Breaking
المقالات

العدسة تفتح الباب للتاريخ كي يمر

ثمة ما يستحق الكتابة اليوم عن حس ستيني في العدسة في الزمن الرقمي، إنه أورموند جيجلي، هذا الفوتوغرافي العجوز (ولد في نيويورك عام 1925) الذي لا يغادر أروقة نيويورك وواشنطن ولندن، ومع كل هذا بقي مجهولا في الأوساط العربية.

العدسة تفتح الباب للتاريخ كي يمر
Click to enlarge

صورة أورموند جيجلي «فتيات في النوافذ» رغم أنها التقطت عام 1960 وحصلت على جائزة دولية، إلا أنها دائما تبقى الأفضل ومازالت الأكثر تحميلا على الإنترنت وبمقابل مدفوع، وأعيد الاحتفاء بها هذه الأيام من دون مناسبة في الصحف الأميركية والبريطانية، لماذا؟ لا أحد يبحث عن الجواب بقدر ما يبحث عن السر المفضوح في وقفة 43 امرأة على نوافذ مشرعة، وكأنها تنتظر الهدم!

هل أرخ أورموند جيجلي في هذه اللقطة لمعمار المبنى البني الغامق وخطوطه وكأنه باخرة وسط البحر، أم لمعمار الجمال الأنثوي؟ وهل كان عدد الفتيات يحمل دلالة ما، إنه غير متسق مع عدد النوافذ والأبواب، حيث وقفت الفتيات مثل شمعدانات ملونة، فيما بقيت بعض الأبواب فارغة، وكأن العدسة تترك مساحة للتاريخ كي يمرّ في يوم ما. ثمة ما يقف خارج المبنى وكأنه يؤشر لمعماريته المدججة بالفخامة، حتى العربة بدت وكأنها ملحق لا غنى عنه.

أجواء الستينات في هذه الصورة مبهرة بالحنين، وهذا الذي جعلها تتجدد دائما أمام العين.

هاجس جيجلي كان بطريقة أو بأخرى أن يخلد مثل هذه المباني خشية إزالتها أو استبدالها بمعمار معاصر، فقد شاهد من قبل مجموعة من تلك البنايات أزيلت لسبب أو لآخر، فشعر بالقلق على هذه البناية الأميركية وحجرها البني الغامق وكأنها أحد واجهات روما في زمن نيرون. كذلك استعان بثلاث وأربعين امرأة ومركبة رولز رويس لتكون شاهدا مع عدسته.

شهرة هذا الفوتوغرافي الأميركي عمت الأوساط الفنية عندما كان عمره 25 عاما، فقد كان صندوقه الأسود والأبيض شاهدا على الجمال المخملي عندما صور صوفيا لورين في سن 21 عاماً، جون كينيدي، جينا لولو بريجيدا، ديانا فريلاند، جيانكارلو جيانيني، مارلين ديتريش، جودي غارلاند، السير لورانس أوليفييه، آلان بيتس، ريتشارد بيرتون. ولنا أن نتخيل بعد ذلك أي صدى لعدسته بعد أن أطلقت أضواءها في وجه كل هؤلاء النجوم.

المرأة في عدسة جيجلي كائن أرق من فراشة، كيف تسنى له اكتشاف هذا الحس في تفاصيل حركة المرأة، هل جرب أكثر مما ينبغي كي يخرج بلقطة واحدة؟

صورة الشفاه مثلا التي التقطت هي الأخرى عام 1960 في نيويورك تطلق حشدا من الأسئلة المفتوحة على أسئلة أخرى، لكنها لا تدع العين تغادرها إن وقفت أمامها، ربما لهذا السبب يشكك أورموند جيجلي «بمهارته» عندما يقول: «كان يمكن أن أتخيل أن أكون أي شيء، إلا مصورا فوتوغرافيا»! مع أنه درس في مدرسة نيويورك الحديثة للتصوير، وتأثر بألفريد إيزنستايدت، جنبا إلى جنب مع مصوري الحياة العامة في مجلات باريس آنذاك.

المرأة التي لا تغيب في عدسة جيجلي تحضر راهبة في صورة التقطت عام 1955، فالراهبات هنا وكأنهن فريق مدرسي من التلاميذ يترقبن نتائج لعبة ما وهن يعطين ظهورهن للعدسة، هل أزال الحشمة أو التواضع من صورة الراهبة في هذه اللقطة؟

ثمة رقة واحتفاء في صورة هالستون مع أنيتا كولبي التي التقطت عام 1965، القبعة تكاد تكون طائر الحب في هذه الصورة، لكن عن أيّ ترتيب مسبق خطط جيجلي قبل إطلاق أضواء عدسته؟

يتذكر أورموند جيجلي كيف أنه صوّر الفراشة صوفيا لورين عام 1955 قبل أن تكون نجمة في إيطاليا وبعدها أميركا ومن ثم العالم، يقول:» كانت النجمة آنذاك جينا لولو بريجيدا».

ذهب إلى منزلها واستقبلته أمها بودّ وقدّمت له القهوة الإيطالية، لكن صوفيا كانت نائمة، وحتى أمها عجزت عن إيقاظها، مع أن الوقت اقترب من منتصف النهار، ويصعب على جيجلي التقاط صور في طقس بلدان البحر المتوسط لأن الشمس تعاند الظل وتضيق على خيارات العدسة.

والدة صوفيا طلبت من جيجلي أن يدخل عليها إلى غرفة نومها ويوقظها، ومع أن الأمر يبعث على النشوة إلا أنه بدا عصبيّا بعض الشيء لأنه كان متزوجا آنذاك، فكيف يدخل على فتاة في غرفة نومها، ومع تأكيد طلب الأم كان الفوتوغرافي الشاب يجلس على حافة سرير صوفيا لورين كي يوقظها وهي في ملابس نومها من أجل صورة في شبابها!

وعندما يتذكر الآن يقول كم كانت تبدو رائعة، وهكذا اصطحبها إلى طرقات نابولي وبالمصادفة شاهدا بائع برتقال ووقفت صوفيا أمام نافورة أثرية وبيدها برتقالتان!

ومهما يكن من أمر، لا يحمل الاحتفاء القائم اليوم في منجز أورموند جيجلي أي مواصفات متأخرة، يكفي معرفة عدد الذين يحملون صوره على الإنترنت لنكتشف أهميته كفوتوغرافي بارع لم تصل صوره إلى بلداننا العربية كما ينبغي.


Print Article Send to Friend Add Comment

Reader Comments

Share Your Opinion