الأخبار
اهتزاز اليقين وتفتت الحقيقة في نسيج الـ «ويب»
في اختصار مخلًّ، من المستطاع القول إن صعود الكومبيوتر وتبلوّر العالم الافتراضي، ترافقا مع تغيير كبير (يضجّ بالتناقضات أيضاً)
الحياة
Wednesday, February 18, 2015 - 10:39 AM
Views: 183
في اختصار مخلًّ، من المستطاع القول إن صعود الكومبيوتر وتبلوّر العالم الافتراضي، ترافقا مع تغيير كبير (يضجّ بالتناقضات أيضاً) في أسس عقلانيّة الحداثة (وظهور ما بعد الحداثة) من دون المغامرة بالقول بالقطيعة معها. هل ذلك مكسب لمغامرة العقل الإنساني في الكون، أم أن شيئاً ما خرج عن النصوص من دون أن يتوصّل إلى تفكير مناسب مع العالم الجديد الذي صنعته التقنية، في الفضاء والبيولوجيا والعالم الافتراضي والنانوتكنولوجيا معاً؟
لاحظ المفكّر الألماني مارتن هايدغر أن المجتمعات الحديثة ترتاح إلى تصوّر يجعل التقنية من فعل الإنسان حصراً (وهو البُعد الإنثروبولوجي) وأنها تحقِّق غايات إنسانيّة. ولم يرتح هايدغر إلى ذلك التصوّر، الحداثي بامتياز، لأنه يقصر الحوار مع التقنية على مدى صلاحيتها واستعمالها بطريقة جيّدة، وذلك قول يتردّد كثيراً في أشياء كالاستنساخ كالقنبلة الذرية والترفيه المتطوّر، ووسائل الاتّصالات السريعة وغيره.
ولتقديم قراءة مغايرة، نظر هايدغر إلى التقنية باعتبارها انكشافاً، بمعنى السير بالشيء من الاختفاء والغياب إلى الظهور. ولاحظ هايدغر أن للانكشاف أمام التقنية حدّاً آخر هو الحقيقة. ورأى أن ما ينقذ الإنسان يكمن في الخروج من التفكير في التقنية باعتبارها أداة، وفي التحاور مع ماهيتها، للوصول إلى تأملٍ مختلف عنها أيضاً. وخلص إلى أن لا يقين في الطريقة التي يستطيع فيها الكائن الإنساني الوصول إلى وضع اليد على ماهية التقنية (وتالياً الحقيقة)، داعياً إلى الاستمرار في طرح الأسئلة لأن «التساؤل هو تقوى الفكر».
في كتابه المعروف «الكائن والزمان»، اقتبس هايدغر فكرة «عدم التيقّن» من الفيزياء الكموميّة Quantum Physics، التي تنسب إلى عالِم الفيزياء إرفينغ شرودنغر، وهي أبعد من النسبيّة التي تجذَّرت مع آلبرت إينشتاين.
فمع نسبيّة إينشتاين، اهتز العقل الرياضياتي المتكامل المرجعيّة والصارم المنهج الذي أرساه المفكر الفرنسي رينيه ديكارت (وصار أساس الحداثة)، تحت وقع تعدّد المرجعيات ونسبية حقيقتها المتضمّنة في النسبيّة. وكذلك ارتجّت عقلانية الحداثة تحت وطأة أن لا يقين للوعي الإنساني، هي التي دعمتها الكموميّة والرياضيات غير التقليدية ونظرية الفوضى، فصارت مرجعيتها متعدّدة إلى حدِّ التشظي، وقصيرة المدى، ومتحوّلة أيضاً.
وتظهر تلك الأشياء في مفهوم الافتراضي، وهو صنيعتها تقنياً، بالمعنى الهايدغري للتقنية. هناك استدراك واجب، يأتي من «نموذج الكومبيوتر» Computer Model. يُظهر النموذج سطوة المرجعية الرياضيّة، مع دقّتها وحتميتها، بمعنى أنها لا تقبل الخروج على دقتها المرهفة. في المقابل، تفيد النمذجة بأن كل ذكاء يستطيع أن يصنع نموذجه، وأنه يصعب القول مسبقاً بتفوق نموذج على آخر. بقول آخر، بقيت المرجعيات صارمة إلى حدٍّ أقصى، لكنها صارت منهكة ومتعدّدة ومتفكّكة إلى حدِّ التذرّر. وكذلك تراوغها الحقيقة بقدر ادّعائها القبض عليها. يبدو وضع الافتراضي ونموذجه، كأنه مزيج من هايدغر وبودريار، بطريقة لم تستنفد أفقها بعد، بل حتى لم تشرع في الظهور والتفتّح.