الشاويش عبد المعطي)- مظهر أبو النجا – رشوان سعيد- على الغندور- عدوي غيث- علية عبد المنعم – أحمد سلامة – عبد الحميد المنير- رأفت راجي- أبو السعود عطية – فيصل عزب – سيد محمود – رشوان مصطفى

الإخراج: حسين كمملخص قصة الفيلم

يتناول الفيلم: الحق في سلامة النفس والجسد، وحقوق المعتقلين، من خلال عرض الفيلم لقضية تعذيب تعرض لها أبطال الفيلم الذين إلتقوا مصادفة بإحدى وسائل النقل العامة، فتحدث أحدهم مُنتقداً الأوضاع السياسية والأوضاع المعيشية والإجتماعية والإقتصادية القائمة الأمر الذي جعل البعض يرتاب في أمره وينظر له على كونه مُخبراً سرياً يُريد إستنطاقهم وفقاً لما كان سائداً وقتذاك، تدور مشادة ساخنة بين هذا الشخص ومُحصِل الأتوبيس وتنتهي باللجوء إلى قسم الشرطة، وفي القسم يتحول الأمر رأساً على عقب، حيث يجد البطل وزميله الذي نزل معه للشهادة أنفسهما أمام إتهاماتٍ سياسية ويتعرضان لأبشع صنوف التعذيب والإنتهاكات وتنتهك كافة حقوقهم الإنسانية كأشخاص لجأوا إلى قسم الشرطة لفض شجار بسيط نشب بين أحدهما وكمساري الأتوبيس.وتننهي بثورة عارمة عشوائية كما بدأت أحداث الفيلم بطريقة عشوائية يقتل فيه مامور القسم على يد أحد الحراس بعد علم زيف الشعارات والخداع الذي كان يعيش فيه.

. القضايا التى يثيرها الفيلم من وجهة نظر حقوق الإنسان

نحن إزاء فيلم سينمائى مصرى يتخذ من تعذيب المسجونين مادة أساسية لتكوين أحداثه ووقائعه فذكرنا أنه استناداً إلى نصوص الإعلان العالمى لحقوق الإنسان فى ديسمبر 1948، ينص العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية فى مادته العاشرة (فقرة أولى) على أن: "يعامل جميع المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحترم الكرامة الأصيلة فى الشخص الإنساني"، وهو الأمر الذى يعيد الدستور  المصرى التأكيد عليه فى مادته الثانية والأربعين التى تقرر أنه: "كل مواطن يقبض عليه أو يحبس أو تقيد حريته بأى قيد، يجب معاملته بما يحفظ عليه كرامة الإنسان، ولا يجوز إيذاؤه بدنياً أو معنوياً". كما تعرف "اتفاقية مناهضة التعذيب" مفهوم "التعذيب" ذاته بأنه: "أى عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسدياً كان أم عقلياً، ويلحق عمداً بشخص ما؛ بقصد الحصول من هذا الشخص أو من شخص ثالث على معلومات أو على اعتراف أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه فى أنه ارتكبه هو أو شخص ثالث

ويحقق فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" عدداً من الملاحظات التى من شأنها أن توضع فى الاعتبار، عند تناوله من وجهة نظر القضايا التى يثيرها من ناحية "حقوق الإنسان"، خاصة "حقوق السجناء

أولاً: يثير فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" القضايا الثلاث التقليدية فى مجال العلاقة بين الأجهزة الأمنية والمواطنين فى أحوال الضبط والقبض والاحتجاز والتحقيق والمعاملة أثناء هذه الاجراءات وهى قضايا "الاختفاء القسرى" و"التعذيب" و"الاعتراف تحت ظروف الإكراه".

- فنحن نواجه نوعاً مستجداً من حالات الاختفاء القسرى للمواطنين، فى فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" نلاحظ أن بطلينا "جابر" و"مرزوق" يذهبان إلى قسم الشرطة فى مشاجرة عادية يشكلان فيها طرفاً ويشكل محصل التذاكر بالأتوبيس الطرف الآخر فيها. ولأن قسم الشرطة يموج بحركة غير عادية فى ذلك اليوم، بسبب النشاط العالى للأجهزة الأمنية فى القبض على عدد كبير جداً من الأشخاص المنسوب إليهم الاشتراك فى مؤامرة لقلب نظام الحكم، فإن خلطاً خطيراً يقع من ضباط القسم، ينتهي بإدراج كل من "جابر" و"مرزوق" ضمن المقبوض عليهم فى هذه الحملة الأمنية ذات الطابع القمعي، التى تستهدف عدداً كبيرا من الناشطين السياسيين المصريين فى ذلك الوقت.

فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" سبب الاختفاء القسرى هنا يبدو عبثياً تماماً، فمجرد تواجد الشخصية مصادفة بمقر مخفر الشرطة، ينتهي بهما إلى الاعتقال بتهمة سياسية لا علاقة لأى منهما بها على الاطلاق.

