الأخبار
الأفراد بوصفهم أهدافاً لتجسّس إلكتروني لـ «وكالة الأمن القومي»
تخيّل أنّك رأيت شرطيّاً في حيّك يعمد يوميّاً إلى توقيف 10 أشخاص عاديين تماماً، لمجرد التدقيق في مركباتهم أو حقيبة ظهورهم.
الحياة
Tuesday, October 28, 2014 - 09:56 AM
Views: 79
تخيّل أنّك رأيت شرطيّاً في حيّك يعمد يوميّاً إلى توقيف 10 أشخاص عاديين تماماً، لمجرد التدقيق في مركباتهم أو حقيبة ظهورهم. وتخيّل الآن أن 9 من هؤلاء الأشخاص لا يتهمون بتاتاً بأي جريمة إطلاقاً، إنما شاءت المصادفة أن يكونوا في المكان الخطأ في الوقت الخطأ. في تلك الحال، حتى أكثر الأشخاص امتثالاً للقانون سيعترضون في النهاية على هذه المعاملة. وفي أميركا، حصل ذلك النوع من الاعتراض.
والآن، بدّل عنصر الشرطة المذكور أعلاه بـ...»وكالة الأمن القومي»! إذ ينطبق السيناريو السابق الذكر على ما تفعله «وكالة الأمن القومي» بوسائل الاتصالات في أنواعها كافة. ولم يعد الأمر يتعلق بالتجسّس على دول ومنظّمات خارج أميركا، بل تعدّتها إلى فرض رقابة على الأفراد في الولايات المتحدّة، تحت غطاء الطُرُق الملتويّة التي تبرع تلك الوكالة في استخدامها لتفسير بعض القوانين الأميركيّة.
وفي وقت سابق من العام الجاري، أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» أن 9 من أصل 10 حسابات مخبّأة في أجهزة ضخمة للذاكرة الإلكترونيّة، تضمّ مكالمات بين أميركيّين تجسّست عليهم «وكالة الأمن القومي» على رغم أنهم لم يكونوا مقصودين بالمراقبة! وسلّم الخبير المعلوماتي المتمرّد إدوارد سنودن نماذج عن مكالمات كاملة من ذلك النوع إلى الصحافة الأميركية، تحديداً صحيفة «واشنطن بوست».
يضاف إلى ذلك أن قرابة نصف الملفات المُراقَبَة من قِبَل الوكالة، وهي نسبة عالية إلى درجة مخيفة، احتوت أسماء وعناوين بريد إلكتروني وتفاصيل أخرى، تعترف «وكالة الأمن القومي» أنها تخصّ مواطنين أميركيين أو أشخاصاً مقيمين بصورة شرعيّة في الولايات المتحدة، وفق «واشنطن بوست» نفسها.
ولا تضم تلك الوثائق التي تشمل آلاف الصفحات، محتوىً يمكن وصفه بأنه «خام»، بمعنى أنه حُفِظَ في صورته الأصلية من دون تدخّل من خبراء الوكالة. إذ بيّنت الصحيفة نفسها أن ما ورد في تلك الصفحات يبيّن أن المكالمات كلها خضعت لتقويم مِنْ قِبَل مُحلّلي «وكالة الأمن القومي»، مع الإشارة إلى أنه استُخرِج أصلاً من مركز الوثائق التابع لها. ولَخّصَه خبراء «وكالة الأمن القومي» بعد أن تولت حواسيبها غربلة هويات أصحابه، وفق ما صرّح به لاحقاً أحد من شاركوا في إعداد الملف الذي نشرته «واشنطن بوست».
معركة التصدي للظلم
ما الخلاصة المستقاة من تلك التجربة؟ إذا كنت تتصفح الإنترنت، فأنت تتجوّل عمليّاً في «أحياء» تشرف عليها «وكالة الأمن القومي»، سواء كنت داخل الولايات المتحدة أم لا؟
وتماماً كالذين يعترضون على قوانين ظالمة تسري في بلدانهم، كالتوقيف والتفتيش على أساس الاشتباه، يجدر بالناس أن يعترضوا على ذلك النوع من ممارسات «وكالة الأمن القومي».
تكتسي الحقائق التي تعاونت «واشنطن بوست» وسنودن في إبرازها، أهميتها في أنها تثبت النقطة التي حاول مناصرو الخصوصية والحريات المدنية إبرازها على مدى سنوات طويلة.
وتتلخّص تلك النقطة في أن مراقبة «وكالة الأمن القومي» ليست محدودة الأهداف. وهناك معركة مفتوحة منذ العام 2006 تخوضها مؤسّسة مدنيّة اسمها «منظمة الجبهة الإلكترونية»، ضد برنامج المراقبة الجماعية المنفلتة للوكالة.
وتظهر إحصاءات «واشنطن بوست» بخصوص 160 ألف محادثة وردت في ملفات سنودن، إلى أن حتى ما تسميه الوكالة «المراقبة الموجّهَة» لا يجري على نطاق ضيق بتاتاً. وفي الواقع، تبدو تلك المراقبة ضخمة إلى درجة أنه ينبغي إثارة علامات استفهام حول ضرورتها وفعاليتها أيضاً.
في سياق تلك المعركة، ظهر مقال على موقع «ذي إنترسيبت» الأميركي، يسلط الضوء على استهداف 5 قادة سياسيين ومناصرين للحقوق المدنية من مسلمي الولايات المتحدة، وهو أمر لم يمر من دون مرارات متنوّعة.
لذا، ربما يساهم إقدام الكونغرس فعليّاً على إصلاح «وكالة الأمن القومي» في إقفال «الباب الخلفي» الذي يتيح للوكالة النفاذ إلى وسائل اتصالات الأميركيين، ضمن جملة أمور أخرى.
وفي المقابل، الأرجح لا يمثّل ذلك الأمر حلاً لمشكلة تأثير مراقبة «وكالة الأمن القومي» في غير الأميركيين. ومن ضمن المعلومات الصاعقة التي كشفتها «واشنطن بوست» وسنودن، وصف الصحيفة وسائل الاتصالات التي يجري تعقّبها. إذ يرد في أحد المقاطع الوصف التالي: «هناك مجموعات من الصور لرضع وأطفال في أحواض الاستحمام وعلى الأرجوحات، وبعضهم ممدّ على الأرض. وفي صور أخرى، يتباهى رجال بإظهار أجسادهم، في حين تستعرض نساء ملابس داخلية، فيما هنّ متكئات أمام كاميرا الـ «ويب» بطريقة فيها من الإيحاء ما فيها، على غرار صور لمن يرتدين شورتات والقطعة العليا من مايوه الـ «بيكيني» الشهير»!
كخلاصة، ما عاد الأمر يتعلّق بأرقام وإحصاءات، بل تجسّس على الحياة اليوميّة لأناس عاديين.
ولا يغيب عن البال أيضاً أن الإنترنت يمثّل عالماً حيّاً ومعولماً، ما يفرض ضرورة الإحساس بالأمان فيه. في المقابل، يبدو أن ذلك الإحساس لا يقع ضمن اهتمام «وكالة الأمن القومي»، بل إنها لا تأبه به كليّاً.