المقالات
الإنترنت.. على الطريقة الصينيّة
على شبكات التواصل الاجتماعي الصينيّة المسمّاة "ويبو"(Weibo)، الخيال هو الذي يمسك بزمام السلطة، وذلك في مواجهة الرقابة. إذ يقوم مستخدمو الإنترنت في الصين بتطوير لغةٍ مشفّرة،
ترجمة: حنان أرناؤوط
Wednesday, May 22, 2013 - 03:14 PM
Views: 265
هذه المقالة صادرة عن صحيفة "لو موند" الفرنسية، بتاريخ 13/05/2012، كتبها فرانسوا بوغون
بعدما أصبحوا غير قادرين على تسمية كبار القادة السياسيّين والمنشقين الواردة أسماؤهم ضمن قوائم الكلمات التي تخضع للرقابة، وبعدما أصبحوا غير قادرين على ذكر كلمات حسّاسة، مثل "مجزرة 4 حزيران/يونيو 1989". ابتكار هؤلاء(أي مستخدمي الإنترنت)، المطعَّم بروح الفكاهة والسخرية، يتعزّز بنغميّة الّلغة الصينية، والتي تسهّل الّلجوء إلى التجانس الصوتي. وبحسب ما أشار المتخصّص في الإنترنت الصيني في بكين، رينو دي سبينس: "الرقابة، بحسب ما أعلن الفنان آي ويوي ساخراً، محفّزٌ هائلٌ على الإبداع".
يحمل ظهور هذه الّلغة المشفّرة بعضَ االصينيّين المتواجدين في الخارج على التساؤل عن مصير لغتهم الصينيّة، وخصوصاً عندما يتعلّق الأمر بالمواضيع السياسية الحسّاسة. ففي 23 آذار/مارس الماضي، وعلى الموقع الإلكتروني Falanxi360، طلب أحدُ مستخدمي الإنترنت النجدة، من خلال منتدىً للنقاش موجّه إلى الصينيّين المقيمين في فرنسا. إذ أرسل له أحد أصدقائه المقيمين في الصين نصّاً بات شعبيّاً للغاية في البلاد، من أجل "اختبار مستوى الّلغة الصينية في لغة "هواتشياو" القديمة (لغة صينيّي الشتات)، والتي انتقلت إلى خارج البلاد منذ سنوات طويلة". الحروف والكلمات كلّها بدت مألوفة بالنسبة إليه، إلاّ أنه عجز عن فهم معنى هذا النصّ: فقد استنفد كلّ التقنيّات المستعملة من قبل مستخدمي الإنترنت الصينيّين من أجل التحايل أو الالتفاف على الرقابة.
تمّت كتابة هذا النصّ القصير في خضمّ قضية بو كزيلاي، الرجل الأول في الحزب الشيوعي في مدينة تشونغتشينغ، والذي أُقيل في شهر آذار/مارس، واتُّهمت زوجته بجريمة قتل. النصّ الذي حمل عنوان: "حرب "تيليتابيز" ضدّ "ماستر كونغ"، يثير الصراع القائم بين دمى السلسلة التلفزيونية البريطانية الشهيرة المخصّصة للشباب، بدعم من ماركة إطارات كومهو الكورية الجنوبية من جهة، ومعكرونة "ماستر كونغ" من جهة ثانية، السريعة التحضير! وقد فازت الدمى في إحباط محاولة "ماستر كونغ" في فرض نتاج مدينة تشونغتشينغ في السوق. كما تظهر في النصّ ماركات أخرى، مثل مشروب "وانغلاوجي" ومسحوق الغسيل "تايد".
بالنسبة إلى غير المطّلعين، لا بدّ من إيراد توضيح ما. الزعيمان الرئيسيان في الصين، ون جيا باو (كتابة كلمة "تيليتابيز" في الصينيّة تستلزم استخدام الحرف "باو"، ومعناه "الكنز") وهو جينتاو (كلمة "كومهو" في الصينية تشمل الحرفين "هو" و"جين")، تعارضا مع "زهو يونغكانغ" ("ماستر كونغ"). فهؤلاء الثلاثة أعضاء في الّلجنة الدائمة للمكتب السياسي، وهو قلب السلطة، والذي سيتمّ تجديد مقاعده التسعة في تشرين الأول/أكتوبر خلال المؤتمر 18 للحزب الشيوعي.
أراد "زهو يونغكانغ" فرض حاضنه بو كزيلاي، ابن الرجل الأول في الحزب الشيوعي في مدينة تشونغتشينغ والثوري التاريخي(المشار إليه في النصّ بأنه طبق خاص بمدينة تشونغتشينغ)، في مواجهة الرجل الأول مستقبلاً، أي شي جين بينغ الملقب بـمسحوق الغسيل "تايد"، أو في الصينية "تايزي كزي يي فين" أي "مسحوق الغسيل المزيل للبقع". ومن خلال استبدالٍ بارع للرسوم الدالة على الأفكار، قد تعني العبارة أيضاً "الأمير شي"، أو شي جين بينغ، وهو أيضاً ابن الثوري التاريخي، الذي ينتمي إلى أرستقراطية النظام. سقوط السيد بو يعود إلى محاولة تخلّيه عن وانغ ويجون ذراعه اليمنى، (وهو وانغ واوجو في النصّ)، في قنصلية الولايات المتّحدة ("كوكا كولا"). وختام هذه القصة هو كالآتي: "أراد المنتوج الخاص بمدينة تشونغتشينغ، دخول الأسواق عنوةً؛ ولكن لا يوجد سوى مرشّحٍ واحد ممكن، يرى الجميع أنه مسحوق الغسيل "تايد"".
في غضون أيام، جال نصّ "تيليتابيز" و"ماستر كونغ" في الموقع الإلكتروني الصيني. وبفضله، أصبح بإمكان مستخدمي الإنترنت مقاربة موضوع سياسيّ حسّاس، وغائب عن وسائل الإعلام الرسميّة. ففي منتديات النقاش، ثم على شبكات التواصل الاجتماعي، تمّ الاستمتاع بطريقة إعلان أنصار السيد بو عن القمصان "غير السميكة" (والطريقة الأخرى للإشارة إلى عبارة بو كزيلاي هي "بوهو"، لأن الحرف "بو" يعني "سميك")، والتي –أي القمصان غير السميكة- تسمح "بالحدّ من الحرارة" ، والمقصود بذلك ون جيا باو، لأن ون تشير أيضاً إلى الحرارة.
تشير الجامعيّة سيفيرين أرسين المتخصّصة في الإنترنت الصيني، إلى أن هذه اللغة المشفّرة ليست بجديدة. "ففي المجتمعات ذات النظام الاجتماعي القائم على الرقّ والعبوديّة، كان للمستعبَدين رموزهم على الدوام. يتداولونها في ما بينهم لئلا يفهم أسيادهم ما يقولون. وبالتالي، يغدو من الطبيعي للشعوب الخاضعة أن يكون لديها هذا النوع من الرموز". والجديد في الصين المعاصرة هو القدرة على الوصول عبر الإنترنت إلى فضاءات تقع على حدود كلّ من القطاع الخاص والعام، حيث تُقام "المحادثات في الضوء والعتمة معاً". وتضيف سيفيرين أرسين إن هذا السلوك "يسمح لهذه الثقافة بأن تصبح أقلّ سريّة. فالجميع يعلم أن هذه الثقافة الناقدة والمشفّرة موجودة".
هذه الظاهرة تشكّلت من الجيل الجديد، وهو ما يسمّى بجيل "ما بعد الثمانينيّات"(الـ balinghouفي الصينيّة)لأنه مولود بعد العام 1980: إنهم شباب مدينيّون أكثر فردانيّة من الأجيال التي تكبرهم، ومن أنصار التكنولوجيات الجديدة، ولا يتردّدون في الكشف عن خصوصيّاتهم على المدوّنات ومنتديات النقاش والميكرو-مدوّنات. فهم ينشرون بسرعة كبيرة الكلمات والعبارات الجديدة، بجعلها خاضعة لـنظام "ميم" المعروف في ثقافة الويب، والذي يعني الانتشار المكثّف لفكرة ما ولطرق تملّكها، وإعادة شرحها وتعديلها من قبل مستخدمي الإنترنت.
إحدى هذه الظواهر التي لاقت الشعبيّة الأكبر في الصين، انطلقت من تقريرٍ بثّته قناة CCTV الرسمية، حول ارتفاع أسعار النفط. بحيث تساءل شابٌ خلال مقابلةٍ أُجريت معه في الشارع قائلاً: "هل أستطيع أن أتفوّه بعباراتٍ وقحة؟". الكلمة التي عبّرت عن الهموم غير المحتملة للمدن الكبيرة، حيث يستشري التضخّم، جرى تداولها في غضون أيام، وتحويلها وتعديلها، لتصبح الصيغة الأكثر شعبيةً على "ويبو" Weibo، حتى أنها ظهرت على غلاف إحدى المجلّات.
في اللحظات السياسيّة الأكثر حساسية، يستحضر الويب الصيني الرسوم المتحرّكة الأميركية "توم وجيري"، والذي يستمرّ فيه كلّ من القط والفأر بملاحقة أحدهما الآخر إلى ما لا نهاية، لكن من دون أن يكون هناك فائز حقيقي. وفي ما يخصّ قضية بو كزيلاي، عمد بعض مواقع الميكرو-مدوّنات إلى وضع مدينة تشونغتشينغ على قائمة الكلمات الحسّاسة. إلاّ أنّ فئران الويب وجدت الحلّ عن طريق استبدالها بكلمة "طماطم". لماذا؟ لأن الطماطم تعني في الصينيّة "كزيهونغشي"، ما يمكن أن يعني أيضاً "مدينة الجنوب الحمراء"، حيث قام الماوي الجديد بو كزيلاي بإعادة الاعتبار للأغاني الثوريّة الشيوعيّة في سعيه للسلطة. وعندما وضعت كلمة "طماطم" على القائمة السوداء، برزت كلمات أخرى مشفّرة. وكدليل على التوتّرات التي أثارتها قضية بو كزيلاي داخل السلطة، تمّ تعليق التعقيبات في أواخر آذار/مارس لمدة ثلاثة أيام على موقعيّ الميكرو-مدوّنات الرئيسيّين Sina وQQ Tencent. وهذا قرارٌ لا سابقة له.
لا يشكّل ظهور هذه الثقافة المناهضة بالضرورة اتهاماً راديكالياً للحزب الشيوعي. وخلافاً لخصومه، مثل آي ويوي وليو شياو بو، الذين يتحدّون النظام علناً ويستهدفهم القمع (السجن أو الإقامة الجبرية)، يبقى جيل "ما بعد الثمانينيّات" بغالبيته مناصراً للسلطة. فأفراد هذا الجيل يعشقون ببساطة السخرية والتهكّم بالدعاية التي تتوسّلها السلطة، لكنهم في الوقت نفسه جاهزون لاستيعاب مشاريع القادة الإصلاحيين الأكثر تقدميّةً؛ إنهم- على حدّ تعبير يوهان لاغيركفيست المتخصّص في قضايا الصين- هؤلاء "التكنوقراط"، الذين يريدون الاعتماد على التكنولوجيات الجديدة لإقامة "الحكم الرشيد" تحت رعاية الحزب الشيوعي.
ويصفهم جان لوي روكا، مدير الأبحاث في مركز الدراسات والبحوث الدوليّة للعلوم السياسيّة(CERI)، بأنهم حداثيّون وقوميّون في آن، ومن دون أن يشكّل هذا الأمر تناقضاً بالنسبة إليهم ". أما النجم الممثّل لهذا الجيل فهو المدوّن هان هان، البالغ من العمر 29 عاماً، والذي يعمل كاتباً وبطل سباق سيارات. ففي أواخر العام 2011، أثار جدلاً إثر نشره على مدونته ثلاثة نصوصٍ حول الديمقراطية والثورة والحرية، معتبراً بالتالي أنّ ثورة المواطنين، كما هو الحال في البلدان العربية، لم تكن ممكنةً أو مرغوباً فيها. ويقول: "السؤال ليس أن نعرف ما إذا كان الأمر ضرورياً، بل أن نعرف ما إذا كان ممكناً. فبالنسبة إليّ، ليس الأمر ضرورياً أو ممكناً. ولكن إذا سُئلت عمّا إذا كانت الصين بحاجة الى إصلاحٍ أقوى، سأجيب بنعم"