2- وتعرض المقبوض عليهم للتعذيب أثناء احتجازهم، لا شيئا جديداً بصفة إجمالية، فهناك الجلد، ومنع المياه، والركل والصفع واللكم، والجديد من نوعه فى هذا الفيلم هو تقديم اصطلاحات خاصة بالتعذيب يتداولها القائمون على المعتقل من قادة وجلادين، فهناك "الترويق"، ويقصد به حفل الاستقبال الترهيبى التعذيبى الذى يلاقيه المعتقلون عند وصولهم للسجن لأول مرة، بما ينالونه من ركل ولطم ولكم وصفع، مع ما يسمعونه من ألفاظ الشتم والسب. وهناك "التكييف"، الذى يقصد به الانتقال إلى مرحلة أعلى من التعذيب، عادة ما تتضمن الجلد بصفة أساسية فى هذا الفيلم. وهناك آخر مراحل التعذيب وهى مرحلة "الافراج"، التى يقصد بها الوصول بتعذيب المسجون "السياسى" إلى حد الموت الذى يرى فيه المعذبون نوعاً من الخلاص من هذا العذاب. ويقدم الفيلم جديداً ممثلاً فى "حمام الشمس"، الذى يعنى الوقف تحت لهيب الشمس الحارق لمدة تصل إلى ما يتجاوز الخمس ساعات مع رفع الذراعين لأعلى فى نفس الوقت. وهناك أيضاً القهر المعنوى للمسجون الذى يمتثل لأوامر جلاديه ليمثل دور أحد الحيوانات ترفيهاً عن الجلاد وإذلالاً للمسجون إلى حد الثمالة، فيقوم "مرزوق" بأداء دور "الكلب"، حيث يقوم بالسير على ساعديه وركبتيه (على أربع) ويسحبه أحد الجلادين من عنقه بحبل موثق حوله، وينبح بالفعل تقليداً  للكلاب، وهو يردد من حين لآخر إجابة على تساؤل مأمور المعتقل "أنا كلب يا رمزى بك". أما "جابر" فهو يؤدى دور "القرد" الذى يقوم بالترفيه عن العامة فى الطرق، فيتراقص على نغمة "أرقص أرقص يا ميمون"، على صفيح ساخن يلهب قدميه العاريتين، ثم يؤدى حركات "عجينة الفلاحة "و"نوم العازب"، ونحن نتابع مع الفيلم إلى أى حد عبثي يمكن أن تنتهك كرامة الإنسان.

3- والتعذيب فى فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" من الممكن أن ينتهي بالمسجون المعذب إلى الجنون، فهناك مسجون يصل به تعذيبه إلى حد الجنون، خاصة وهو يعاصر موت أحد رفاق محبسه بسبب التعذيب (أبو فتحي) فيتصور أن "أبو فتحي" يأتيه من العالم الآخر (من حين لآخر) حاملاً معه الصحف وبعض الطعام. ولكن التعذيب يصل فى حده الأقصى –كما ذكرنا من قبل- إلى ما يسمى بمرحلة "الافراج"، أى إلى موت المسجون على أثر ما يتلقى من تعذيب مثل الشخصية التى لا نراها وهو "أبو فتحي"، وشخصية أخرى تتعايش معها وهو للشاعر الجامعي "محمود".

4- وعادة ما يكون الغرض من تعذيب المسجونين السياسيين هو الحصول على اعترافات موقعة منهم بالتهم والجرائم السياسية المنسوبة إليهم، وهى فى العادة تتصل بفكرة تغيير نظام الحكم بالقوة، وما يتصل به من جرائم التحريض وبث المنشورات المناهضة لنظام الحكم وحيازتها، وحيازة الأدوات والمواد الخاصة بالتفجيرات أو حيازة الأسلحة النارية أو الأسلحة البيضاء، وهكذا. وفى فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" يقتصر الغرض من التعذيب على الحصول على توقيع باعترافات بتهم الشروع أو التآمر لقلب نظام الحكم بالقوة
.

والحقيقة أن السعي وراء الحصول على هذه الاعترافات، حتى ولو بالتزوير، يأتى استناداً إلى ظاهرة تستشري فى نظم الحكم الشمولية، أو ذات الطابع الشمولي (حتى ولو ادعت غير ذلك) حيث تسعى  أجهزة الأمن المختلفة إلى إيهام الحاكم بتعرضه لخطر من أعداء (حقيقيين أو وهميين) وأن هذه الأجهزة الأمنية هى الوحيدة القادرة على حمايته من هذا الخطر وإنقاذ نظام حكمه منه. ومن العجيب أنه مع تعداد أجهزة الأمن فى الدولة، يقوم نوع من التنافس بينها فى إيهام الحاكم بالخطر وإيهامه بحمايته منه، وكان التنافس فى مصر، خاصة فى عقد الستينيات، قائماً بين جهازى "المخابرات العامة" ذي السطوة القوية، و"المباحث العامة/ البوليس السياسى" ذي السطوة الأقل قوة وإن كانت ليست أقل عنفاً فى العادة. وفى كل الحالات تنتهي هذه الممارسات المشبوهة برفع درجة سطوة هذه الأجهزة الأمنية، ومنح قيادتها امتياز.
إشارات سريعة :

