T+ |
T-وصف جوبز هذه الخطط حين كشف عنها للمرة الأولى: «إنها مباني المكاتب الأفضل في العالم، فهي أشبه بسفينة فضائية».
لكنها ستكون على الأرجح أكثر مباني الشركات كلفة حول العالم، صرح مستدير عملاق تُقدّر كلفته بنحو خمسة مليارات دولار، ما يتخطى حتى كلفة إعادة بناء مركز التجارة العالمي في نيويورك، الذي بدأ العمل عليه قبل عشر سنوات. لكن كثيرين يحاولون اليوم مضاهاة أعمال أبل، وخصوصًا إن كانت تتعلق بالرموز.
على نحو مماثل، طلب مؤسس «فيسبوك» مارك زوكربيرغ، الذي يطمح إلى ربط كل العالم بشبكة تواصل إلكترونية، من المهندس الشهير فرانك غهري ابتكار مقر جديد لشركته. ولا شك في أن هذا المقر لن يكون مبنى عاديّاً. فقد أعلن زوكربيرغ في صالة ضخمة تضم 3400 موظف في «فيسبوك»: «ستشكل المكتب المفتوح الأكبر في العالم». وسيُغطى المبنى بحد ذاته بالأشجار والمروج، ما يتيح له الاندماج مع المنظر الطبيعي المحيط به. كتب زوكربيرغ على «فيسبوك»: «ستخال من الخارج أنك تنظر إلى تلة طبيعية».
في هذه الأثناء، سيبني رئيس أمازون جيف بيزوس، الذي يؤيد خطط الهيمنة العالمية الاقتصادية، أول مقر طبيعي حيوي حول العالم: ثلاث قبب مصنوعة من الفولاذ والزجاج تشكل كل منها نظامًا بيئيّاً اصطناعيّاً يتمتع بمناخه الصغري الخاص ومنطقته النباتية الملائمة. وستُشيّد هذه المكاتب التي ابتكرتها NBBJ، شركة هندسة حائزة جوائز عدة، إلى جانب ناطحة سحاب تابعة لها في سياتل ستهيمن عاليًا فوق المدينة.
تعمل شركة غوغل أيضاً مع NBBJ لإعداد Bay View، مشروع لمقر عملاق الإنترنت الجديد الضخم. صحيح أن مباني غوغل الجديدة لا تضاهي المقرات المنافسة تعقيداً، إلا أن مجلةVanity Fair تصفها بكل فخر: تسعة أبنية تربط بينها جسور وتحتل عدد من سطوحها مناظر طبيعية. يمتدّ المقر برمته على هكتارات عدة من الأراضي الرطبة التي أعيد استصلاحها.
في الجوار، تبني شركة تصنيع رقاقات الكمبيوتر العالمية الرائدة Nvidia مقرات ضخمة (نصف مدرج كرة قدم ونصف مطار): مثلثان من الزجاج والفولاذ استوحيا من رقاقة الكمبيوتر.
تشمل الخطط التي يستطيع الناس الاطلاع عليها بفضل إجراءات التخطيط المدني الإدارية، محاكاة إلكترونية مفصلة، الكلفة المتوقعة، ومسودات تؤكد أن هذه لن تكون مجرد مقرات شركات. لا، ستشكل صروحاً ورؤى تقنية هندسية تعكس الهيمنة الإلكترونية، التي باتت اليوم بالغة القوة. تمثّل هذه المقرات تعبيراً عن تفوق اقتصادي وثقافي عالمي الذي تنسب وادي السيلكون وقادته الفضل فيه إلى أنفسهم.
احترام الطبيعة
صحيح أن هذه الشركات تسعى على نحو ملحوظ إلى تشييد صرح هندسيّ لا يُضاهى، ولكن تبرز بينها قواسم مشتركة واضحة: تعِد كل التصاميم بالجمع بين احترام الطبيعة والتقنية العالية. على سبيل المثال، تنوي أبل مدّ مقرها الجديد بالطاقة كاملا من خلال ألواح شمسية وتربينات هوائية تُقام في المقر بحد ذاته.
علاوة على ذلك، تمتد البنية الهندسية أفقيًّا لا عموديًّا. وتُشكّل هذه الطريقة الوحيدة لإعداد مصنع أفكار مثالي: البيئة الشاسعة الملائمة لعمال رقميين منتجين يبتكرون دوماً إبداعات تبدّل العالم.
يذكر زوكربيرغ: {نهدف إلى إعداد المساحة الهندسية المثالية}. يُعتبر المنطق وراء هذه المقرات بسيطًا: الأفراد الذين يتعاونون خلاقون. نتيجة لذلك، يجب أن تختفي كل الحدود، بما فيها الأرضيات والجدران. فما من مكان للمكاتب الخاصة، ولا حتى تلك الخاصة بكبار المديرين. وهكذا بات الملعب الإبداعي المفتوح التصميم الأساسي الرئيس للاقتصاد الرقمي. ومَن لا يملكونه عليهم إنشاءه. لذلك تعمد الشركات التي ما زالت متأخرة في هذا المجال، مثل ما مايكروسوفت وياهو وSAP، إلى هدم كثير من الجدران والحواجز داخل مقراتها وإزالة عدد كبير من المكاتب.
يوضح هاو كو، مدير تصميمات في شركة Gensler للهندسة والمسؤول الجديد عن مقرات Nvidia الأخيرة: {يستند ذلك كله إلى علم السلوك}، وهذا ما تبرهنه دراسات عدة. ويتابع مؤكداً أن لهذه النزعة {علاقة بابتكار بيئة يلتقي فيها الناس باستمرار ويتبادلون المحادثات العفوية}. وما عاد المديرون قادرين على الاختباء وراء أبواب موصدة. يضيف كو أن الموظفين العاملين في الطابق ذاته يلتقون أحدهم الآخر كل يوم تقريباً، إلا أنهم لا يتقابلون مطلقاً إن كانوا يعملون في طابقين مختلفين.
نتيجة لذلك، نلاحظ أن عالم العمل التقليدي يشهد انقلاباً جذريًّا: فبدل الاضطرار إلى تنظيم عدد كبير من الاجتماعات، صار من الضروري اليوم إعداد أماكن خاصة في هذه المكاتب المفتوحة. إذاً، أصبح التفاعل المتواصل العرف المتبع. وعلى كل مَن يود أن يبقى بعيداً عن الأنظار أن يبذل مجهوداً مضاعفاً. يذكر إيفريت كاتيغباك، مدير تصميم بيئي سابق في شركة فيسبوك: {يجلس الجميع في مساحة مفتوحة إلى مكاتب من السهل إعادة ترتيبها وفق الفريق الذي يعمل على المشروع}.
أعلن لاري بايج، أحد مؤسسي غوغل ومديرها التنفيذي، الربيع الماضي، أنه يودّ «تخصيص جزء من العالم للتجارب التقنية، الاجتماعية وغيرها، ما قد يسرّع ابتكار عالم رقمي مثالي. وأضاف بايج: «تستطيع القيام بأمور كثيرة تُعتبر غير مشروعة ولا يسمح بها القانون». أقر بايج بعد ذلك بأن القوانين جيدة، إلا أنه تساءل عما إذا كان من الممكن إعداد «مناطق آمنة» يكون فيها كل شيء مباحاً.
لا يمكن اختراقه
ما دام بايج وزملاؤه في الابتكار التكنولوجي في عالم غوغل لا يحصلون على مبتغاهم، لن يكون أمامهم حل آخر غير إعداد عالم تقليدي يمكنهم الادعاء أنه عالم. ويشمل الأخير خط باصات خاصاً ينقل الموظفين كل يوم إلى موقع العمل عبر الطرقات المزدحمة. فدعم وسائل النقل العامة ليس وارداً. كذلك لا عجب في أن غوغل تملك نظام صرف صحي مستقلاً. وعلى نحو مماثل، لا تسعى هذه الشركات إلى تطوير المشهد المدني العام بمشاريعها التي تكلّف الملايين. وهذا يبرر على الأرجح تعليق ناقد هندسي كتب في مجلة New Yorker أن مجمع أبل الجديد يذكّر بمقر وزارة الدفاع الأميركية: عالم محمي لا يمكن اختراقه.
في منطقة الخليج المحيط بسان فرانسيسكو ووادي السليكون، يتعايش الناس منذ عقود مع تناقض غريب في التعاطي مع أي صناعة تعزز الازدهار وفرص العمل، إلا أنها لا تأبه بالخير العام. فعندما سئل ستيف جوبز عن الفائدة التي ستجنيها مدينة كوبرتينو من مقر أبل الجديد، أجاب: «كما تعلمون، نحن ندفع الضرائب الأكبر في كوبرتينو. نودّ أن نبقى في هذه المدينة وندفع الضرائب. أما إذا لم نستطع ذلك، فسننتقل إلى مكان آخر، مثل ماونتن فيو، وسنصطحب كل مَن يعملون راهناً معنا. هكذا تخسر المدينة أكبر قاعدة ضريبية فيها».
يتجلى هذا التوحد المذهل أيضًا في ممارسات شركات هذا القطاع: حماية خصوصية البيانات؟ عندما تراها مناسبة فحسب.
