Breaking
الأخبار

شيطنة المرض النفسي لا تكفي لتفكيك ألغاز طائرة «الألب» الدموية

نعم. إنها مأساة تامة أن يظلّ المرض النفسي يعامل بوصفه الـ «شيطان»، في العقد الثاني من القرن الـ21، إذ يصعب على متابع التغطية الإعلاميّة لحادث سقوط طائرة «جيرمان وينغز» في جبال الألب في أواخر مارس (آذار) المنصرم، ألا يشعر بالأسى للطريقة الغرائبيّة التي استخدم فيها المرض النفسي وصورته، في تفسير لغز تحطّم تلك الطائرة.

شيطنة المرض النفسي لا تكفي لتفكيك ألغاز طائرة «الألب» الدموية
Click to enlarge
نعم. ما زال المرض النفسي يعامل كأنه الشيطان أو أحد بدائله، فما أن يمسّ إنساناً حتى يخرجه عن سويّة البشر، بل إنه لا يعود إنساناً البتّة، فيصحّ إلصاق أي شيء به، حتى لو كان بوزن إزهاق حياة 150 شخصاً، في ضربة مفردة. وبدا أنه كان كافياً القول إن مساعد الطيّار في طائرة «إيه 320» كان يعاني مرضاً نفسيّاً، حتى يتراجع مدّ التغطية الإعلاميّة المكثّفة والمتواترة، وللتصرف كأن اللغز جرى حلّه، وزال ثقل غموضه المرهق، إضافة إلى الابتعاد عن هاوية تأجيج توتّرات سياسيّة باتت في ذروتها بعد مقتلة «شارلي إيبدو» في باريس، وتظاهرات «بيغيدا» في أوروبا، وتكريس صعود اليمين المتطرف بزعامة مارين لوبين في فرنسا وغيرها. نعم، مرّة أخرى، ما زال المرض النفسي يخضع لعملية شيطنة عميقة في المخيّلات العامة ومساحات النقاش الجمعي، حتى في قلب أوروبا المتألقة بمشروعها العقلاني المتصاعد منذ 4 قرون على الأقل. ما زال المرض النفسي يصاغ بهيئة الشيطان الذي يسوّغ «مسّه» كل أنواع التصرفّات والغرابات والتطرفات، وصولاً إلى الانتحارات المشهديّة والجرائم الجماعيّة وغيرها. وتستمر صورة الشيطان في السيطرة على مفهوم المرض النفسي، حتى في الإعلام الأكثر عقلانية، بعد قرابة 115 عاماً على صدور كتاب «تفسير الأحلام» لمؤسّس مدرسة التحليل النفسي سيغموند فرويد في مستهل القرن العشرين (الذي كرّس خروج النفس من الشيطنة والملائكيّة، ليصبح مرضها كالأمراض الأخرى كافة)، وبعد قرابة 55 عاماً على صدور كتاب «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي» للمفكر الفرنسي ميشيل فوكو، الذي انتقد تاريخاً من سوء استخدام السلطات في القرون الوسطى لصورة «الخروج عن العقل»، كجزء من هيمنتها على الناس والأفكار. وصمة الكآبة أليس مؤلماً أن تكون للكآبة وصمة ثقيلة، بحيث أن مجرد النطق بها يكفي لتبرير أن «ينتحر» المكتئب مع جريمة قتل جماعيّة لـ150 شخصاً؟ تعتبر الكآبة المرض النفسي الأكثر انتشاراً عالميّاً، خصوصاً في الغرب الذي يفترض أن ثقافته العامة تشرّبت فكرة أن المرض النفسي هو ككل الأمراض التي تصيب الإنسان، وأنها تخلّصت من وصمة التمييز المرّة. لم تكن هذه الحال في التفسيرات التي باتت شبه مسلَّم بها في حلّ لغز السقوط المشهدي المروّع لـ «جيرمان وينغز». وبكل غياب للعقل النقدي، انساق الإعلام الدولي الى الحديث عن الوصفات الممزّقة التي عثر عليها في منزل لوبيز في مدينة «دوسلدورف» الألمانيّة، وأنها منعته من الاستمرار في التدرّب طيّاراً في عام 2009 وغيرها. هل تكفي الكآبة لتفسير أن ينتحر شخص ويقتل معه جماعيّاً 150 شخصاً؟ ما كانته مجريات الكآبة وعلاجاتها في السنوات الست التي انقضت بعد تشخيصها؟ هل تحسّن أم انتكس؟ كيف استطاع «إخفاء» كآبته، وفق ما تداوله الإعلام، إذا كان مرضه لم يستجب للمعالجة من أطباء ومختصّين؟ هل كان سلوكه يظهر تدهوراً مستمراً، وهو ما تكونه حال الكآبة عندما تستعصي على العلاج، أم أنه كان يتجاوب مع العلاج، وتكون انتكاساته ضمن ذلك الإطار؟ أليس التردّد على الأطباء والمختصّين هو علامة إيجابيّة نفسيّاً وعقليّاً، بمعنى إدراك المريض لمرضه (بالمصطلح النفسي، وجود «استبصار ذاتي» Insight)، وكذلك أنه دخل في «سلوك السعي إلى العلاج» Treatment seeking behavior؟ مجدّداً، لم يجر التدقيق في ذلك الأمر. وانفلتت «الشيطنة» على مداها، عبر الاكتفاء بالإشارة إلى وجود الكآبة سبباً لمقتلة دموية مذهلة. بلغة حساب الاحتمالات، لو كان المرض النفسي الأشد انتشاراً بين البشر سبباً كافيّاً، لتوجّب أن نشهد مقتلات متكرّرة من نوع «جيرمان وينغز». لم يتردّد البعض في الإشارة إلى حوادث غير محسومة لدعم «شيطنة» المرض النفسي. مثلاً، حادثة سقوط الطائرة المصرية أمام سواحل فلوريدا، هل محسوم أن الكآبة كانت الدافع إليها؟ الأهم من ذلك النقاش الغائم، أن التصنيفات العلميّة للأمراض النفسيّة لا تظهر فيها مسألة الانتحار مع قتل جماعي، وبهدوء مذهل أيضاً، في توصيف الكآبة المرضيّة. ويوصل ذلك الى التصريح الذي أدلى به الطبيب النفسي برنار غرانجيه، رئيس قسم الطب النفسي في «مستشفى تارنييه - كوشان» في باريس وأستاذ الطب النفسي في جامعة «رينيه ديكارت». وعلى رغم تداوله الواسع، إلا أن ذلك الطبيب شدّد على ثلاثة أمور مهمة، تبدأ بأنه لم يعرف لوبيز ولا يستطيع الحسم في أمر تشخيص مرضه أو تصرفاته. وثانيّاً، تناول غرانجيه «الانتحار الغيري» بمعنى أن الشخص يقتل نفسه وغيره، معتبراً أن نموذجه هو شخص يقتل أفراد عائلته ثم ينتحر، وهو أمر بعيد من مقتلة تطاول 150 شخصاً لا يعرفهم لوبيز ولا علاقة تربطه بهم. وثالثاً، شدّد غرانجيه على أنه «لا يمكن طرح أي فرضيّة من ناحية الأمراض النفسيّة» بالنسبة الى حادثة «جيرمان وينغز». ومع ذلك، تداولت وسائل إعلاميّة كثيرة ذلك التصريح، بعناوين تقدّمه كأنه تفسير قاطع، لأن مقتلة «الألب» تفسيرها مرض نفسي عند لوبيز.
Print Article Send to Friend Add Comment

Reader Comments

Share Your Opinion