عاجل
إعلان
المقالات

الشبكات الاجتماعية بين الفوضى والتنظيم

بعد نحو عقدين من الفوضى أصبحت الشبكات الاجتماعية في مرمى سهام التنظيم، والتي على قدر ما كان لها تأثيرات إيجابية إلا أنها حملت كذلك تأثيرات سلبية عميقة على الفرد والمجتمع والدولة، واستفادت الشركات المشغلة لها من تلك الفوضى في جني الأرباح على حساب السلامة والأمن والخصوصية داخل البيئة الرقمية.

الشبكات الاجتماعية بين الفوضى والتنظيم
اضغط للتكبير
إعلان

وعلى الرغم من عدم وجود اتفاق على "المحتوى الضار" وفق اختلاف الثقافات والقيم بين العديد من الدول، إلا أن هناك اتجاهًا للتقدم بشأن حوكمة الشبكات الاجتماعية، والتي بلغ عدد مستخدميها 5.79 مليار شخص، وهو ما يعادل تقريبًا 69.9% من سكان العالم، وما يرتبط بذلك من تعاظم وتغلغل نفوذها وتأثيرها في العقول والقلوب خاصة بين الأجيال الجديدة.

واستحث ذلك جهودًا للتنظيم حتى من قبل مالكي المنصات الرقمية في محاولة لإعادة التموضع والحفاظ على السوق، وأُنشئت مجالس إدارة متخصصة، ووضعت معايير لتنظيم المحتوى، ومنع انتشار العنف والكراهية والأخبار الزائفة واحترام الخصوصية، وحماية حقوق الملكية الفكرية، وفرضت كذلك إجراءات عقابية فورية سواء بالمراجعة الآلية للمحتوى وتوظيف الذكاء الاصطناعي فيها، أو عن طريق حذف المحتوى أو حجب الحسابات أو تقييدها، أو عن طريق توفير قنوات للمستخدمين للإبلاغ عن المحتوى الذي يرونه مسيئًا.

ولكن أصبحت تلك السياسات غير كافية مع احتكارها لسوق الشبكات الاجتماعية، ومواجهة التزييف العميق في ظل الذكاء الاصطناعي، وتتطلب ذلك استجابة وطنية ودولية كان منها تبني أطر تشريعية حديثة، ناظمة للمحتوى أو للفاعلين في إنتاجه أو في سوقه أو في تجارته، أو حماية المجتمع من مخاطر الابتزاز أو الجريمة الإلكترونية وحماية الفئات الأضعف مثل الأطفال والمراهقين، وفي نفس الوقت تشجيع تبني قوانين تنظم حركة التجارة الإلكترونية والخدمات والأسواق الرقمية.

إعلان

ولم يخل ذلك من تحديات ما تطرحه الشبكات الاجتماعية من الطابع المزدوج بين كونها تعبر عن الملكية الخاصة -للشركات المالكة– وما بين قيامها بدور الخدمة العامة، والتعارض ما بين طبيعة التعامل معها كمجرد أدوات للتواصل بين المرسل والمستقبل -من ثم فإنها غير مسؤولة عما ينشر من خلالها-، وبين كونها ناشرًا للمحتوى ومن ثم تتحمل "الإدارة" المسؤولية عنه.

وتبرز في هذا السياق إشكالية تطبيق السيادة الرقمية للدولة، والتي تملك الإقليم والولاية القانونية على المواطنين، بينما تملك تلك الشركات المشغِّلة للبنية التحتية والبيانات والخوارزميات المستخدمة، وينتج المحتوى من داخل الدولة عبر المواطن -المستخدم- ولكنه لا يملكه فعليًا. ويُخزَّن ويُدار ويُحلَّل خارج حدودها، لصالح قانون دولة أخرى -مالكة المنصات– وهو ما يؤثر على المجتمع المحلي والأمن القومي.

