المقالات
المقاهي كانت «فايسبوك» و«تويتر» القرن السابع عشر
توجه سهام النقد إلى مواقع التواصل الاجتماعي الإلكترونية، وتتهم بأنها عدو الإنتاج، فوفق رسم تصويري إحصائي يلقى رواجاً على الخط ، استخدام مواقع «فايسبوك» و «تويتر» وغيرهما من المواقع الاجتماعية في مراكز العمل يكبد الاقتصاد الأميركي 650 بليون دولاراً من الخسائر سنوياً.
توم سانداج *
الإثنين,8 يوليو 2013 - 08:44 ص
مشاهدات: 225
ويزعم (الرسم) أن انتباه متصفحي هذه المواقع «يضمر»، والمعدلات المسجلة في الروائز تنخفض جراء هذا الضرب من «أسلحة التشتيت الجماعي». ومثل مشاعر القلق هذه برزت في إنكلترا في أواخر القرن السابع عشر، ولكنها تناولت المقاهي، وهي مواقع التواصل أو «الميديا الجديدة» يومها. وبدا أن هذه المواقع تقوض قدرة الشباب على الانصراف إلى الدراسة والتركيز عليها أو على عملهم. واستوردت المقاهي من العالم العربي، شأن حبوب القهوة. وأول مقهى، أو «كوفيهاوس» (بيت القهوة)، افتتح أبوابه في أوكسفورد في مطلع 1650. ولم يطل الأمر قبل أن تنتشر مئات المقاهي المماثلة في لندن وغيرها من المدن في الأعوام اللاحقة. ولم تكن المقاهي مقصد الناس لتناول القهوة فحسب، بل كانت كذلك حيز المطالعة والمناقشة واطلاع المرء على ما فاته من شائعات وثرثرة. وكانت المقاهي مراكز بريد كذلك. وكان أرباب العمل يزورون مقاهيهم المفضلة أكثر من مرة يومياً لتفقد بريدهم، واللحاق بركب الأخبار والدردشة مع غيرهم من شرّاب القهوة، من الأصدقاء والغرباء على حد سواء. وبعض المقاهي تخصص في استضافة نقاشات تتناول موضوعات دون غيرها، مثل العلوم والسياسة والأدب والملاحة والشحن. وكانت حركة المعلومات تسري على وقع انتقال الزبائن من مكان إلى آخر. وتتكرر عبارة «(الوجهة) إلى المقهى» في صفحات يوميات سامويل بيبيس، وهو مسؤول حكومي. واليوميات هذه هي مرآة تنوع موضوعات النقاش في المقاهي، فهو يشير إلى أنها كانت في تشرين الثاني (نوفمبر) 1663، مسرح «أبرز المحادثات الأخاذة والطويلة بين طبيبين» ونقاشات عن التاريخ الروماني وكيفية حفظ البيرة، ودار الكلام على سلاح بحري جديد وقرب موعد دعوى قضائية. وأبرز أسباب حيوية هذه النقاشات هو تداعي حواجز التمييز الاجتماعي وراء أبواب المقاهي، فهي لم تستقبل أرباب العمل فحسب، بل حثتهم على الدردشة مع الغرباء من مشارب حياتية مختلفة.
ولكن انتشار المقاهي لم يلقَ الإجماع، فالمتدينون وجهوا سهام النقد إلى الإقبال على مشروب أجنبي وترك البيرة التقليدية. وثمة من رأى أن المقاهي تحول دون انكباب الناس على العمل المنتج. وفي 1677 دق أنتوني وود، أكاديمي من أكسفورد، ناقوس الخطر من أفول التعليم «الجدي والرصين»، وسأل عن أسباب عزوف كثر عن الالتحاق بالجامعة. «هم يمضون الوقت في المقاهي»، أجاب. وتذمر المحامي روجر نورث في كامبريدج من «تبديد الوقت وصرفه على بدعة جديدة». «فمن في مقدوره مقاربة موضوع مقاربةً دقيقة وجلبة المقهى تملأ رأسه؟»، سأل نورث. وذهب كتاب «شرح أبرز مشاغل إنكلترا وهمومها» في 1673، إلى أن المقاهي هي سبب «دمار» أو ضلال عدد كبير من النبلاء والتجار اليافعين والواعدين. وتعيد مثل هذه الانتقادات إلى الأذهان آراء معاصرة في المواقع الإلكترونية التي «تهدد» الشباب.
ولكن هل خلفت المقاهي أثراً «دامغاً» في الإنتاج والتعليم والابتكار؟ الحق يقال إن المقاهي كانت بوتقة التجديد، فهي يسرت اختلاط الناس من منابت مختلفة وتلاقح الأفكار. ودرج أعضاء من المجتمع الملكي البريطاني وأبرز العلماء في المجتمع العلمي على الالتقاء في المقاهي لمتابعة مناقشاتهم. وكان العلماء يجرون الاختبارات في هذه الأمكنة ويلقون المحاضرات، فسميت المقاهي بـ «جامعات البنس أو القرش الواحد». فهي مشرعة الأبواب أمام من يملك قرشاً واحداً لقاء فنجان قهوة. وكان جدال في المقهى بين عدد من العلماء وراء كتابة إسحق نيوتن ركن من اركان العلم المعاصر يعرف بـ «برانسيبيا ماتيماتيكا» (مبادئ الرياضيات التعاليمية). وكانت المقاهي كذلك مرتع الابتكار في عالم الأعمال، فالتجار انتخبوها غرف اجتماعات، فأبصرت النور شركات ونماذج عمل جديدة من رحمها. ودرج التجار على حجز عدد من طاولات مقهى جوناثن لإجراء معاملاتهم التجارية عليها، فتحول هذا المقهى مركز البورصة والسوق المالية في لندن. وصار مقهى إدوارد لويدز، وكان نقطة التقاء قباطنة السفن وملاكيها والتجار، شركة لويدز للتأمين الذائعة الصيت. وكتب الاقتصادي آدم سميث عمله البارز، «ثروة الأمم»، في مقهى «بريتيش كافي هاوس» الذي كان مقصد مثقفين اسكوتلنديين. ووزع عليهم سميث أول نسخ من عمله لمناقشته قبل نشره على نطاق واسع.
ولا ريب في أن الشباب كانوا يبددون الوقت في المقاهي. ولكن «حسنات» المقاهي فاقت سيئاتها، فهي كانت محيطاً اجتماعياً وثقافياً مفعماً بالحياة رفد تيارات الابتكار التي صاغت وجه العالم المعاصر. وليس من بنات الصدفة أن القهوة لا تزال إلى اليوم المشروب التقليدي في لقاءات التعاون والتعارف. ويبدو أن روح المقاهي القديمة بعثت في مواقع التواصل الاجتماعي. وهذه مشرّعة على المتصفحين كلهم من كل أصقاع العالم وهي جسر الناس المختلفي المسارات «الحياتية» إلى الالتقاء والنقاش وتشارك المعلومات مع الأصدقاء والغرباء، وشبك علاقات جديدة وتحفيز أفكار جديدة. وقد تكون النقاشات في هذه المواقع افتراضية، ولكنها قادرة على تغيير العالم «الحقيقي»، وهي نافذة في عالم الواقع.
وعلى رغم سخرية المدراء من استخدام الموظفين وسائل التواصل الاجتماعي من طريق استبدال كلمة «نت» (شبكة) بـ «نات» (أداة النفي) «سوشيل نات وركينغ»، بادرت شركات نافذة البصيرة إلى توسل شبكات تواصل اجتماعية داخلية لتحفيز التعاون بين الموظفين ورصد مواهبهم وكفاءاتهم، وتقليص استخدام البريد الإلكتروني. وخلصت دراسة أجرتها شركة «ماكينزي أند كومباني» للاستشارات، إلى أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي زاد إنتاجية العاملين في قطاع المعرفة، من أمثال المهندسين المعماريين ومصممي البرمجيات والعلماء والمحامين، 20 الى 25 في المئة.
وتوسل وسائل الإعلام الاجتماعي في التعليم يظهر أن قدرة التلامذة على التحصيل العلمي والتعلم تزيد عند التفاعل مع غيرهم من طالبي العلم. وفي المراحل الانتقالية تبرز تكنولوجيات جديدة، فيبادر كثر إلى الطعن فيها وإلقاء لائمة تغير وجه الأمور وسبل إنجاز المهمات عليها.
?* محرر الشؤون الرقمية في «ذي إيكونوميست» وصاحب (الكتابة على الجدار: وسائل الاتصال الاجتماعي، أول ألفي عام)، عن «نيويورك تايمز» الأميركية، 22/6/2013، إعداد منال نحاس