لعنوان: حروب المناخ
المؤلف: هارالد فالتسر – Harald Walzer
الناشر: دار فيشر – Fischer
الطبعة الأولى: 4/2008م
الصفحات: 336
المترجم: نبيل شبيب
هارالد فالتسر، البالغ 50 عاما من عمره، يحمل درجة الأستاذية (بروفيسور) في العلوم النفسية الاجتماعية، ويدرسها، كما يشغل منصب مدير عام مركز "بحوث العلوم البينيّة" في معهد "الثقافات والعلوم" في مدينة إسن بألمانيا.. وسبق أن أصدر عددا من الكتب التي تناولت الأبعاد النفسانية-الاجتماعية من وراء الحروب خلال القرن الميلادي العشرين، الذي يراه قرنَ "حروب الإبادة" وشاهداً على سرعة اللجوء إلى القتل -كما يسمّي الحروب- وسيلة للتعامل المتطرف مع مشكلات اجتماعية. وهذا بالذات مدخله إلى التنبؤات المستقبلية في كتابه الجديد عن القرن الميلادي الحادي والعشرون وحروبٍ تقع خلاله وتلتقي دوافعها عند حصيلة التبدّلات المناخية عالميا، لا سيما وأن هذه التبدلات لا تحمل صفة الشمولية عالميا فقط، بل تنذر أيضا بأن تكون فترات امتداها وتأثيرها زمنيا غير محدّدة، فهي مشكلة أجيال، إضافة إلى آثارها في أعماق البنى المعيشية، الثقافية والاجتماعية.
الجشع الاستعماري محضن ممارسات الإبادة
مقدمة الكاتب تكشف عن نظرته المبدئية، وهو يصف ما صنعته الحقبة الاستعمارية عبر "نَهَمِ الدول الصناعية الحديثة إلى المواد الخام"، ثم كيف أصبح الغرب في هذه الأثناء ضحية "فقدان الذاكرة الديمقراطي" إزاء تاريخه وما مارسه من "استغلال الثروات واستعباد الرقيق والتدمير".
الجشع الاستعماري مستمر وهو السبب الأول لما يصنعه تبدل المناخ اليوم ويصيب بنتائجه البلدان الأفقر في العالم. هذه العلاقة -كما يقول- هي ما ترمز إليه صورة غلاف الكتاب، فهي لباخرة "إدوارد بولن" التي غرقت يوم 5/9/1909م أمام ساحل ما كان يسمّى "جنوب غرب إفريقية" وكان مستعمرة ألمانية، والباخرة اليوم ظاهرة للعيان فوق رمال ناميبيا -الاسم الجديد لتلك المنطقة- وفد انحسرت مياه البحر، مما يشير إلى مفعول التبدل المناخي. وقد كانت باخرة للبريد، وأصبحت لنقل الرقيق، عقب حرب الإبادة التي مارسها الجنود الألمان بحقّ قبائل هيريرو وناما. "لقد كانت تلك أولى حروب الإبادة في القرن الميلادي العشرين، وصاحب القتلَ الجماعي فيها نشرُ معسكرات الاعتقال والتعذيب، وبيعُ الأسرى كرقيق". ويشرح الكاتب كيف كانت إبادة قبائل هيريرو بملاحقة المتمردين إلى الصحراء، واحتلال منابع المياه، وتركهم يموتون عطشا موتا جماعيا، ثم إبادة قبائل ناما بقتل النساء والأطفال بعد أن توارى رجالها ليمارسوا حرب عصابات. هذه الصور المرعبة ما زالت شواهدها حية إلى اليوم بصور أخرى.
الحرب هي القتل مهما جرى تزويقها
كلمة القتل كلمة محورية متكررة في الكتاب، وهو ما انعكس في عنوانه الإضافي "دوافع القتل في القرن 21" مثلما انعكس في عناوين عدة فصول من فصوله العشرة، وأهمها "القتل غدا.. حروب دائمة، تطهير عرقي، إرهاب، تبديل الحدود" ويشغل ثلث الكتاب تقريبا، إنّما يبدأ الكاتب تمهيده لهذا الفصل السادس بخمسة فصول تطرح المنطلقات التي يبني عليها تنبؤاته المستقبلية:
- مكانيا بالحديث عن الغرب والآخر..
-حضاريا عبر إعطاء القتل -أي الحرب- مغزى لتسويغه..
- مناخيا بتحديد المعالم الكبرى لمشكلة التبدّلات المناخية الجارية وما لا يزال ينتظر منها..
- تاريخيا من خلال وقفة قصيرة عند دوافع الحروب في الماضي تحت عنوان "القتل بالأمس"..
- استقرائيا بطرح شواهد معاصرة عن الحروب والصدامات، وكيف أصبحت لها خلفياتها المناخية والاجتماعية.
ما ذكره الكاتب في المقدمة عن همجية الاستعمار الغربي تاريخيا ينتقل به إلى الواقع في الفصل الأول بادئا بما أقيم عام 2005م باسم "وكالة أوروبية للتعاون العمليّاتي على الحدود الخارجية للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي"، ومهمتها الفعلية هي حراسة تلك الحدود حراسة فعالة من المهاجرين إلى أوروبا تخصيصا. كما يقام على الحدود الأمريكية مع المكسيك جدار منيع من منشآت حراسة الحدود أيضا. والغربيون يعلمون أنّ المشكلة ستتفاقم، نظرا إلى أن عدد الجائعين الذي بلغ 850 مليونا سيزداد، جنبا إلى جنب مع تناقص رقعة زراعة المواد الغذائية، فأصبحت المشكلة المطروحة بعيدة عن التعامل مع أسباب المجاعات ومركزة على السؤال كيف يتعامل الغرب مع تيارات هجرة الجائعين الذين لم تعد الحياة ممكنة في أرضهم، ويريدون مشاركة الغرب في رفاهيته!..
ويرصد الكاتب الهدوء النسبي في الغرب للضجة التي أثارتها تقارير التبدلات المناخية، بعد أن تبين أن النتائج السلبية في بعض مناطقها تقابلها نتائج إيجابية في مناطق أخرى، على الصعيدين الزراعي والسياحي عموما، ويعتبر غياب الضجة على هذا النحو مؤشرا على تغييب الشعور بالمسؤولية، أو الاستعداد للأخذ بحلول متطرفة، مستشهدا بأنّ تاريخ الحداثة الأوروبية شهد كوارث اجتماعية عديدة وشهد حلولا متطرفة لها، وفي الوقت الحاضر يبقى هذا الاحتمال قائما، ولكن مع تبدّل العناوين، فالحلول المتطرفة في أجواء الديمقراطية ستسمى "حالات استثنائية".
خلفية اجتماعية لحروب عسكرية
تعزيزا لنظريته عن الحروب تحت وطأة مشكلة اجتماعية يستحضر الكاتب مثالا من العهد النازي كيف أصبح حل التعامل مع الأسرى عبر أشد الأعمال إرهاقا يعطي القتلَ عند ممارسيه مغزى وفائدة، فالحصيلة كانت إنتاج الأسلحة، والثمن انخفاض وسطي أعمار الأسرى انخفاضا كبيرا. كما يستحضر مثالا آخر من مأساة رواندا، عند إقدام الغالبية من سكان رواندا على قتل زهاء 800 ألف نسمة من أقلية التوتسي، بعد أن أصبحت "مشكلة" في نظر الأغلبية. ويستشهد بالسودان مثالا ثالثا، إذ يواجه مشكلة مناخية، أدت في هذه الأثناء إلى امتداد الصحراء 100 كيلو متر خلال 40 عاما، وزوال الغابات بنسبة 40 في المائة خلال خمسين عاما، ويُتوقع ارتفاع وسطي الحرارة نصف درجة قبل عام 2030م ودرجة ونصف حتى عام 2060م، فالسودان بأحداثه مثال مباشر على حروب تسببها التبدلات المناخية في الدرجة الأولى.
ويعود الكاتب إلى تساؤل كان قد طرحه الفيلسوف الألماني هانس آلبرت، عمّا يعنيه التعلم من دروس التاريخ، ما دامت الحصيلة الأخذ بزيادة صناعة الأسلحة أكثر من زيادة صناعة أدوات الإنتاج؟.. ثم يقول إنّ العنف عندما يحقق هدفه، يصبح نموذجا متبعا، والحروب تبدلت أشكالها ولم يتبدل جوهرها، وصحيح أنّ مؤرخي الغرب لا يتفاخرون بالحروب، ولكنهم يسوّغونها عبر وصفها بالاضطرارية وإعطائها عناوين الديمقراطية والقيم.
ولكن إذا أدى التبدل المناخي العالمي كما تقول الدراسات إلى رفع وسطي حرارة الأرض بدرجة تُخرج نتائجه عن السيطرة، سيغيب توازن المنظومة الاقتصادية الغربية القائمة على استغلال الموارد الطبيعية مفعولها، فهي قائمة على تركيز القوة في مكان واستخدامها في مكان آخر من العالم (نظرية المركز والأطراف)، فكيف سيكون الوضع عندما يفقد المكان الآخر المقومات الطبيعية للحياة أصلا، وما الذي يمكن أن ينشأ آنذاك عن تيارات التشريد الكبرى، وهل ستبقى الحدود القائمة ثابتة؟..
تساؤلات تقريرية للكاتب يعززها لديه أن استخدام العنف في حروب يسببها المناخ، سيرافقه استخدام العنف لأسباب أخرى، دينية وعقائدية.
السلوك البشري هو المعيار
إعصار كاترينا عام 2005م مثال معاصر، ليس على ما يصنعه تبدل المناخ فقط، بل على ما يعنيه اجتماعيا أيضا، كما يكشفه التمعن في حصيلة الكارثة على صعيد الغالبية الفقيرة والأقلية الثرية في المنطقة. ومن التمويه وصف الإعصار بكارثة طبيعية، فهو واقعيا كارثة اجتماعية، والتركيز على "طبيعية" يحوّل المشكلة إلى علماء الطبيعة، تهربا من حمل المسؤولية اجتماعيا. ومثل هذا التمويه كامن في استخدام كلمة "نحن" في الحديث عن المشكلات والبحث عن حلول، فالكلمة تؤدي إلى تمييع المسؤولية وما ينبني عليها، لا سيما عند النظر إلى الفوارق الكبيرة القائمة منا بين أطراف الأسرة البشرية.
وينتقد الكاتب التمويه على المشكلة المناخية نفسها عبر طرحها وكأنها كارثة حديثة النشأة، رغم أن معالمها الشمولية عالميا بدأت تظهر قبل ثلاثة عقود، وأن مقدماتها سبقت ذلك بفترة طويلة، ومع الحديث عنها الآن بدأ ينحسر الحديث عن تلك المقدمات رغم استمرار خطورة مفعولها، مثل تلويث مياه البحار، وقطع أشجار الغابات، وتجفيف مياه البحيرات، ومحور ذلك كله هو الاستغلال الجشع للموارد الطبيعية، فجذور المشكلة لم تتبدّل، إن ما تغير خلال العقود الثلاثة الماضية هو الوعي بالمشكلة وليس المشكلة نفسها.
لهذا ستكون علاقة العنف المنتظر نتيجة التبدلات المناخية، مرتبطة بالسلوك البشري في التعامل معها، ومثال ذلك التقرير العالمي الرسمي الأول حول التبدل المناخي، فقد وُضع النص الأصلي بصيغة تحدد المسؤوليات السياسية، ولكن قبل نشره تعرّض لمراجعات قائمة على المصالح وليس على المعطيات العلمية المحضة، فلم يبق في صيغته الأخيرة من تحديد تلك المسؤوليات شيء.
وكانت قوة التقرير في اعتماده على ما سبق من قياسات علمية -وليس التكهنات أو التقديرات الاعتباطية- ثم البناء على ما مضى لإثبات توقع ارتفاع نسب وسطي الحرارة مستقبلا وارتباطه مباشرة بما تصنعه السياسات على صعيد انبعاث الغازات. أما النتيجة فهي أن تبدل المناخ يعني على سبيل المثال ازدياد عدد من يفتقدون الماء النقي بما يتراوح بين 75 و250 مليونا، وازدياد انقراض أنواع عديدة من الأحياء، وازدياد الجفاف في الجنوب مع ارتفاع المحصول الزراعي في الشمال.
الحروب ومفعول تبدل المناخ
في تحليله للحروب والكوارث تاريخيا، عبر حروب العهد الروماني، وحرب فييتنام، ومذابح رواندا، وحتى آخر حروب البلقان، يأتي الكاتب بأمثلة عديدة يستخلص منها أن حروب الإبادة في القرن الميلادي العشرين تخصيصا، كانت من حصيلة التبدلات التي صنعتها الحداثة على صعيد التصرفات الجماعية نتيجة تبدلات اجتماعية كبيرة، وهو ما يمهد به لتعزيز نظريته أن تبدلات اجتماعية واسعة النطاق سيصنعها تبدل المناخ عالميا، فيصنع من خلالها معطيات جديدة للحروب.
ويعتبر الكاتب رواندا مثالا نموذجيا على العامل الاجتماعي من وراء عنف الإبادة، مشيرا إلى دور الاستعمار الألماني فالفرنسي في إعطاء أسباب السيطرة لأقلية التوتسي، ومع اندلاع المجزرة أصبح هؤلاء يمثلون في نظر الغالبية -رغم أنهم غالبية- خطرا قاتلا يجب القضاء عليه.
ويعطي الكاتب حرب دارفور وصف أول حرب مناخية، مستخلصا ذلك من أن فئة "الأفارقة" التي وطّنها الاستعمار من قبل تعمل بالزراعة وأن فئة "العرب" من أهل البلاد الأصليين تعمل بالرعي، ومع التبدلات الطارئة نتيجة الجفاف والقحط، لا سيما عام 1984م، سعى المزارعون لإحاطة مزارعهم والطرق التي تعبرها بالحواجز في وجه ماشية البدو العرب، فعمل هؤلاء بالقوة على شقّ طرق لأنفسهم باتجاه الجنوب حيث لا تزال توجد المراعي لقطعانهم، فبدأت الحرب واقعيا.
وينطلق الكاتب من هذا المثال لشرح ما يمكن أن يقع من صدامات، عندما تسبب الكوارث الناجمة عن تبدل المناخ القضاء على مناطق زراعية وإغراق جزر وسواحل ومدن كبيرة، وما يترتب على ذلك من حركات نزوح جماعي، وبالتالي الصراع على المعطيات الطبيعية لضرورات الحياة، مشيرا إلى أن عواقب التبدل المناخي لا تتوزع بشكل "عادل"، بينما لا تزال نواة "قانون دولي بيئي" في طور النشأة الأولى، فهي دون مفعول، ويزيد من خطر الحروب أن عواقب التبدلات المناخية لا تقع بصورة منتظمة، فلا يمكن تثبيت توقعات محددة زمنيا لها، وعند وقوعها لا يمكن أن يسري مفعول السببية، ففي مجرى التاريخ نادرا ما أدّى التصرف بصورة معينة إلى النتيجة المستهدفة منه في الأصل.
ويؤكد الكاتب أن الحروب من بين الظواهر الاجتماعية لا تجد دراسة علمية وافية، لا سيما وأن ما يكتب العلماء عنها لا يصدر عن "خبرة مباشرة"، بل عن تأمل عن بعد، ولم تشمل الدراسات عشرات الحروب والنزاعات المسلحة بعد الحرب العالمية الثانية، وكيف أصبحت تبتعد شيئا فشيئا عن صورة الحرب التقليدية ما بين دولتين حتى أصبحت على الصورة الذي أخذتها الحروب الأولى في القرن الميلادي الحادي والعشرين. والملاحظ في الوقت الحاضر أنّ ديمومة الوجود العسكري في منطقة ما خارج الحدود، بات أمرا مطلوبا، وهو الركيزة لحروب "مستمرة" مستقبلا، أما التبدلات المناخية وما ينجم عنها اجتماعيا فلن توجد بذلك أسبابا إضافية للحروب فقط، بل أشكالا جديدة لها أيضا.
من أشكال الحروب المستقبلية
الحروب المستقبلية ستكون بغرض تثبيت أوضاع مدنية شمولية جديدة، لا سيما بعد أن باتت توجه إلى الشعوب وليس إلى الجيوش. وهنا يبدو رد الفعل الاجتماعي في الغرب، متمثلا في التهرب من المسؤولية قبل اندلاع الحروب التي يخوضها، إلى تأكيد الاستعداد لمساعدة الضحايا بعد وقوعها.
من أشكال الحروب المستقبلية ما بدأ في القرن الميلادي العشرين واتخذ صيغة التطهير العرقي، بالتشريد عن المواطن الأصلية، وهو ما كان سياسة رسمية بعد الحرب العالمية الثانية في أوروبا، وفي هذه الأثناء أصبحت العولمة تساهم عبر تأثيرها الثقافي في تحقيق الاندماج جزئيا، وتساهم في التفرقة عبر التميز بدرجة أكبر. وهنا يبدو مفعول التبدل المناخي الأضخم المنتظر مستقبلا عندما يؤدي عبر النزوح إلى اختلاط بشري كبير جديد، فمع كل موجة جديدة يظهر المزيد من أسباب النزاع والاستعداد لاستخدام العنف.
ويعرّج الكاتب على ظاهرة الإرهاب قائلا إنّ الفوارق المميزة بين الإرهاب والحرب اضمحلت بصورة كبيرة منذ أعلنت الحرب الأمريكية ضد الإرهاب بعد تفجيرات نيويورك وواشنطون عام 2001م، وهذا بعد أن كان الإرهاب كما عرفته الدول الأوروبية صيغة لاستخدام العنف غير المنظم ضد القوة العسكرية والأمنية المنظمة، ولكن تفصيل الكاتب في تطور "فكر الإرهاب ووسائله" وتوقعه مزيدا من التطور والانتشار، ينحصر في عرضه كشكل من أشكال الحروب المستقبلية، دون نظرة تحليلية للربط بينه وبين موضوع كتابه الأصلي، أي تأثير التبدل المناخي في صناعة الحروب مستقبلا، وهذا على النقيض ممّا يعنيه هذه التبدل من حركات النزوح الجماعي، وعدم جدوى تحصين الحدود الخارجية، كما تفعل الدول الغربية حديثا.
رؤى استقرائية وتفاؤل غير مضمون
بعد تفصيل أبعاد المشكلة في الفصل السادس من الكتاب يطرح الكاتب تساؤلات عن الحلول الممكنة، بمنظور "نفساني اجتماعي" وفق تخصصه، بادئا بفصل عنوانه "البشر بمواصفات متغيّرة أمام حقائق متغيرة"، ثم معرّجا على ولادة دوافع قديمة، عقدية وطبقية، في الصراعات الجديدة، ليختم بفصلين، التاسع والعاشر، بعنوان متكرّر "ما الذي يمكن فعله وما الذي لا يمكن فعله" فيطرح عدة احتمالات في الفصل التاسع، ويلخّص وجهة نظره في الفصل العاشر.
"حروب المناخ بدأت، وستنطوي على القتل والموت والتشريد، ولا يوجد أي سبب للاعتقاد بأن العالم سيبقى كما نعرفه الآن". هذا ما يفرض تطويرَ الفكر السياسي نفسه، بدءا بميدان تضييق المجال المعيشي للآخر، ليمكن البحث عن السلوك الممكن الذي يمنع الأخذُ به تحقيقَ " توقعات الكاتب".. ويعني بذلك نفسه. ويعدّد الكاتب خمس رؤى لخلفية التصرفات الممكنة وفق التحليل المنطقي المحض.
الرؤية الأولى متابعة النهج المتبع حاليا، أي سياسة النمو الاقتصادي، واستهلاك الثروات الطبيعية المستوردة، وزيادة ضغوط المعيشة على الآخرين، وعقد اتفاقات لهذا الغرض مع أنظمة مستبدة، ومواجهة استحالة التدخل في كل منطقة تنشأ فيها أزمة، ويعني ذلك ازدياد عدد الأزمات، والقضاء على المزيد من المعطيات الطبيعية كالغابات لإنتاج المزيد من الزيوت للوقود الحيوي، وفي جميع ذلك يُستبعد الوجه الأخلاقي للتصرّف السياسي، الذي يُنسب إلى دول، ذات شخصية اعتبارية، وليس إلى "بشر" بعينهم. وجميع ذلك سيفاقم المشكلة، ولن يؤدّي إلى تجنب كوارث التبدل المناخي.
الرؤية الثانية يعطيها الكاتب عنوان "الماضي المستقبلي"، ويفصل الحديث "كيف يعيش الإنسان ما بين ماض اندثر في حاضر نشأ عنه ويتطلع إلى مستقبل يتخيله يُفترض أن ينبثق عن حاضره هذا". ويريد بذلك تأكيد أهمية تمتع الإنسان بخاصية استمداد الطاقة من ماض لم يعد يعيشه ومستقبل يود أن يعيشه، ليحقق إبداعا ما في حاضره. ولكن المشكلة في وجه هذه النظرة "التخيلية" أنّه لا يوجد من يستطيع أن ينطلق منها ليحدد ما هو المطلوب جماعيا للبشرية، وليس لنفسه فردا أو للقطاع الاجتماعي الذي ينتمي إليه فحسب.
الرؤية الثالثة ما يسميه المجتمع الجيد، ولكن يستحيل الوصول إليه عبر تحسينات ما في استخدام التقنيات التي سببت تبدلا مناخيا، فهي جزء من المشكلة وليست جزءا من الحل. إن البقاء الإنساني مستقبلا مشكلة ثقافية فكرية أولا، محورها تحديد طرق وإمكانات جديدة، خارج نطاق ما سبق الاعتياد عليه، ومثل هذه المهمة تتجاوز حدود ما يمكن تحقيقه عبر عولمة الرأسمالية، وبتعبير آخر يستعيره الكاتب من آلبرت أينشتاين إن حل المشكلات لا يمكن أن يصدر عن صيغ نموذجية سابقة أوجدتها.
الرؤية الرابعة هي "التسامح المفروض"، وينبع من الإحساس بضرورة مواجهة ما سبق صنعه بالعودة إلى معاني العدالة والمسؤولية، فالتسامح كمبدأ سلوكي لا يتحقق في غياب المساواة والتكافؤ، ولكن بات التسامح يُطرح بشكل آخر، أي كأمر مطلوب من أجيال قادمة، ومن مجتمعات أخرى، تجاه حرمانها من المعطيات الطبيعية، من جانب الجيل المعاصر، ومن جانب مجتمعات مهيمنة، وهنا مكمن التناقض في تعبير "تسامح مفروض".
الرؤية الخامسة بعنوان "تاريخ يتحدث عن نفسه"، وينفي فيها قدرة الطبقة السياسية أن تضع صيغا شمولية للتصرف، فهي صيغ محدودة زمنيا في حدود ظروفها، ويرى البديل عنها في الحراك الثقافي وسط المجتمع، من جانب مختلف الفئات القادرة على الإسهام فيما يؤدي إلى الحدّ من مسببات تبدل المناخ، كانبعاث الغازات وبالتالي زيادة الاحتباس الحراري. وهنا يبدو مغزى العنوان، في أن من يتصرّف لا ينطلق من صناعة حدث تاريخي، بل يتحدث التاريخ عنه من خلال ما صنعه بالفعل.
الفصل الختامي الذي يكرّر له عنوان "ما الذي يمكن صنعه وما الذي لا يمكن صنعه"، هو ما يطرح الكاتب فيه نظرته الفلسفية الاجتماعية، القائمة على أن التطورات الاجتماعية تتخذ مسارا معينا تؤثر على اتجاهه وقوته تطورات اجتماعية أخرى، لتكون الحصيلة تغييرا لا يمكن استشراف معالمه مسبقا.
الحراك الذي صنعه الوعي بتبدل المناخ والحراك الذي تصنعه الحروب الحالية والمستقبلية، وما ينطوي هذا وذاك عليه، من موجات نزوح، ومن تبدل حدود، ظواهر اجتماعية ستتفاعل في القرن الحادي والعشرين، دون أن تكون هناك صيغ محددة لتوجيهها، والحصيلة يمكن أن تأخذ شكل زوال صيغ حالية للتعامل البشري والدولي حاليا، وظهور صيغ بديلة، وقد تعجّل ظاهرة العولمة من هذه التفاعلات الاجتماعية، ولكن لا يعني ذلك أنها ستحدد نتائجها، فالمنطق الذي تفرضه نتائج تبدل المناخ مستقبلا لن يكون خارج نطاق الوعي التنويري المرتبط به، بل سيضع هذا الوعي حدّا له. ولكن هذه الخاتمة المتفائلة نسبيا من جانب الكاتب، يقابلها ما صدّر به الفصل الختامي وهو استشهاد يقول "ليس التفاؤل سوى نتيجة من نتائج نقص المعلومات".