ومن ثم تبنت الدول التشريعات المنظمة للشبكات الاجتماعية مع كافة أصحاب المصلحة في الداخل، والتعاون الإقليمي والدولي، والتي باتت تحظى بالاهتمام ليس فقط من قبل المنظمات المعنية بالتقنية والاتصال بل أيضًا بحفظ السلم والأمن الدوليين.

وعالميًا سنّت 172 دولة قانونًا لحماية البيانات أي نحو 89% من أعضاء الأمم المتحدة، بينما تملك 79% من الدول تشريعًا لمكافحة الجرائم الإلكترونية، مقابل 56% فقط لديها حماية قانونية فعلية للمستخدم عبر الإنترنت.

وتبنت حتى الآن 15 دولة تشريعات خاصة لتنظيم الشبكات الاجتماعية، كتحديد سن الاستخدام أو مساءلة الخوارزميات، وكان من أبرزها أستراليا ثم فرنسا والدنمارك.

وإلى جانب قيام الاتحاد الأوروبي بتبنّي قانونين لتنظيم الأسواق والخدمات الرقمية، واللذين يفرضان معايير صارمة وغرامات مالية على المنصات الكبيرة، شكّلت مجموعة أوروبية تحالفًا لحماية المراهقين من المنصات الرقمية. وهو ما يدفع الدول العربية للعمل ككتلة في نفس الاتجاه، والذي أصبح له انعكاسات أمنية واقتصادية.

وعلى الرغم من أهمية التنظيم إلا أنه يجب مواجهة التأثيرات الجانبية غير المقصودة له، مثل أن يدفع ليس إلى ضبط سلوك المستخدم بل إلى هجرته إلى منصات أصغر وأقل شهرة وأقل رقابة أو إلى الإنترنت المظلم، بما يجعل هناك مساحة غير مرئية تصبح أكثر خطرًا، لأنها خارج الرقابة والتوقع للسلوك، ومن جهة أخرى قد يؤدي التنظيم إلى تغوّل أكثر للشركات المشغِّلة، وخاصة أن العقوبات تتركز على الغرامات المالية وهو أمر يمكن تجاوزه مع أرباحها الطائلة، ويهدد بنقل عبء التنظيم فقط إلى الشركات الناشئة الصغيرة، ومن ثم الاحتفاظ باحتكار الكبرى للسوق.

وتبقى هناك أيضًا إمكانية أن يعطي الإطار التشريعي للدولة حق تعريف المحتوى الضار، وتوسيعه بما قد يخنق التوازن بين التنظيم وحرية الرأي، وبما يدفع إلى وجود ضمانات لمراجعة قضائية مصاحبة لتعزيز الفعالية، ويدفع ذلك إلى أن يكون التشريع المنظم يتصف بالتناسب بين الضرر والعقوبة، وأن تكون هناك قابلية للمراجعة أمام جهات مستقلة، والمرونة ما بين الأبعاد الفنية والمبادئ العامة للقانون بما يضمن له أن يصمد أمام تقنيات أخرى صاعدة.

وتبنت مصر جهودًا تشريعية مرتبطة بتنظيم المجال الرقمي بعد أن وصل عدد مستخدمي الإنترنت إلى 81.9% من السكان، والشبكات الاجتماعية نحو 51.6 مليون مستخدم، والتي يتصاعد تأثيرها على الأمن المجتمعي، ويدفع إلى تبني قانون مستقل لتنظيمها، وذلك ضمن أبعاد المواجهة الشاملة على المستوى الدولي والوطني، والتي منها تنمية القدرات التقنية، والوعي لدى المواطن بالمخاطر وبالقانون معًا، والتوازن بين الحرية والمسؤولية، وامتلاك الشباب للتفكير النقدي والمهارات الرقمية، وبما يحافظ على الموارد البشرية كمورد مهم للتنمية. ويعزز من السيادة الرقمية على البيانات والمعرفة والثروة في العصر الرقمي.

طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق
إعلان

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك