المقالات
الغرب و ظاهرة «الإرهاب أون لاين»
«جهاد هاي تِك». هو ربما «بروباغندا جهاديّة تكفيريّة افتراضيّة» أو مجرد استخدام ذكي من قبل متشدّدين، يصفهم البعض بالجهاديّين وبعض آخر بالإرهابييّن، لوسائل التواصل الاجتماعي في بسط أفكارهم ونشر سطوتهم وبث الرعب في قلوب من يفكر في مناهضتهم.
القاهرة – أمينة خيري
Sunday, March 22, 2015 - 07:59 AM
Views: 159
«جهاد هاي تِك». هو ربما «بروباغندا جهاديّة تكفيريّة افتراضيّة» أو مجرد استخدام ذكي من قبل متشدّدين، يصفهم البعض بالجهاديّين وبعض آخر بالإرهابييّن، لوسائل التواصل الاجتماعي في بسط أفكارهم ونشر سطوتهم وبث الرعب في قلوب من يفكر في مناهضتهم. ربما يكون أيضاً أداة لتجنيد مزيد من الجهاديّين والجهاديّات الذين يجدون في أفكارهم وغاياتهم ما يتطابق ومنهجهم أو ما يتناسب وأحلامهم أو ما يشفي غليلهم تجاه ثقافات مغايرة وشعوب مختلفة عنهم. كذلك ربما يكون طريقة مدروسة لإعطاء تلك المجموعة من الناس لنفسها حجماً افتراضيّاً يفوق واقعها الفعلي أضعافاً مضاعفة.
وبالاستعادة، يمكن القول إن تطوّر استخدام الجماعات الإسلاميّة المتشدّدة أو الإرهابيّة، الشبكة العنكبوتيّة ليس وليد اليوم أو الأمس. إذ ظهرت بوادره قبل ما لا يقل عن عقد كامل. وحينها، تنبّه الغرب الذي يدّعي حاضراً أنه متفاجئ بحجم التقدّم التقني وقدر المهارة التكنولوجيّة للإرهابيّين، إلى جعل الإنترنت أداةً طيّعة تعطيهم نفاذاً إلى أرجاء المعمورة.
إرهاب «أون لاين»
بات العالم الافتراضي جزءاً مما يمكن وصفه بـ «إرهاب أون لاين»، وهو ما نجحت جماعات إسلامويّة متطرّفة في جعله حكراً عليها. ولعل نموذجه يتمثّل في استخدامات «داعش» المثيرة لوسائل التواصل الاجتماعي العنكبوتيّة في بثّ نشاطاتها في مجال الذبح والحرق والترويع والتهشيم، كي يتابعها ملايين المذعورين في شرق الأرض وغربها. ويشكّل ذلك مرحلة في الإرهاب العنكبوتي المدروس والمخطّط والممنهج، بل ربما «المَرضي عنه»؟
ليس هيّناً حجم الرضا الناجم عن نشاط «داعش» وإخوته الذي تنقله الشبكة العنكبوتيّة نقلاً مخططاً مدروساً، بل ربما يكون جزءاً من خطة لـ «داعش» على الإنترنت، بمعنى الإمعان في نشر الفكرة وتقصّد نشر الفتنة. ولعل متابعة وقراءة التعليقات أو التدوينات أو التغريدات التي تحمل التعضيد والتأييد والمباركة والدعاء لجهاديي «داعش»، تسببان ذعراً لا يقل عن ذلك الذي تفجرّه فيديوات الذبح ومقاطع الحرق.
في ذلك الصدد، يقول المهندس سامي متولي (44 عاماً) إنه أغلق حسابه على «فايسبوك» ولم يعد يطّلع على «تويتر» لأن ما يقرأه من تعليقات لبعض مؤيّدي الجماعات الجهاديّة يسبّب له كثيراً من التوتر والقلق.
القلق «المعلن» من قِبَل الغرب حيال «داعش» وتنامي ظاهرة الإرهاب العنكبوتي واستخدام الإرهاب للإنترنت كوسيلة مساعدة، سبقته سنوات من القلق الأكاديمي والإعلامي، حيال تلك الظاهرة. ويضع الأمر علامات تعجب واستفهام تجاه دول الغرب التي تتمتع بأجهزة استخباراتيّة وأمنيّة متطوّرة.
وفي الذاكرة أيضاً أن «الإرهابي 007» الذي لم يطلق رصاصة واحدة ولم يخض عملاً عسكرياً على الأرض، قاد مسيرة الجهاد على شبكة الإنترنت. وبعد سقوط حكم «طالبان» في أفغانستان، نجح «الإرهابي 007» في إعادة تنظيم صفوف «القاعدة» وأعضائها في الفضاء الإلكتروني الذي وصفته مجلة «إيكونومِست» عام 2007 بأنه أراضٍ لا يسيطَر عليها.
وفي ذلك الفضاء، أنشأ الجهاديّون مدارس افتراضيّة للتدريب الأيديولوجي والعسكري، إضافة إلى تدريب على أسلحة وأدوات البروباغاندا النشطة. وحينها أيضاً، أشارت «إيكونومِست» إلى عبقرية «الإرهابي 007» الذي اخترق مجموعات من أجهزة الكومبيوتر، ومواقع لهيئات حكوميّة أميركيّة. وكذلك درّب زملاءه من الجهاديّين على سبل الحفاظ على سرية مواقعهم وصفحاتهم الإلكترونيّة، وطرق الإبقاء على هوياتهم مطموسة على الشبكة. وحدث ذلك تحت مسمع ومرأى أجهزة الاستخبارات الكبرى.
ذبّاح «داعش»
عن قوّة الاستخبارات الأميركيّة، تحدّث تقرير صدر عام 2006 حول «تقديرات الاستخبارات الأميركيّة الوطنيّة». وجاء في التقرير أن عملية التجذّر تجري في شكل أسرع وأوسع وبطرق أكثر سريّة في عصر الإنترنت، «ما يزيد إمكان وقوع عمليات هجوم مفاجئة من قِبَل جماعات مجهولة، يكون تحديد أعضائها وداعميها أمراً صعباً».
وبين 2006 و 2015، مرّت عشر سنوات تحقّقت خلالها تنبّؤات الاستخبارات الأميركيّة، إذ ولِدت «داعش» وكبرت، بل باتت صاحبة اليد العليا في الفضاء العنكبوتي. ويحبس العالم أنفاسه كلما طارت أخبار عن نشاط داعشي جديد، سواء أكان تغريدة تحمل تهديداً، أم عدداً جديداً من مجلتها «دابق» التي تنقل تفاصيل الأخبار الداعشية، أم فيديو عن نشاطات الذبح والحرق وتدمير آثار الحضارة، بتقنيّات سينمائيّة مبهِرَة.
ويرافق انبهار العالم بالإرهاب العنكبوتي، انبهار بالصمت الغريب لأميركا، على رغم أن قدرة أجهزتها على الاستشراف كانت كفيلة بوقف الإرهاب العنكبوتي أو السيطرة عليه قبل تفاقمه. ويقدّم «جون الجهادي» مثالاً على ذلك، إذ اتّضح أن محمد إموازي، وهو اسمه الحقيقي، كان موضوعاً تحت مراقبة الاستخبارات البريطانيّة منذ خمس سنوات. وعلى رغم دفاع رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون عن جهاز الاستخبارات البريطاني الذي واجه اتهامات بالتسبّب في ترك انتماء «ذبّاح داعش» ينمو، إلا أنها اتهامات لم تلق إجابات شافية. ما قيمة معلومات الاستخبارات، إذا ظلّت حبيسة الأدراج؟
وفي زمن الإنترنت، لم تعد المعلومات قابلة للبقاء حبيسة الأدراج. ألم تسرّب «ويكيليكس» وثائق رسميّة سريّة وخطيرة؟ إذاً، فالأرجح أن تحركات جماعات كـ «الإخوان المسلمين» و «داعش» وأبناء عمومتهما من أصحاب التوكيلات الجهاديّة والتكفيريّة، يمكن تتبعها بفضل الشبكة العنكبوتيّة. لذا، يثور سؤال عالميّاً عن مواجهة «الإرهاب أون لاين». ويتشارك السؤال من يقبع في دول الغرب المتطوّرة، خصوصاً تلك المنخرطة في الحرب على الإرهاب الإسلاموي في أشكال متنوّعة، أو من يعانون يوميّاً من نيران ذلك الإرهاب وسيوفه وحرائقه ومعاوله، خصوصاً في الشرق الأوسط «الجديد».