المقالات
«الجهادي» الغربي يافع غير متديّن و«ضائع» يُجند على الإنترنت
أجريتُ مقابلات مع ذوي شباب ذهبوا للقتال في سورية، إثر قصد 120 عائلة فرنسية مركزاً لـمكافحة «الانحراف العقائدي» المرتبط بالإسلام (CPDSI)،
دنيا بوزار
Wednesday, September 24, 2014 - 01:40 PM
Views: 200
أجريتُ مقابلات مع ذوي شباب ذهبوا للقتال في سورية، إثر قصد 120 عائلة فرنسية مركزاً لـمكافحة «الانحراف العقائدي» المرتبط بالإسلام (CPDSI)، وهو مركز يرمي إلى مساعدة اسر المراهقين الذين يستهويهم «الجهاد» أو ذهبوا للقتال في سورية. واستخرجتُ من المقابلات هذه سمات نموذج «المجاهدين» الفرنسيين. و70 في المئة من الأسر هذه تميل إلى الإلحاد، و80 في المئة منها لا تربطها جذور مباشرة بالهجرة. ويبدو أن المرشحين إلى الجهاد هم أكثر الشابات وأولاد الأساتذة والموظفين والمحامين مما هم من الشباب المتحدر من الأحياء الشعبية، ولو كانت ظاهرة الانزلاق إلى التطرف منتشرة كذلك في تلك الأحياء. لكن الأسر المتواضعة تنظر بعين الحذر إلى المؤسسات والحكومة الفرنسية، ولا تتصل بمثل ذاك المركز. لذا، يصعب تحديد حجم انتشار الظاهرة في الأحياء الشعبية.
وتعود مراقبة الاستخبارات الفرنسية حركة التجنيد الجهادي على الإنترنت إلى سنوات خلت. وخلصت إلى أن ثمة استراتيجيتين للتجنيد وخطابين متباينين لاستمالة الشباب الفرنسي. الأولى هي استراتيجية «الدولة الإسلامية» التي تتوجه إلى شباب يفتقر إلى مراجع اجتماعية تسند قراراته ويشعر بالضياع. ويسمي «مركز مكافحة الانحراف العقائدي...» النهج هذا بـ»كول أوف ديوتي» (نداء الواجب)، وهو اسم لعبة فيديو يطلق فيها اللاعب النار على كل ما يتحرك. ولا يخفى أن «الدولة الإسلامية» تتوجه إلى شباب يسعون إلى الشعور بالكرامة والاعتداد بالنفس ممن اضطربت صورة الوالد لديه وشابتها شوائب نتيجة البطالة أو الخوف من الإسلام أو الهجر أو إدمان الكحول. وهذه كانت حال محمد مراح ومهدي نموش. وغالباً ما يكون مجندو «الدولة الإسلامية» من الذين سعوا إلى الالتحاق بالجيش الفرنسي أو قوات الشرطة أو الذين سبق لهم الالتحاق بهما. وهوية الشباب هؤلاء الذكورية مضطربة وقلقة، وهم يبحثون عن مكان لهم في المجتمع يقرهم على صفة الرجل القوي.
ويقصد بعضهم مخيمات التدرب على الجهاد في وزيرستان أو غيرها من المناطق. والخطاب الجهادي يمنحهم مكانة في المجتمع ودوراً ومهمة، ويحوّل شعورهم بالدونية إلى شعور بفائض القوة. وشاغلهم ليس النزول على تعاليم الله بل أن يكونوا هم الفيصل.
والاستراتيجية الثانية هي استراتيجية «جبهة النصرة». وخطابها يهدف شأن خطاب «الدولة الإسلامية» إلى إخراج المرشحين إلى الجهاد من دائرة المواطنية والمدنية. لكن خطاب رئيس «جبهة النصرة» الفرنسية اللسان، عمر ديابي، وهو من قدامى زعار نيس، يمزج بين شعائر المذاهب ونظرية المؤامرة والتلاعب بمفهوم الإنسانية، من جهة، وبين توسل المراجع الإسلامية إلى خدمة غايات «النصرة»، من جهة أخرى. وهو يتوجه إلى الفرنسيين بلغتهم وأفكارهم ويتسلل إلى منابر مناقشاتهم. ومجموعة «النصرة» هذه هي التي تستميل الشابات إليها. والجهاديون يسوقون خطاباً يجمع نقيضين. فهو خلاصة قصة لانسلو (الفارس المقاتل) والأم تيريزا (فاعلة الخير). ويندد خطاب «النصرة» بجرائم بشار الأسد، ويتناول مجازر ميليشيا «ضد بالاكا» في أفريقيا الوسطى والطغمة العسكرية البورمية ضد الروهينغا في بورما (ميانمار). فيستميل يافعين مرهفي الإحساس يتابعون دراسة في التمريض أو الطب أو المساعدة الاجتماعية، إلى إنقاذ الأطفال السوريين الذين خذلهم المجتمع الدولي. والشابات الصغيرات لا يدركن واقع الأمور إلا بعد الوصول إلى أرض الجهاد. فـ»جبهة النصرة» تصفي كل من لا يبايعها، ولو كان مسلماً سورياً ممن تزعم النضال من أجل حمايتهم. ويتبدد تأييد بعض الشابات- اللواتي ذهبن إلى سورية- «النصرة» جراء التباين بين ما وُعِدن به والواقع، ولكنهن يقعن في الأسر. ولم تستطع أي من الفتيات النجاة من حبال الأسر.
ويقال إن بضع «نقرات» على الإنترنت تكفي لحمل شاب على التطرف. ولكن الجسر إلى الانزلاق إلى التطرف هو، إذا جاز القول، عدد كبير من النقرات... فالاستمالة إلى العقيدة الجهادية طريقها المنابر الافتراضية في مرحلة أولى، واللقاءات الفعلية في مرحلة ثانية. وتحتاج شبكة الجهاديين أن تقنع الشاب بقضيتها وأن يشاركها مشاعر الانتماء إلى جماعتها، وأن تشتد أواصر اللحمة معه فيذوب فيها ويغلّب هويتها على هويته. ويتصدر أولويات الجهاديين إقناع الشباب بأن ثمة مؤامرة تستهدف الأكثر ضعفاً، وجرهم إلى رؤية العالم على أنه دوامة من المؤامرات. فيكلمون الشباب عن مبيدات الحشرات والماركات الأميركية التي تسيطر على العالم وتهيمن، الخ... وخطابهم يأتلف من توليفات تخلط الحقيقة بالباطل، أي الحقائق بالأكاذيب. فيقع الشبان في حبال شبكة المتطرفين على الإنترنت، في وقت لا تشغل أياً منهم أسئلة روحية. فينبذ الشاب حال العالم، ويقتنع بأن المواجهة الشاملة و»النهائية» هي التي ستغير هذه الحال وتقوّمها. فيلتحم بالجماعة ويشعر بالإثارة والذوبان والتناغم معها، وبعدها تعقد لقاءات منتظمة بين الجهادي المبتدئ والجهادي الخبير قبل الرحيل إلى ساحة القتال. وتناهت إليّ قصص شباب أقلهم جهاديون في سيارة «فولفو» إثر فراغهم من دوام المدرسة.
وراء الفشل في رصد هؤلاء الجهاديين المبتدئين قبل مغادرتهم فرنسا إلى سورية، غياب علامات التديّن عنهم. فهم غير مطلعين على القرآن ولسانهم غير عربي. ومعظم المرشحين إلى الجهاد هم من المتحوّلين إلى الإسلام ومعتــنقيه الجدد. ووتيرة ظاهرة الانزلاق إلى التطرف بالغة السرعة... وغالباً ما يتدهور مــــستوى متابعة الدراسة في أوساط الجهاديين الجدد، فبين ليلة وضحاها يتدنى معدل علاماتهم من 15 إلى 2. فالمدرسة تفقد مكانتها ومشروعيتها. وقبل المرحلة الأخيرة، أي الذهاب إلى الجهاد، تقع القطيعة مع العائلة. وبعض المراهقين يتستر على ميوله الإسلامية المتطرفة الجديدة، فتعصى على الأهل ملاحظة التغيير. ونزولاً على تعاليم مجنديه يحرص الشباب على التستر على ميوله وتضليل الأهل والأصدقاء.
* دارسة انتروبولوجيا، مديرة مركز «CPDSI»، عن «ليبراسيون» الفرنسية، 14/9/2014، إعداد منال نحاس