المقالات
المناخ وأحواله
قبل أن أنصرف إلى معالجة مسألة المناخ وأكتب كتاباً في «الأزمة الشاملة، الحرب، التغير المناخي والكارثة في القرن السابع عشر» (ييل يونيفرستي برس، 2013)،
جيفري باركر
الخميس,8 يناير 2015 - 01:24 م
مشاهدات: 193
قبل أن أنصرف إلى معالجة مسألة المناخ وأكتب كتاباً في «الأزمة الشاملة، الحرب، التغير المناخي والكارثة في القرن السابع عشر» (ييل يونيفرستي برس، 2013)، اقتصرت بحوثي على إسبانيا فيليب الثاني. ويعود تحول اهتمامي إلى محاورة إذاعية، في 1976، مع الفيزيائي الشمسي جاك إيدي الذي كان نشر لتوه مقالة في «سيانس»، المجلة العلمية الذائعة الصيت في الولايات المتحدة. ولاحظ جاك إيدي أن الوشوم على صفحة الشمس التي نبه إليها غاليلي وبعده اليسوعي الألماني كريستوف شتاينر تبددت تقريباً بين 1643 و1715، وهي سنوات عهد لويس الرابع عشر (الملك – الشمس). ففي ثلاثة أرباع القرن، وهي «العصر الجليدي الصغير»، تقلصت الوشوم الشمسية الى أقل من مقدارها في سنة واحدة من أيامنا أو عصرنا! ولكن إيدي لم يوجب أي رابطة بين الظاهرة الشمسية وبين الحوادث السياسية المعاصرة.
وهذه الرابطة هي ما سعيتُ في إثباته، وكتابي «الازمة الشاملة» هو ثمرة هذا السعي. وهكذا تراءى لي «العصر الجليدي الصغير»، وتوسلت إلى إثباته وتحقيقه بأعمال مؤرخين سبقوني الى الاعتناء بهذا الزمن، والى زملاء في روسيا والصين وتركيا والهند ساهموا في توسع دائرة تأريخي الى الشرق والجنوب. وعبارة «العصر الجليدي الصغير» تعود الى ثلاثينات القرن الماضي، وأول من اقترحها هو عالم جليديات من أصل هولندي، فرنسوا إميل ماتيس، ولكنه شمل بها آلاف السنوات. واستعارها المؤرخون وضيقوا المدة المقصودة بها الى القرون الخمسة تقريباً بين أواخر العصر الوسيط ومنتصف القرن التاسع عشر (م). ورائد هذا التأريخ هو الفرنسي إيمانويل لوروا لادوري، صاحب المرجع الاول في المسألة: «تاريخ المناخ منذ عام الالف» (م) في 1967.
فمنذ نهاية الحقبة الجليدية الأخيرة، قبل 10 آلاف سنة تقريباً، دبت الحماوة في الكوكب، من غير أن تحول (الحماوة) دون حصول تقلبات مناخية. وعلى مدى تاريخي عريض، يلاحظ تحول من ذروة بلغتها الحماوة بين القرنين العاشر والثالث عشر («الذروة الوسيطة الصغرى») الى «العصر الجليدي الصغير» بين القرن الرابع عشر وبين منتصف القرن التاسع عشر، وتخللت التحول مدد شديدة التفاوت. وكانت آثار «العصر الجليدي الصغير» أشد وطأة، وسبباً في كوارث طبيعية ومناخية فادحة وغريبة، بين 1618 و1620، وفي 1709، أي من حرب الثلاثين عاماً الى اواخر عهد لويس الرابع عشر (وشتاء 1709 الفظيع أبرز معالمه). ويطلق على هذه الاعوام «العصر الجليدي الصغير المتطرف». ففي 1620، على سبيل المثل، تجلدت مياه مضيق البوسفور، فعبر الناس مشياً على الأقدام من آسيا الى أوروبا: وكان هيرودوتس شهد نظير هذا الجليد، وهو تكرر في 1954، ولكنه استثنائي في ميزان ذاكرة البشر. وفي 1658، دب الجليد في بحر البلطيق الشمالي، فاجتازت القوات البرية السويدية، وقطع مدفعيتها، ذراع البحر الذي يفصلها عن كوبنهاغن.
وما أدركه المعاصرون وانتبهوا إليه هو تواتر الحوادث المناخية المتطرفة. ومظهرها، في القرن السابع عشر، هو مدد البرد القارس الذي نزل درجتين مئويتين عن المتوسط المعهود. وهذا فرق حاد ومحسوس حين يتطاول عقوداً. والمظهر الثاني هو إمطار متصل يدوم شهرين الى 3 اشهر من غير انقطاع، أو هو جفاف يدوم المدة ذاتها. ومعاصرو ذلك الوقت لم يسعهم إلا مقارنة ما يشهدونه بما حفظته ذاكرتهم القريبة. وهم انتبهوا أن شتاء 1709 لا عهد لهم بمثله، وتنتج منه مصاعب ثقيلة. واليوم نعرف أن شهر كانون الثاني (يناير) من ذلك العام كان الاشد برداً في القرون الخمسة الاخيرة. وفي ليلة 5 كانون الثاني الى 6 منه 1709، هبطت الحرارة في باريس من 9 درجات مئوية الى -9 درجات، وبقيت أقل من الصفر 3 أسابيع. وفي بلدة سانت، القريبة من المحيط الاطلسي، تراكم الثلج الى ان بلغت سماكته 60 سنتمتراً، ونزلت الحرارة الى 11 درجة تحت الصفر على ساحل المتوسط. وارتفعت حرارة الطقس في شباط (فبراير)، ثم عادت فهبطت حين اوشكت حبات القمح على البرعمة. ودب القلق في نفوس الفلاحين بينما كان أثرياء البندقية يتزلجون على لسان شبه الجزيرة المتجلد. وبلغ سعر الغلال في تلك السنة أغلى سعر بلغه في عهد النظام القديم.
والحق أنه استحال على المعاصرين قياس قسوة المناخ الذي عانوا مفاعليه قياساً دقيقاً. فميزان تورِّيتشيلي، كان استعماله، في أربعينات القرن السابع عشر، نادراً، على رغم إنشاء دوق توسكانة الكبير، وهو تلميذ لغاليلي، في منتصف القرن السابع، مراصد مناخية على أراضي الدوقية. وعارضت الكنيسة هذا الاجراء منكرة على علم البشر التسلط على خليقة الخالق. ولم يعم استعمال الميزان الحراري إلا في القرن التالي. (...). ويتوسل المؤرخون الى احصاءاتهم المناخية بصنفين من الوثائق: المحفوظات والمدونات المباشرة، والمحفوظات غير المباشرة (مثل أوقات الحصاد والقطاف)، الى صنف ثالث هو المحفوظات الطبيعية.
وعلى المؤرخ الجمع بين هذه الاصناف. فنحن نعرف أن البوسفور تجمد من الشهود المعاصرين، ولكن الحادثة لم تخلف أثراً مادياً فيزيائياً. وفي مدينة بازل (السويسرية) حفظ الجسر على أحد أعمدته علامة خطتها يد إنسان على مستوى الماء الذي بلغه نهر الراين الفائض. ونخلص من هذا إلى أن فيضان 1641 هو الاعظم. ودعت العلامة الى البحث عن محفوظات المدينة. وتظهر رسوم وأوشام متفرقة في المكسيك الجديد أن جفافاً حاداً أصاب الولاية، وحمل هنودَ قوم البوبيلو على التمرد وترك قراهم. وجليد غرينديلفالد، بسويسرا، مرآة ممتازة لأطوار المناخ في منطقة بِرْن. فبعض التصاوير العائدة الى منتصف القرن السابع عشر تشهد على قرب جماعات بشرية من الكتل الجليدية الممتدة التي تهدد منازل هذه الجماعات. وانتهى الامر باضطرار هذه الجماعات الى النزوح عن منازلها. وفي مقدورنا اليوم، قياس انحسار المنطقة الجليدية، وهي تقلصت ما مقدراه 2 كلم. وظواهر التقلص الجليدي تلاحظ في إيسلندا واسكندينافيا وأميركا الجنوبية على حد سواء.
وحين كان إيمانويل لوروا لادوري يعد أطروحته في فلاحي محافظة لانغدوك، استعان ببحوث مارسيل غارنييه، الباحث في المناخيات. وجمع غارنييه جملة احصاءات تناولت مطالع القطاف في بعض كروم العنب. وفي ضوئها رسم المؤرخ بيانات، واستخرج قرائن عن تفاوت أحوال المناخ. ورجع كذلك الى تقدير باحثين اميركيين التواريخ والاوقات في ضوء حلقات الاشجار. وتدرج في باب الارشيف الطبيعي ملاحظة النوازل الكلسية التي تقدر بواسطتها غزارة الامطار في الكهوف والسراديب.
ومنذ خمسين عاماً استجدت ثورة علمية: الرقمنة. وحدس لوروا لادوري، مرة أخرى، أواخر عقد الخمسينات من القرن الماضي، في قيام الحاسوب بما لا طاقة لانسان واحد القيام به، أي تأويل جُمل الاحصاءات المناخية الكثيرة والمتفرقة. ويبدو هذا الحدس مدهشاً قياساً على حال الحواسيب في ذلك الوقت، فهي كانت آلات ضخمة، ويصعب التكهن بيسر تناولها على الباحث العادي. وتتيح الرقمنة اليوم المقارنة بين ملايين المعطيات، من المحفوظات البشرية والمحفوظات الطبيعية، وتيسر معالجة شاملة لتاريخ المناخ. ومن المحفوظات الثمينة والنادرة 20 ألف صفحة مرقمنة ومحفوظة في ترينيتي كولدج بدَبْلن (الارلندية) هي تدوين لـ3 آلاف شهادة أدلى بها أصحابها غداة اضطرابات تشرين الاول (أكتوبر) 1641 بإرلندا.
وخلصت المعالجة الرقمية الى ان 600 من هذه الشهادات مصدرها نساء من كل الطبقات والاحوال الاجتماعية. وبعض المواضع من آلاف الصفحات التي تروي ثورات الكاثوليك الارلنديين، تستوقف إشارتها الى وفيات كان الثلج والبرد والجليد السبب فيها. والاضطرابات حصلت في تشرين الاول، وفي هذا الشهر بإرلندا ليس الثلج معهوداً. وبلغت الوفيات فيه جراء البرد ضعفي الوفيات جراء العنف السياسي وبسببه. وفي متناول الباحثين آلاف المجموعات الاحصائية العائدة الى حلقات الاشجار طوال مئات الاعوام، ودونتها على الشبكة العنكبوتية الوكالة الوطنية الاميركية لشؤون المحيطات والمناخ (NOAA) ووحدة جامعة بِرْن للبحوث المناخية الاوروبية (Eurodim).
(...) والرد على الازمات المناخية الكبيرة، ليس واحداً في المجتمعات المتفرقة. ففي كتابه «تباين كبير»، ذهب كينيث بومبرانز الى ان أوروبا والصين بقيتا متساويتين الى أوائل القرن التاسع عشر، وذلك من ناحيتي مستوى المعيشة والاداء الاقتصادي والمعارف العلمية. ولم يتسع الفرق بينهما الا في 1820-1830، مع الثورة الصناعية على وجه الدقة. أما أنا فأرى ان المنعطف يعود الى أزمة القرن السابع عشر، أي الى العصر الجليدي الصغير. ويسوغ هذا التأريخ المتقدم اختلاف الردين، الاوروبي والصيني، على الازمة. وهذا معنى تأثير المناخ في التاريخ.
ففي أوروبا، أرى في الثورة العلمية التي أعقبت الازمة نوعاً من الرد عليها. وعلى سبيل المثل، عمد المزارعون والفلاحون الاوروبيون غداتها الى استعمال سماد النيترات في تخصيب الارض وضمان مردود عال. ولا يبعد أن تكون الجمعية الملكية (رويل سوسايتي) الانكليزية، وأكاديمية العلوم الفرنسية، هيئتين أنشئتا جواباً عاجلاً عن ظرف استثنائي خلف المصائب والكوارث. فنبهت الازمة أوروبا الى حاجتها الملحة الى استباق الضرر المترتب على تقلبات المناخ الحادة. وبعد حريق لندن، في 1666، إثر 9 اشهر من الجفاف المتصل، برزت ضرورة إنشاء تأمين من النار. وقام نيكولا باربون، وهو باحث في الفيزياء تحول مضارباً عقارياً، بإنشاء تأمين خاص (غير حكومي) بعد 14 عاماً على الواقعة.
وليس لهذه الاجراءات نظير خارج أوروبا، في اليابان مثلاً. ففي طوكيو اندلع حريق عظيم في 1658، لم يعقبه اي اجراء استباقي، على رغم هول الكارثة. وقبل 30 عاماً اظهرت اعمال سبر واستطلاع جوفية، غير بعيد من القصر الامبراطوري بطوكيو، فرقاً ضخماً بين طبقات الرماد المتخلفة عن اعمال القصف في الحرب العالمية الثانية وعن حريق 1658: بلغت طبقة الرماد المتخلفة عن القصف 5 سنتم. أما تلك المتخلفة عن الحريق فبلغت 20 سنتم. ولا شك في ان احوال المناخ ليست أَلِف التعليل ولا ياءه، ولكنها لم تعد الحاشية الثانوية والملحقة بالعلل الكبيرة. ومن دواعي الاسف أن «الجييك» (مجموعة الخبراء الحكوميين في تطور المناخ) لا يعد مؤرخاً واحداً في عداد مجلسه.
* مؤرخ بريطاني، أستاذ في أوهيو ستايت يونيفرسيتي، عن «ليستوار» الفرنسية، 12/2014/ إعداد: منال نحاس.