عاجل
المقالات

«ثورة التيقّظ»: نقل الأدمغة من تشتّت الشاشات إلى فوران الواقع

ثورة التيقّظ Mindfulness Revolution. إنها ليست كليشيه عن تغيير موعود لتحقيق أحلام مثالية. ربما العكس تماماً

«ثورة التيقّظ»: نقل الأدمغة من تشتّت الشاشات إلى فوران الواقع
اضغط للتكبير

ثورة التيقّظ Mindfulness Revolution. إنها ليست كليشيه عن تغيير موعود لتحقيق أحلام مثالية. ربما العكس تماماً. وفيما تجتاح العالم العربي «ثـــورات» تطــيح العــقل وترفض يقظة الوعي الإنساني، هناك ثورة اخرى أقل ضجيجاً، بل إنها صامتة في أغلب الأحيان، تجتاح... أميركا، تحمل إسم «ثورة التيقّظ»!

لم تنطلق تلك الثورة مع أي ربيع كان، بل أنها سَرَت ببطء وتؤدة منذ سنوات في الولايات المتحدة. ومع دخولها عصر المعلوماتية والاتصالات المتطوّرة، صارت تلك الثورة الصامتة أكثر إلحاحاً.

هناك مفارقة كبرى في أن يكون العصر الرقمي حافزاً على الاهتمام بـ «ثورة» تجد جذورها في ممارسات جسدية وعقلية ترجع إلى عصر برديات القصب الآسيوية، بل تعود إلى عصور المشافهة ونقل المعرفة من أستاذ إلى تلميذ عبر كلمات وتمرّس وتواصل مباشر.

إذاً، تسير «ثورة التيقّظ» بقوة في أميركا، بل يبدو أنها تستجيب إلى تطلّع واسع إلى حدّ أن أحد الكتب الحديثة التي تشرح تلك الثورة يحمل عنواناً يوحي بآفاق واسعة: «نحو أمة متيقّظة» Towards A mindful Nation. يزيد في إثارة العنوان أن مؤلّف الكتاب هو تيم رايان، العضوالناشط في الكونغرس.

في عام 1979 عقب تخرّجه عالِماً من «معهد ماساشوستس للتقنيّة»، ابتدأ البروفسور الأميركي جون كابات زِينن تطوير تقنية «خفض التوتر بالاستناد إلى التيقّظ» Mindfulness Based Stress Reduction، واختصاراً «إم بي إس آر» MBSR. جاء زِينن إلى ذلك المعهد الذائع الصيت، بنصيحة من والده الذي كان أستاذاً أكاديمياً متخصّصاً في بحوث جهاز المناعة. ودرس الابن زِينن علوم الجينات والخلايا، ثم انجذب إلى فلسفة الـ «زِن» Zen الشرقية المعروفة.

وبعد أن انغمس في دراسة الفلسفة أكاديميّاً، لاحظ زِينن أن تلك الفلسفة المشهورة تفتقد إلى الأساس العلمي. وفي المقابل، أدرك أن ممارساتها في التأمّل لا تعدم صلة بالبحوث العلمية عن الدماغ.

وبذا، ولِدَت لدى زِينن فكرة للجمع بين تيارين كبيرين ومنفصلين، بل متعارضين ومتعاكسين. لماذا لا يمكن الاستفادة من تقنية التأمّل، بمعنى تطويرها وتطويعها، من جهة، وإيجاد جسر ما يربطها مع الطب الحديث؟

ومنذ البداية، أسقط زِينن كليّاً كامل التراث الروحي المرتبط بالتأمّل، باعتبار أنه لا يوجد علميّاً ما يسند ذلك التراث وادّعاءاته الفضفاضة.

وفي المقابل، انكبّ زِينن بدأب على ربط ممارسة التأمّل مع التطوّر المستمر في فهم العلاقة بين الجهاز العصبي للإنسان من جهة (خصوصاً الدماغ)، والعمليات الذهنية الأساسيّة كالتركيز والاستيعاب والتقاط التفاصيل وغيرها.

وعبر طريقة تذكر بأعمال فيلسوف قرطبة إبن رشد في كتاب «فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من اتصال»، توصّل زِينن في عام 1990، إلى صوغ أسس تقنيّة «إم بي إس آر». المفارقة أنه نشر في تلك السنة التفاصيل والأسس عن تقنيّة «إم بي إس آر» الجسدية - الذهنيّة في كتاب يحمل عنوانه مذاقاً مرّاً «في أن العيش كارثة كاملة» Full Catastrophe Living. ويشتهر الكتاب بأنه المرجع الموثوق عن «إم بي إس آر»!

طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك