المقالات
حين تفقد الصحافة مصداقيتها
عرفت الصحافة بأنها السلطة الرابعة بعد السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، اعترافاً بجلال قدرها، وعظيم تأثيرها. وهذا الوصف يصدق على الصحيفة الملتزمة بمعايير الشفافية والموضوعية، بحيث تعكس الواقع كما هو،
حمزة منصور
Tuesday, July 16, 2013 - 03:26 AM
Views: 327
فتكون بحق مرآة صافية نقية، وحين تفقد الصحيفة، أية صحيفة، هذه المعايير رغبة أو رهبة، فتصبح صدى للحكومات والشركات والتيارات السياسية العاجزة عن الحصول على الشرعية الشعبية عندها تغدو الصحافة بوقاً للشيطان، وعبئاً على الوطن والمواطن، وتفقد هيبتها واحترامها، فضلاً عن تعريض كل من أسهم في التضليل والتطبيل لسخط الله تعالى، وتلك الطامة الكبرى. فالكلمة لها قدسية وجلال، ومن هنا فقد ضرب الله تعالى بها المثل حيث يقول سبحانه { ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء * تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون * ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة أجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار } فالكلمة الطيبة هي الكلمة الصادقة، التي تعكس الواقع، والكلمة البانية، والتي تحمل رسالة سامية، تعزز القيم، وتصقل الذوق، وتهذب الوجدان. ومثل هذه الكلمة كمثل الشجرة الضاربة جذورها في الأرض، لأن الحق أصيل وراسخ، وفروعها باسقة تطاول عنان السماء، تسر الناظرين، وتوفر الظل الظليل، وثمارها يانعة، يجد فيها كل ضالته. والكلمة الخبيثة هي الكلمة الكاذبة المفتراة، المزورة للحقائق، الظالمة للحق والحقيقة ولعباد الله، ومثلها مثل الشجرة الخبيثة، جذورها سطحية، فاقدة لعناصر النماء والقوة، سرعان ما تهوي صريعة غير مأسوف عليها .
هذه المعاني أستحضرها وأنا أطالع صحافتنا الأردنية إلا ما رحم ربي، وقد غدت صدى للصحافة المصرية إلا ما رحم ربي كذلك، التي يديرها ويغذيها المال الحرام، المنهوب من الشعب على حساب المواطن المحروم، الذي أفقدته سياسات العسكر والمفسدين في الأرض، فأصبح الشعب يرزح تحت وطأة مديونية تربو على ترليون وثلاثمائة مليار جنيه، وأصبحت مصر مهد الحضارة في مؤخرة الدول بينما تملك كل مقومات النهوض لو وجدت القوي الأمين. ولعل من أبرز الأمثلة والشواهد على ما وصل إليه الإعلام من السقوط المهني والأخلاقي العناوين التي تحملها بعض صحفنا، والمضامين التي تحملها مقالات وتحليلات من فقدت الكلمة عندهم طهرها وجلالها.
وأقتطف منها ( آلاف من مؤيدي وأنصار الرئيس المعزول يتظاهرون في جمعة الزحف ) فمن يستطع أن يثق بخبر تنقله مثل هذه الصحف حتى لو كان حول الأحوال الجوية، أو نعي الموتى؟ فالملايين الذين ضاقت بهم ساحات رابعة العدوية على سعتها، وعلى امتداد الشوارع المفضية إليها والمتفرعة منها، والتي لا يبلغ النظر مداها، ومثلها في ميدان النهضة في جامعة القاهرة، وميدان رمسيس، وميادين الإسكندرية والسويس وطنطا والمنيا وغيرها وغيرها، التي فاجأت الانقلابيين والمحرضين على الانقلاب، والداعمين له، حرية بأن تتوقف عندها صحافتنا التي تنظر بعيون غيرها، ويصدق فيها قول ربنا تبارك وتعالى ( لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها ) .
ومما تردده هذه الصحافة أن تجربة الإخوان قد فشلت، وأقول لهؤلاء الناعقين بالخراب : أين هي تجربة الإخوان؟ أهي تجربة اثني عشر شهراً انتخب فيها الشعب المصري رئيساً من الإخوان المسلمين، بينما بقي القضاء والإعلام والأجهزة الأمنية في قبضة النظام السابق، وظل الرئيس المنتخب خلالها محاصراً داخلياً وخارجياً من أعداء الديموقراطية، ومن المتحاملين على الإسلام والإسلاميين؟ ومع هذا الواقع المعادي للمسيرة والمسار، فقد تحقق في كثير من المجالات ما لم يتحقق في عقود من حكم العلمانيين قوميين ويساريين وليبراليين، وأحيل من جهلوا أو تجاهلوا ذلك الى ما كتبه الإعلامي المتميز احمد منصور تحت عنوان ( ما لا تعرفونه عن عام من حكم الدكتور مرسي على مصر ) مما لا تتسع مقالة صحفية لإيراده، سواء على صعيد إخراج مصر من الهيمنة الأمريكية، والتوجه نحو الاكتفاء الذاتي من الخبز، أو المشاريع الاستثمارية، وفي مقدمتها مشروع قناة السويس العملاق، أو المناطق الصناعية، أو صناعة الآيباد المصري بخبرات مصرية، أو الاتفاقيات الموقعة مع الهند والبرازيل وغيرهما، على طريق كسر احتكار الولايات المتحدة الأمريكية للمشهد الدولي. والأهم من كل ذلك أجواء الحرية التي وفرها، وإشعار الشعب المصري بكرامته حيث أصبح هتافه ( ارفع راسك فوق انت مصري )، وعلى الرغم من الجهود المضنية التي بذلها والمخلصون معه ومن حوله، والصبر الجميل الذي تحلى به في مواجهة الإسفاف اللفظي والهبوط القيمي والأخلاقي، والتحديات التي واجهها وكثير منها تحديات من صنع قوى الشد العكسي فانه لم يجد من وسائل الإعلام الموجه والممول من يذكر له منقبة أو يغفر له زلة أو يلتمس له عذراً . بينما ظلت تسبح بحمد حكام ابتليت بهم الأمة عقوداً، وحينما استهلكوا ورحلوا عن الحياة صنعت لهم بعض الصحف أمجاداً غير مسبوقة، وحينما لا تجد شيئاً ذا بال في سجلهم تقدمه للناس تقول : كان يريد أن يفعل لولا أن القدر عاجله، والقوى الدولية عادته. فقليلاً من الإنصاف أيتها الصحف، وأيها الإعلاميون، وتذكروا أنكم مسؤولون عن كل كلمة تقولونها، أو حرف تخطونه، فالأمر جد لا هزل. واسمعوا ماذا يقول النبي الصادق الأمين في التأكيد على خطورة الكلمة ( رب كلمة لا يلقي لها أحدكم بالاً تهوي به في جهنم سبعين خريفاً ) وعندها لا تنفع الأعطيات ولا الرشاوي التي تغدق بلا حساب، ولن تجدوا الى جانبكم الذين كانوا يوحون إليكم بالكلمات، أو يقدمونها إليكم مكتوبة، لتضعوا أسماءكم عليها وتقبضوا المعلوم .(البوصلة)