* لا تتعرض متعتنا بمتابعة هذا العمل الفنى لقلق كبير، بسبب ما قد يشوب صياغته السردية أو إخراجه من ملاحظات لا تغيب على صانعي الفيلم. ففى مجال الصياغة السردية تشير الإبنة "منى" فى حديثها إلى الأم "حفيظة" أنها قد ركبت الأتوبيس وتركت أباها على محطته مع "جابر"، فى حين أن الفيلم سبق أن قدم مشهداً هاماً وله دلالته المعنوية، خاصة فيما يتعلق بمشاعر الأب "مرزوق" تجاه جاره "جابر"، وهو أن الأب بمجرد أن يرى "جابر" على محطة الأتوبيس صباحاً، يراوده الخوف على ابنته، فيدفع بها لركوب سيارة أجرة (تاكسي) وهو يدس فى يدها أجرة هذا التاكسي، فتطيعه على مضض، لأنها ترغب (بالطبع) فى صحبة "جابر" لهما، فكيف لها أن تذكر أنها ركبت أتوبيساً وتركت أباها على المحطة صحبة "جابر"؟ وإذا كان جابر يسكن الشقة الصغيرة المتواضعة التى تشغل جزءاً من سطوح البيت فوق شقة "مرزوق"وأسرته، فكيف يتأتى وجود سلم صاعد بجوار باب شقة السطوح الذى هو آخر مطاف الدرج فى هذه العمارة الشعبية المتواضعة ؟.

* يخلوالفيلم  من الإشارة إلى الانتهاكات الجنسية التى يمكن أن يتعرض لها المسجونون أو ذويهم وعلى أيدي رجال مراكز القوى أو أتباعهم

* ترى هل كان يمكن لمحصل الأتوبيس إن يلقى نفس مصير "مرزوق" و"جابر" ولو لم يفرج ضابط القسم عنه، تحوطا منه لعدم تعطيل ركاب الأتوبيس؟ أم أنه كان يمكن أن يتغير مصير الرجلين لو صحبهما المحصل إلى المعتقل؟

* من المناسب أن نتذكر معاً أن صناع الفيلم قد اختاروا له نهاية تختلف تماماً عن نهاية القصة التى يرويها "جلال الدين الحمامصى" فى كتابه "حوار خلف الأسوار"، فالأمر فى النص المكتوب ينتهي بالافراج عن الرجلين بعد أن ذاقا عذاب المعتقل، وفى المقابل فى الفيلم ينتهي المطاف بالرجلين وهما يسقطان صرعى بين عدد من شهداء وقتلى المذبحة الدموية التى ينتهي بها الفيلم رداً على ثورة المسجونين.

* هل يمكن أن تتغير  استساغتنا للبناء الدرامى للفيلم لو تغير أسلوب تقديم طلبة الجامعة خلال السرد الفيلمى؟ فالفيلم يقدم لنا هؤلاء الطلبة ونشاطهم السياسى، سواء من خلال العمل الفنى أو من خلال إعلان التمرد على أسلوب الحكم ثم القبض عليهم، فهل يختلف الأمر (خاصة إلى الأفضل- ربما) لو يقدم لنا لفيلم هؤلاء الطلبة من خلال السجن، ثم يطلعنا على ملابسات وجودهم فى هذا المعتقل وماهية الأسباب وراء القبض عليهم، حتى لا يخرج بنا السرد الفيلمى عن خط متابعة الشخصيتين الرئيسيتين "مرزوق" و"جابر" على نحو يتعارض مع ضرورة متابعتنا لهما بحسب الخطة التى يختطها صناع  الفيلم منذ بدايته حتى نهايته، عدا القبض على الطلبة وهوجة القبض على عدد آخر من المواطنين فى مكاتب وظائفهم أو فى حقول فلاحتهم، وهكذا.ات مادية وأدبية مبالغاً فيها.
وبذلك عرض الفيلم بصورة أقرب للواقع لما كان يحدث للمواطن العادي من إنتهاكات لأبسط حقوقه الإنسانية في فترة أتسمت بأنها كانت أسو الفترات التي تعرضت فيها حقوق الأنسان للإنتهاكات , وبالتالي عكست السينما واقع حقوق الإنسان في الحقبة الناصرية وما شهدته إعتداءت على الحرية الشخصية للفرد .


طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك