عاجل
المقالات

الحرب الافتراضية: هل تملك طهران القدرة على مهاجمة واشنطن الكترونيا؟

كما تتحكم السلطات في إيران في سرعة الإنترنت بحيث يمكنها إبطاؤه لإعاقة عملية تحميل أو تنزيل الصور والفيديوهات في أوقات معينة، كما يتم حجب مواقع البريد الإلكتروني مثل هوتميل وجوجل بصفة دورية.

 الحرب الافتراضية: هل تملك طهران القدرة على مهاجمة واشنطن الكترونيا؟
اضغط للتكبير

باتت مَيْكنة الأنظمة ومعظم أوجه الخدمات واحدة من معايير تقدمية المؤسسات الحكومية، فيما يطلق عليه "الحكومة الإلكترونية"، بالإضافة إلى البورصات والمؤسسات المالية، فضلا عن الشركات الخاصة، كنتيجة للتطور في جودة الشبكات وأنماط الاتصالات. وفي خِضم الانبهار بما وصل إليه التقدم التكنولوجي في هذا المجال؛ يغيب عن البعض مدى هشاشة تلك النظم التكنولوجية للتطورات في مجالات القرصنة وصناعة الفيروسات، بحيث تصبح كفاءة المؤسسات الحكومية والخاصة رهن القدرات المتنامية لجماعات القرصنة الإلكترونية، وتواضع إمكانات المقاومة والحماية المتوفرة حتى الآن.

 
    ما سبق يلقي الضوء على أهمية الفضاء الافتراضي "Cyber Space"، كساحة للصراع بين الدول، وهو وإن كان عديم القدرة على إلحاق الأذى المادي بالأفراد؛ فإن آثاره الاستخباراتية والاقتصادية قد تكون مدمرة. ولعل ما يعقد من طابع الحرب الإلكترونية بشكل أكبر هو عدم وضوح القواعد في الفضاء الإلكتروني، وبالتالي فإن طبيعة هذه الحرب الصامتة وإمكانية إنكار وجودها قد تجعل السيطرة عليها أكثر صعوبة.

وفي هذا السياق؛ أصدر معهد "المجلس الأطلنطي" ورقة بعنوان "Iran: How a Third Cyber Power Can Still Threaten the United States"، لكل من "باربرا سلافين"، باحث زميل بمركز جنوب آسيا التابع لمعهد المجلس الأطلنطي، و"جيسون هيلي"، مدير مبادرة معهد المجلس الأطلنطي لكفاءة إدارة الفضاء الافتراضي Cyber Statecraft Initiative.
وتطرح الورقة عدة تساؤلات حول قدرة إيران على توجيه ضربات إلكترونية للولايات المتحدة حال تعرضها لعمل عسكري من قِبل الولايات المتحدة وحلفائها، فضلا عن مدى فداحة تأثيرها، وذلك من خلال استعراض ملخص الحرب الخفية بين الدولتين في هذا المجال.

حدود تأثير الهجمات الإلكترونية

في الوقت الذي يعتقد فيه كثير من المسئولين الأمريكيين والخبراء بمحدودية قدرة إيران على إلحاق أذى مؤثر بالولايات المتحدة إلكترونيًّا، كونها تعد قوة إلكترونية/افتراضية من المستوى الثالث؛ إلا أن كاتبي المقال يعتقدان أن إيران قد تمثل خطرًا في هذا السياق، إذ إن التاريخ لم يسجل سوى بضع هجمات إلكترونية مدمرة فقط.

وتشير الورقة إلى أن الأثر الرئيسي للهجمات الإلكترونية يكون سياسيًّا بالأساس، فالهجمات المدعمة روسيًّا ضد أستونيا في 2007، والتي استهدفت مواقع حكومية، وأكبر بنوك أستونيا، فضلا عن صحف عديدة؛ لم يستمر تأثيرها إلا لفترة قصيرة، ولم تترتب آثار على الناتج المحلي لأستونيا. وربما يمكن النظر لمثل تلك الهجمات كإنذار مبكر يلقي الضوء على الهشاشة في مجال الأمن الإلكتروني.
ولذلك، فإن التطور التكنولوجي المتنامي، إلى جانب الاعتماد المتزايد من قبل الولايات المتحدة على الفضاء الافتراضي الهش؛ قد يجعل الولايات المتحدة عرضة لمثل تلك الهجمات الإلكترونية من إيران أو من قراصنة أجانب محترفين تستخدمهم إيران.

وتكشف الورقة، أن هناك صراعًا إلكترونيًّا بين إيران والولايات المتحدة (وإسرائيل)، وإن لم يتحول لحرب إلكترونية مفتوحة. وقد تصاعد الاهتمام بقدرات إيران في هذا المجال منذ 2012 إبان هجمات "حجب الخدمة الموزع DDoS" التي أصابت المؤسسات المالية الأمريكية، وتسببت في عدم القدرة على الولوج للحسابات، فضلا عما تطلبته من إجراءات مواجهة باهظة الثمن.

ويبدو أن هذه الهجمة ترتبط بالعقوبات المالية المفروضة على المؤسسات المالية الإيرانية ودودة "ستاكسنت" التي أعاقت البرنامج النووي الإيراني في 2010. كما يعتقد أن إيران تقف وراء الاعتداء الإلكتروني على شركة "أرامكو" السعودية للبترول في أغسطس 2012، والذي دمر البيانات المخزنة على أكثر من 30 ألفًا من حواسيب الشركة.

ستكسنت.. الدودة التي هربت

أطلقت الولايات المتحدة دودة "ستكسنت Stuxnet " كتكتيك معوق لعملية تخصيب اليورانيوم في مفاعل ناتانز الإيراني، كما أقنع ذلك إسرائيل بألا حاجة ملحة لضرب إيران، الأمر الذي جنب الولايات المتحدة الدخول في حرب ثالثة في الإقليم.وكانت الدودة قد تم تطويرها في وكالة الأمن القومي الأمريكية في 2005، ثم جرى تعديلها على يد كل من وكالة الاستخبارات المركزية والوحدة 8200 الإسرائيلية، وتمت تجربتها على أجهزة طرد مركزي باكستانية، ويتلخص عمل الدودة في امتصاصها من قبل المتحكمات، وتقوم بإرسال معلومات حول العمل بأجهزة الطرد المركزي، مما يمكن المحاربين الإلكترونيين من تطوير شفرة لتدمير أجهزة الطرد المركزي، بحيث يعمل على تسريع وإبطاء العمل على نحو متقطع.

وكان الإيرانيون قد اعتقدوا أن الخلل يرتبط بالمواد الخام أو بتصميم التدفقات بالأجهزة، حتى قام أحد العلماء الإيرانيين بتوصيل حاسوبه المصاب بالدودة بالإنترنت، وهو ما أدى إلى انتشارها في حواسيب إيران وألمانيا وإندونيسيا والهند وحتى الولايات المتحدة.

وعلى الرغم من قدرة الدودة على تعطيل حوالي 1000 من أجهزة الطرد المركزي في ناتانز، فضلا عن تعطيل إيران لمدة سنتين عن تخصيب اليورانيوم، إلا أن البرنامج النووي الإيراني لم يتوقف. وفي هذا السياق يقول الصحفي والمؤلف "ديفيد سانجر" إن ستكسنت سببت انتكاسة، ولكنها لم تعوق إيران عن استكمال برنامجها، وإنما فقدت الولايات المتحدة قليلا من الأرضية الأخلاقية حين يتعلق الأمر بتحذير العالم من خطر الهجمات الإلكترونية.

مكانة إيران في سباق التسلح الافتراضي

وفقًا لـ"ديميتري ألبيروفيتش" المتخصص في شئون الأمن الإلكتروني؛ فإن الطبقة أو المستوى الأول فيما يتعلق بالقدرات الإلكترونية تضم كلا من الولايات المتحدة وحلفائها مثل بريطانيا، بالإضافة إلى روسيا، بينما توجد الصين ضمن المستوى الثاني، وتتواجد إيران في المستوى الثالث.

وتستدرك الورقة، بأن هذا الترتيب لا يجب أن يمنح الولايات المتحدة إحساسًا زائفًا بالثقة، وأنها بمنأى عن هجمات إيران، فإيران لن تحتاج مكافئًا للـ"فيراري" لإلحاق الأذى ببنية الولايات المتحدة التحتية، فـ"الفيات" تستطيع.

فوفقًا للتقديرات، فقد أدى فيروس "حجب الخدمة الموزعة DDoS" -وهو ما يُعتقد أنه الرد الإيراني على دودة ستكسنت"- إلى خسائر كبيرة عانى منها القطاع الخاص الأمريكي، حيث أصاب أكثر من 12 مؤسسة رئيسية (منها: SunTrust, JPMorgan Chase, CitiGroup, Wells Fargo, U.S. Bancorp, Capital One, PNC, HSBC, BB&T)، هذا فضلا عن إنفاق البنك الواحد ما لا يقل عن 10 ملايين دولار للتخفيف من أثر الهجمات.

كما تسببت سلسلة من الهجمات في إبريل 2013، قام بها الجيش الإلكتروني السوري، يشتبه في علاقته بإيران؛ في انخفاض مؤشر داو جونز الصناعي 150 نقطة بما يعادل 136 مليار دولار، وكان الهجوم قد نفذ من خلال القرصنة على حساب الـ"الأسوشيتد برس" على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" لنشر أخبار كاذبة حول انفجار بالبيت الأبيض، وإصابة الرئيس الأمريكي أوباما. وفي مايو 2013 أيضًا ثارت ادعاءات حول مسئولية إيران عن هجمات مماثلة على شركات أمريكية.

ولم يقتصر الأمر على الولايات المتحدة فقط؛ وإنما تعرض عدد من حلفائها لهجمات مماثلة، كذلك الذي تعرضت له شركة "أرامكو" السعودية والذي دمر البيانات على ما يقرب من ثلاثة أرباع حواسيب الشركة، وأظهر صورة لعلم الولايات المتحدة محترقًا على شاشات الأجهزة.

وبالنظر إلى الضعف التقليدي للقوة الإيرانية؛ فإن الفضاء الإلكتروني قد يكون بديلا جذابًا، يمكن استخدامه من خارج إيران ويصعب تعقبه، ويدلل الباحثون على القدرة الإيرانية بما قامت به كوريا الشمالية بهجوم إلكتروني تسبب في شل أجهزة السحب الآلي في بنوك كوريا الجنوبية، ليصلا إلى نتيجة مفادها بأنه لا سبب للاعتقاد بأن قدرات إيران أقل من دولة ككوريا الشمالية التي تعاني من قلة خريجي تكنولوجيا المعلومات، بالإضافة إلى عزلتها.

جهود إيران للتحكم في الإنترنت محليًّا

بدأت إيران في اللجوء لإجراءات التحكم في الإنترنت محليًّا في أعقاب انتخابات 2009 والاضطراب السياسي الذي صاحبها، حيث قامت بحجب المواقع ذات المحتوى السياسي أو الاجتماعي الذي يمكن أن يهدد النظام الإسلامي، حسب وصفهم، وقد دافعت الحكومة عن تلك الرقابة بأنها تهدف إلى تنقية الفضاء الافتراضي لتحقيق سلم المجتمع، وخصوصًا النشء والشباب، وهو ما يعد ضرورة لا خيارًا.

وكان المرشد الأعلى علي خامنئي قد أعلن في 2012 عن إنشاء المجلس الأعلى للفضاء الافتراضي، والذي يتضمن رئيس الجمهورية وعددًا من المسئولين في البرلمان والقضاء والحرس الثوري. علاوة على ذلك فإن الحرس الثوري الإيراني يمتلك قيادة للدفاع الإلكتروني، والتي يجند فيها العديد من الأفراد للتجسس على المعارضين السياسيين، واتصالاتهم الإلكترونية، ونشر وجهة نظر الحكومة الإيرانية.

كما يقوم ما يعرف بالجيش الإيراني الإلكتروني بهجمات على مواقع المعارضة والمواقع الإعلامية الأجنبية مثل البي بي سي. وكان خامنئي قد أنشأ "منظمة الدفاع السلبي" منذ عشر سنوات لمواجهة مخاطر الإنترنت وما يهدد الدولة.

وعلى الرغم من جهود الحكومة في الرقابة على الإنترنت، خصوصًا في أوقات الانتخابات، فإن ذلك قد انعكس في مزيد من التواصل بين الناس، وارتفاع نسبة المشاركة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، ما نتج عنه فوز المرشح الأكثر اعتدالا حسن روحاني.

وبالنظر لقدرات إيران؛ يرى الباحثان أن مقدرتها في هذا المجال ما تزال محدودة بحيث لا يمكنها أن تقوم بهجوم واسع الانتشار ومستمر في نفس الوقت، فقد تكون إيران قادرة على إصابة أهداف مهمة كالثلاثين ألف حاسوب في أرامكو، إلا أنها لا تستطيع تطوير الهجوم بشكل مؤثر استراتيجيًّا، فإن كان الهدف الأساسي لا يقتصر على إلحاق الأذى بحواسيب الشركة السعودية وإنما تعطيل الإنتاج، فإن إيران تكون قد أخفقت، لذلك على الإيرانيين أن يقيّموا تلك الهجمات والإجابة على تساؤلات من نوعية "هل حققنا الهدف من الهجوم؟"، "هل بإمكاننا استكمال الهجوم على أهداف أكثر تأثيرًا؟"، لأنه وببساطة استطاعت الشركة استعادة البيانات، وبالتالي تحقيق الأرباح. وبالمثل يمكن النظر لفيروس "حجب الخدمة الموزعة" إذ لم يمنع ذلك الشركات المتضررة من مراكمة أرباحها المليارية في نهاية 2012.

فاعلية الحرب الافتراضية.. وماذا بعد؟

يعتقد الباحثان، أنه وبالرغم من إمكانية تصاعد الصراعات الافتراضية، فإن خوض حرب إلكترونية مفتوحة غير محتمل، خصوصًا مع انتخاب قيادة جديدة تسعى للتعامل البناء مع الولايات المتحدة، لذلك فقد يقتصر الأمر على حملات إلكترونية محدودة التأثير.

وبالرغم من محدودية تأثير الهجمات الإيرانية، فإن بعض السياسيين في الولايات المتحدة وإسرائيل قد ينتهزون الفرصة للدفع باتجاه تصعيد إلكتروني يتعدى الضرر الحقيقي، خصوصًا في ظل غياب الأطر المنظمة للسلوك في الفضاء الافتراضي.

ويضيف التقرير أن على الولايات المتحدة أن تطور من القدرات الدفاعية الإلكترونية، وإمداد القطاع الخاص بها، كونها عرضة للاعتداءات الإلكترونية كرد فعل للسياسات الأمريكية. كما يشدد التقرير على ضرورة أن تلتزم الحكومة الأمريكية الحذر في استخدام أساليب إلكترونية مثل دودة ستكسنت، مع الإبقاء عليها كخيار في مواجهة إيران، واستمرار الرقابة الأمريكية على البرنامج النووي الإيراني.
كما يوصي كاتبا الورقة بضرورة العمل على دعم تطوير اتفاقية لتنظيم السلوك في الفضاء الافتراضي، مع إدراك انخفاض احتمالية التزام إيران بها في ضوء العقوبات الاقتصادية الحادة.

والخلاصة، أن الحرب الإلكترونية، على غرار العقوبات، يمكنها أن تمثل عقابًا إلا أنها ليست الرصاصة الفضية التي ستقضي على أجهزة الطرد المركزي أو البرنامج النووي، فإيران وفقًا لتصريحات المسئولين الأمريكيين وصلت للمرحلة التي تمكنها من امتلاك السلاح النووي إن أرادت، بحيث يصبح العامل المحدد هو الإرادة السياسية للقادة الإيرانيين. وعليه، فإن وسائل التأثير على إيران مثل العقوبات والجهود الدبلوماسية قد تقود للتقدم في تسوية النزاع بين إيران والمجتمع الدولي، مع الإبقاء على خيار الحرب الإلكترونية إذا ما تمادت إيران في مشروعها النووي.
طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك