المقالات
مستقبل الصحيفة الورقية
لم يعد حصاد «اليوم» وحدة الصحيفة الزمنية، فالصحيفة اليومية الورقية ليس في مقدورها منافسة سرعة المواقع الإلكترونية والراديوات والتلفزيونات
روبير ماغيوري *
الجمعة,3 يناير 2014 - 01:41 م
مشاهدات: 147
لم يعد حصاد «اليوم» وحدة الصحيفة الزمنية، فالصحيفة اليومية الورقية ليس في مقدورها منافسة سرعة المواقع الإلكترونية والراديوات والتلفزيونات، وأخبار كبرى خوادم الإنترنت في نقل الأخبار. وحين تعرض في الأكشاك، تبدو الصحيفة وكأنها «شاخت» ومر عليها الوقت وصارت بائتة، فتخسر شيئاً فشيئاً القراء المشبعين بالأخبار والذين تنزل بهم الخيبة حين لا يجدون في الورق غير ما سبق أن تناهى اليهم. والعوامل وراء أزمة الصحافة الورقية ومشارفتها على لفظ أنفاسها الأخيرة، كثيرة ومركبة، ومنها مد الابتكارات التكنولوجية وتطور المجتمعات. ويقال إن عهد الصحف الورقية سيطوى مثلما طوي عهد القطار البخاري. ولكن مشهد دوائر العلانية سيتغير إذا فُقدت الصحف اليومية من الأكشاك، فالصحف هي علامة على التعددية وحرية التعبير وميدان تواجه الآراء ومعايير النقاش وسياسة التداول، والازمة -وفق أنطونيو غرامشي- هي حال مضطربة متنازعة بين «قديم» لم يمت بَعد و «جديد» لم يبصر النور. ووضع الصحف دقيق، وهي مدعوة إلى السعي لصوغ شكل جديد من الصحافة يقاوم القوى الاقتصادية والثقافية والاتصالاتية التي تحكم عليها بالإعدام. وبرزت بعض «الحلول» المبسطة، على غرار الاستغناء عن النسخة الورقية ونقل المحتوى كله إلى موقع الصحيفة الإلكتروني الذي لا ينقطع سيل الإقبال عليه وقد يكون مجزياً. ومن الحلول المبسطة كذلك الإبقاء على النسخة الورقية وتجريدها من الصفحات المخصصة «للأخبار الساخنة» التي بلغت مسامع الناس، ونقل هذه الصفحات الخبرية إلى الموقع الإلكتروني: وعلى الشبكة تكتمل الصحيفة، فتجمع الأخبار إلى التحقيقات والمقالات النقدية، بينما محتوى النسخة الورقية يُبتر وتبرز المقالات المعـمّقة والتعليقات والتحقيقات.
ولكن مثل هذه الحلول واهمة وفي غير محلها، وتقوض على الأمد الطويل الصحيفة اليومية التي تفقد صفتها اليومية مع حذف محتواها «الساخن»، وتصير أقرب إلى كتاب «بارد» المحتوى. والتذرع بأن الناس سيقرأون الجريدة الإلكترونية، إلى التفريط بالنسخة الورقية، يخالف التطور التكنولوجي الذي يحيل إلى المتحف ما كان قبل أشهر قليلة علامة الجدة والأحدث. وما لا شك فيه أن اللوح الإلكتروني سينضم إلى لائحة الأشياء القديمة، ويلقى مصير الأسطوانة أو جهاز «مينيتل».
ولكن الحل الناجع لا يقتضي إلغاء الأخبار «الساخنة» من النسخة الورقية أو الاستغناء عن هذه، بل صوغ تعريف جديد لمفهوم «الأخبار». ولا يخفى أن لا أحد اليوم في منأى من سيل الأخبار المتواصلة وكل شخص في وسعه بلوغ المعلومات، ولكن التمييز بين الاطلاع على خبر وفهمه واجب، والفرق شاسع بينهما، فالفهم هو صنو إدراك العوامل التي ينسج من اجتماعها الواقع، وشرح طرق شبك المعلومات ومكامن ضعفها وقوتها، وتحليل علاقات التشابه أو الاختلاف، ورصد العلاقات السببية بين العناصر واستباق النتائج على اختلاف أنواعها. وأوجه الشبه بين الشرح والجيولوجيا كبير، فهو يميط اللثام عن طبقات الحادثة وظروفها وسياقها، ولكن الاطلاع السطحي على الخبر هو جمع لمعلومات من كل حدب وصوب من غير رابط.
وليس في مقدور صحيفة كبيرة التخفف من دور الفهم، فهي تقدم نفسها على أنها تاريخ (تاريخها وتاريخ قرائها) ومكان (سطح وعمق)، وحيز ثقافي له نظامه وتراتبيته و «عوالمه» السياسية والعلمية والاجتماعية والبيئية والعلمية والكتبية والموسيقية والرياضية...، وحيز مطبعي يستند الى نموذج الصحيفة وتوزيعها المواد وسياستها وإبراز المقالة وإرفاقها بصورة وانتخاب العناوين وإبراز المعنى... وأدوات المعلومات والتواصل على الشبكة تغرق في اللحظة وتعلي شأن السرعة وغياب الوقت: التغريدات تقصر على 140 حرفاً، وهي رمز إمبراطورية السرعة. وإذا تخلت الصحافة المكتوبة عن «نفسها الطويل»، أي الأناة، وحاكت وتيرة الإنترنت ولهاثه، سارت إلى حتفها. والصحيفة المبتورة هي صحيفة معتلة تتحول قصاصات من أخبار وكالات الأنباء.
وليس دور الصحيفة نقل أصداء وسائل الاتصالات والتغريدات الفورية تعليقاً على «حادثة» أو زلة لسان رئيس أو حال بروستات مرشح إلى الانتخابات، ففي الصحيفة فريق عمل عالي التخصص في مجالات مختلفة يستبق وقوع الحادثة من طريق رصد المؤشرات إليها وترجيح مترتبات الحوادث سواء كانت اجتماعية أو انفعالية أو اقتصادية أو ثقافية أو سياسية... وأثرها البالغ الذي يؤذن بتغيير أو منعطف أو بقاء الأمور على حالها. والصحيفة هي جسم «ثقافي جمعي» غير متجانس أو متراص على نحو ما هي حال الأحزاب التي تدافع عن «خط» سياسي، بل جسم تجمعه قيم أخلاقية وسياسية وأخلاق مهنية واحدة و «رؤية (مشتركة) إلى العالم» تقر بالتعددية وإرادة جعل معنى الواقع المركب في متناول القارئ. وعلى خلاف متصفحي الإنترنت الذين ينتقلون من عنوان الى آخر، توجه الصحيفة القارئ وتجنبه تضييع الوقت وتحفزه على الاطلاع المعمق على موضوع مهمل. والقارئ إذ يشتري صحيفة يشهر اشتراكه معها بذاكرة جماعية وتاريخ مثير للجدل ولكنه مجبول من نسيج آراء مختلفة وقيم وخيارات سياسية.
* صحافي، عن «ليبراسيون» الفرنسية، 13/12/2013، إعداد منال نحاس