Breaking
المقالات

حلف الصناعة الإعلانية و الأمن بعيداً عن الديموقراطية

صحب الدعايةَ، على الدوام، ضجيج وجلبة هما جزء منها. وإلى اليوم يسمع في بعض الأسواق صوت الدلالين يتردد عالياً. والدعاية مزعجة ولكنها غير مؤذية

 حلف الصناعة الإعلانية و الأمن بعيداً عن الديموقراطية
Click to enlarge

. وعندما نفخت الثورة الصناعية في الاستهلاك الجماهيري انتقلت الدعاية إلى مرحلتها الصناعية. والأوساط التي حسبت نفسها نخبة أو صفوة توافقت على ألا يمدح الواحد نفسه، وألا يمدح صنيعه أو عمله، وإلا عُدّ عامياً وضيعاً. وتسمية الدلالة أو الترويج للسلعة «إعلاناً» (من «بابليك» أي الملأ والأشهاد) لم يحسِّن صيتها وسمعتها. وأناس غير متكلفين ولا مدعين يشتركون اليوم في ألعاب ومسابقات، ويتبادلون قسائم تنزيلات على الأسعار، ويقارنون بين الحسومات الموعودة والمقررة. فكيف يجوز الكلام على إرهاب، ووصف الأعمال الخيرية، الصادرة عن نوايا وسرائر طيبة، بالإرهاب؟ وما علاقة نقر الدلاّل على طبلته بالسياسة؟

والحق يقال استولت السياسة في وقت مبكر على الدعاية، والدعاية استولت على السياسة، أقرَّ السذج بالأمر أم لم يقروا. وأمست الدعاية قوة سياسية منذ عشرينات القرن العشرين (1920). وتهيأت الأحزاب في صورة علامات تجارية مسجلة، وتنافست على الحصول على جزء من السوق بواسطة الشعارات التي تقدمت على الحجج والبراهين. وفي أثناء أعوام الأزمة الاقتصادية والحرب الأهلية التي تعاقبت على ألمانيا بعد الحرب الأولى، بلغت بعض الدعاية الحزبية مستويات عنف مخيفة. ولم تنجح ديكتاتورية واحدة من ديكتاتوريات القرن العشرين في الاستيلاء على السلطة من غير إسهام اختصاصيين «مبدعين» في ابتكار شعارات خلابة وطاغية. فأوكل إليهم «صوغ العبارات الجارحة، والطعن في «المنبوذين»، والتحريض على الكراهية والاحتقار، وتحسين المحاكمات المسرحية والإعداد للحرب وتعظيم القادة والزعماء ورفعهم فوق البشر.

وغداة 1945، لم يعد يتوقع أحد أن يلقى نجاحاً كبيراً إذا توسل بعبارات من صنف «شعب واحد، رايخ واحد، قائد (مرشد) واحد»، أو نظم احتفالات ومهرجانات سياسية حاشدة على طريقة ليني رايفينشتال (مستشارة الحزب النازي الألماني ومصورة مهرجاناته). وعندما انهار في 1989 ما لم يقتصر على جدار مادي من الإسمنت، وتوارت اللافتات التي تحض على تعلم معنى الانتصار من الاتحاد السوفياتي، بحث اختصاصيو التحريض عن ميادين عمل جديدة، ولم يستحل عليهم التكيف حين أزفت ساعة إعلان الهدنة، ووضعت الحرب الباردة أوزارها. وقويت الحاجة إلى هذا الصنف من الاختصاصيين مع ازدهار وسائط الإعلام الجماهيرية. وسبق أن أدرك بلزاك وزولا، الروائيان الفرنسيان الكبيران (في الثلث الأول والثلث الثالث من القرن التاسع عشر)، استحالة تعويل الصحافة على عائدها من المبيع وحده. ووكالات الدعاية ازدهرت في موازاة نمو الطباعة ونشر المجلات وصحف الإثارة «الشعبية». وحين استتب الأمر للإذاعة والتلفزة تعاهدتا في الولايات المتحدة الأميركية مع «ماديسون أفينيو»، حيث مكاتب وكالات الدعاية الكبيرة، عهداً ملزماً على التعاون. وقضى العهد بتعليق الأفلام والأخبار الوقت الذي تحتاجه «الاستراحات» الإعلانية قبل استئناف البث.

ولم يولِ التحليل المترتبات السياسية والنفسية الاجتماعية للتعليق العناية المستحقة. وحال دون القيام بذلك جيش من المستشارين الجامعيين ودارسي الاجتماعيات وخبراء التسوق الذين عملوا في خدمة الصناعات الجديدة. فالاقتصاد القائم على اقتناص الانتباه يقضي بتأخير مسألة فهم العالم الذي نعيش فيه إلى المرتبة الأخيرة. ويقود هذا إلى خصخصة (أو تخصيص) دائرة العلانية المشتركة، وإلى حرمان الناس من الوقت المتاح لهم في سبيل عيش حياتهم. فتبلغ الدعاية بهذه الحال غاياتها من غير زيادة ولا نقصان. واجتاحت الدعاية، في الأثناء، مباني السكن بلوحاتها الإعلانية الكهربائية، وبشاراتها الضوئية ولافتاتها. فمحاور السير الكبيرة، ومحطات القطارات. ومواقف الحافلات ومترو الأنفاق، تتزاحم فيها اللوحات – الشاشات التي يستعملها «المعلنون» في الترويج لسلعهم ومبيعاتهم.

والعنف نفسه يصاحب اقتحام الدعاية دائرة الحياة الخاصة والحميمة، وسرقتها الوقت الذي تقدر على سرقته من البشر. وليس في مستطاع إنسان اليوم دخول صالة سينما من غير استباحة رغاء الدعاية عينه وأذنيه. واستعمرت الدعاية آلة اتصال وتواصل قديمة هي الهاتف، واعتدت شركات التسويق على انتباه أصحاب أجهزة الهاتف وحامليها. وجعلت شركات الدعاية ونفاياتها من الرسائل الإعلانية وأغلفتها الشطر الأكبر من المبادلات البريدية. ويعصى الفهمَ داعي الإنسانية إلى الرضوخ للانتهاكات والتجاوزات المؤذية هذه. وكتب بعض أصحاب الصناديق البريدية على صناديقهم: «لا للدعاية!». ولم يردع الرفض المعلن موزعي النفايات المعوزين عن توزيع حصصهم المدفوعة وإيفاء عقود شركات الإعلان تعهداتها. ولا يرجى تولي الهيئات العامة وإدارات الدولة حماية المواطنين من إجبارهم على ملء صناديق بريدهم بمنشورات لا يريدونها.

وبلغ سلطان الدعاية والإعلان السياسي في أثناء العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة حداً لم يُشهد من قبل. وعظَّم اختراع الحاسوب، وإنشاء الشبكة العنكبوتية، هذا السلطان، ومكنه من التوسع وبسط النفوذ على نحو لا سابق له. ومذ ذاك، حجب غوغل وفايسبوك وياهو، ومن لف لفها، شركات الصناعة الثقيلة ورؤوس أموالها في السوق المالية. فلم يسلم أحد من لوائح شركات الإنترنت وصيدها الزبائن. وركن «عمل» هذه الشركات أن تمتنع من إنتاج مضمون تتولى هي صنعه، وتنزل عن هذه المهمة إلى وسائط الإعلام (الميديا) وإلى المستعملين والمشتركين الذين يمدونها مجاناً بتفاصيل حياتهم الخاصة. وتمول الدعاية وإعلاناتها هذا المثال التجاري. فإذا لم تمول الإعلانات هذه الشركات، انهارت وأفلست. وليس ثمة محرك بحث محايد. وتجديد محركات البحث موادها، زعم زائف وكاذب، وترجيحها سلعاً للشراء تزوير غير مستتر، والأولاد الذين تتولى تربيتهم ليسوا إلا زبائن صاغرين ومدجنين.

لا شك في أن الشركات التجارية الضخمة، مثل أمازون، تتولى شأن سابقاتها شحن المنتجات المادية. وتعتاش شركات مثل مايكروسوفت أو آبيل من بيع برمجياتها وأجهزتها الإلكترونية. ولكن على من يتولى التسويق لبلايين الزبائن أن يجمع معطيات وقائعهم الشخصية. وتقوم المناهج الرياضية بما كان يقوم به تقنيو السيطرة السياسية، بواسطة الشرطة السرية، على وجه أكمل بكثير من هؤلاء التقنيين. فالشركات الأميركية التي غلبت على الشبكة هي حليفة «الدول في الدولة»، وعلاقاتها بأجهزة الاستخبارات السرية تسوغها مصالح مشتركة متينة. والفريقان، الكتل الصناعية وأجهزة الاستخبارات، يحتاجان إلى توافر معلومات تمكنهما من مراقبة السكان. ويجمع كلاهما على أن الحقوق الأساسية باتت من مخلفات زمن انقضى. وصاحب فايسبوك، مارك زوكيربيغ، على يقين من أن دائرة الحياة الخاصة انتهت، وطويت صفحتها.

وبينما تغمض السياسة الأوروبية عينها عن هذا الواقع، وتجبن عن التصدي له، يلاحظ أن معارضي «الدول في الدولة» هم من مواطني الولايات المتحدة. والمنذرون المنبهون إلى جسامة الانتهاكات يتهمون بالخيانة، شأن السيد مانينغ (مسرب وثائق ويكيليكس) والسيد سنودن (موظف وكالة الأمن الوطنية)، وهم المقيمون على احترام دستور بلدهم. ونحن نجهل من يتولى السلطة، على وجه الدقة، في معسكر المراقبة والسيطرة. هل تتولاها المصالح أو «الأجهزة» الرسمية التي تحررت من المراقبة الديموقراطية؟ وسبق لشيخ هذه الأجهزة، وسلفها، ج. إدغار هوفر، مدير الأف بي آي، أن أحرجت ملفاته رؤساء جمهورية. ورؤساء الحكومات، اليوم، يشاهدون وراء الأجهزة الضخمة يؤدون أدوار النافذين الذين لا راد لأوامرهم وإراداتهم. ولا ريب في أن شركة أجهزة الاستخبارات وأصحاب شركات الاتصال على الشبكة أفضت إلى نشوء عالم سياسي على هامش الحياة الديموقراطية وليس لهذه أضعف تأثير فيه. فالصمت هو قانون هذا العالم و «أجمل» ما فيه.

 

* شاعر وكاتب ومترجم وصحافي ألماني كتب «الخاسر الراديكالي: مقالة في أهل الإرهاب» (2006)، عن «لوموند» الفرنسية، 28/10/2013، إعداد منال نحاس


Print Article Send to Friend Add Comment

Reader Comments

Share Your Opinion