مع تشييد مقرات الشركات الجديدة الضخمة، تُضطر المنطقة إلى حلّ المشاكل الناشئة بمفردها: من البنية التحتية المستنفدة إلى ارتفاع الإيجارات، ما يصعّب على المواطن الذي يجني دخلاً متوسطاً العيش في سان فرانسيسكو، لأن شركات التقنية العالية تستأجر شوارع كاملة من المدينة لمواطنيها، وهي مستعدة لدفع الأجور الباهظة.
أثار هذه الواقع غضباً يزداد حدّة ووضوحاً في مختلف أرجاء المنطقة. فيشتكي الناس من هيبيي شركات التكنولوجيا وباصاتهم الخاصة، إيجارات الشقق المرتفعة، وغلاء المعيشة المستفحل. كذلك يهزأون من ضخامة سفينة أبل الفضائية. لكن لا أحد يتجرأ على مواجهة هذا القطاع المهيمن علانية.
أعطى مجلس كوبرتينو أخيراً الضوء الأخضر لتشييد مقر أبل، مصوّتاً بالإجماع لمصلحة إنشائها من دون إضافة أي تعديل إلى الخطط التي قدّمتها الشركة. ومن المفترض أن ينتهي المشروع عام 2016. أعلن العمدة خلال طرحه المشروع: «حطّت السفينة الأم».
مفتوح وشفاف
من السهل اعتبار التقارب اللصيق، مع غياب الحواجز واختفاء المساحات الفردية الخاصة، كتعبير عن ثقافة رقمية ذي حدين. صحيح أن الإنترنت يولّد حرية جديدة، إلا أن الناس يُحرمون من أي حياة خاصة في العصر الرقمي. فكل الأمور مكشوفة، قابلة للتسويق، وشفافة.
تهتم مقرات شركات التقنية العالية اليوم بكل حاجات موظفيها، فهي تحرص على ألا يعيقها أي أمر عن مواصل الابتكار والإبداع حتى ساعات متأخرة من الليل وخلال نهايات الأسابيع. فتقدّم الشركات مجموعة واسعة من الخدمات، بما فيها دور الحضانة، مدارس تدريب الكلاب، أحواض سباحة، جدران تسلّق، مطاعم بيتزا، ودور سينما في الهواء الطلق. كذلك تحافظ عيادة متنقلة لطب الأسنان على صحة أسنان الموظفين، في حين أن فريق تبديل الزيت في مواقف سياراتهم يصون سلامة محركاتها. أما مَن يحتاج إلى استراحة، فيستطيع الاستلقاء في {زاوية القيلولة}.
تقدّم المقرات الجديدة هذه الخدمات كافة، إلا أن التفاصيل كلها أكثر إتقانًا، أكبر، وأكثر تعقيدًا: كثير من المطاعم، المنتزهات، السوبرماركات، وصالات الرياضة الحديثة. وبإمكان الموظف أن يحضر ساعة يشاء والعمل متى يحلو له. كذلك تؤمن هذه الشركات الطعام والهواتف الذكية ورعاية الأولاد مجانًا. ولكن على الموظف أن يبذل قصارى جهده كي تنجح شركته في القضاء على منافسيها وتحقيق المكاسب كافة.
لا شك في أن منشآت غوغل، آبل، وفيسبوك التي تشمل كل ما يخطر ببالك وخطط التوسع التي تنوي تنفيذها تعكس روح وادي السليكون، روحًا تقوم على تناقض محير: تجمع بين الهيمنة المنضبطة على الأسواق وحرية الفنان الهيبي المبدع.
في تسعينيات القرن الماضي، صاغ ريتشارد باربوك وآندي كاميرون، واضعا نظريات في مجال الإعلام، مصطلح {عقيدة كاليفورنيا} لوصف هذه الظاهرة. فقد كتبا: {نشأ هذا المعتقد الجديد من اندماج غريب بين بوهيمية سان فرانسيسكو الثقافية مع صناعات التقنية العالية في وادي السليكون}. فأدى ذلك إلى مزيج عقائدي غريب بين معتقدات اليمين واليسار الفردية والرأسمالية، التي تمتد من الليبرالية إلى مناهضة مركزية الدولية.
أضيف إلى المزيج القليل من التصميم التقني الذي نادى به مؤسسو الشركات الشبان وأثرياء الإنترنت على حد سواء: في عالمنا الخيالي، يستطيع أي أحد أن يصبح ثريًّا ومحبوبًا، وسيصبح العالم مكانًا أفضل، إذا سمحتم لنا بتحقيق ما نسعى إليه.