عاجل
المقالات

الواقع العربي ريموت كونترول

صدق من قال إن الإعلام يُعلم المشاهد بما يجري على الأرض. وقد يساهم في تشكيل وجدانه أو تسييس أفكاره أو توجيه أهوائه. لكن العالم في حالة تغير مستمر، والإعلام جزء من ذلك، إن لم يكن أداته الأقوى ووسيلته الأذكى. ولنأخذ العالم العربي مثالاً.

الواقع العربي ريموت كونترول
اضغط للتكبير

صدق من قال إن الإعلام يُعلم المشاهد بما يجري على الأرض. وقد يساهم في تشكيل وجدانه أو تسييس أفكاره أو توجيه أهوائه. لكن العالم في حالة تغير مستمر، والإعلام جزء من ذلك، إن لم يكن أداته الأقوى ووسيلته الأذكى. ولنأخذ العالم العربي مثالاً.

لقد بات واضحاً منذ لحظات الهبوب الربيعي العربي الأولى أن الخماسين المحملة بالأتربة في نظر بعضهم قد تكون نسائم مشبعة بالعطور لبعضهم الآخر. وما بدا وكأنه تغيير للأفضل لقطاع، كان انحداراً للقاع لقطاع آخر. أما الإعلام فقد فَقَدَ بعضه مقداراً من توازنه في البداية، وهو البعض ذو الولاءات الحكومية والمصالح المالية والسياسية المنصهرة مع الأنظمة انصهاراً شديداً.

أما الإعلام الذي خرج إلى نور الحياة في قوالب ذات أهداف مستقبلية واضحة ومصالح محددة وأهداف سياسية سابقة التجهيز، فلم يفقد توازنه أو تضيع بوصلته. فقد كانت الرياح الربيعية جزءاً لا يتجزأ من بروتوكولاته التأسيسية، ومن ثم بزغ نجمه باعتباره الإعلام الداعم للثورات والمؤيد لمطالب الشعوب.

وصار ما صار، وتحول الربيع زمهريراً والرياح طوافين. وبين ليلة وضحاها، أيقن جانب من الشعوب العربية أن الإعلام الداعم ما هو إلا إعلام تابع لمخططات أكبر وتقسيمات أوسع. واليوم، وبينما المشاهد الكوني يدق على الريموت، يشعر حيناً بأن الصورة المنقولة أقرب ما تكون إلى الواقع الذي يعايشه، ويتشكك حيناً حيث يجد أن حقيقة ما يعايش ذات وجه مغاير، لكنه في أحيان عدة تصيبه الصدمة وتنال منه الرهبة حين يجد فضائيات عالمية تتحدث باسمه ناقلة صورته ولكن في شكل ومضمون لا يمتان لواقعه بصلة.

يشعر حينئذ بغضب بالغ وضعف أبلغ. فالرأي العام العالمي آخذ في التشكل وسياسات الدول مستمرة في التوجه، ومن قبل هذه وتلك مصالح الكبار تتبلور وتتحقق. صحيح أن قطاعاً من المشاهدين العرب يرى في تغيير الحقائق وتمويه الوقائع الحق كما ينبغي أن يكون، لكنه يبقى مفعولاً به كغيره. ولعل هذا ما يفسر استمرار تصديق بعضهم لما يرد في قنوات عرفت بقدرتها الفائقة على التضليل، إذ يطابق الواقع الافتراضي الذي تنقله رؤاه الأيديولوجية وأحلامه الطائفية.

دقة إضافية على الريموت تنقل المشاهد إلى واقع آخر، لكنه هذه المرة من وجهة نظر دول العالم غير العربية، حيث قنوات روسية تقدم واقعاً بنكهة مصالح روسية، وفرنسية تنقل الحدث من منظور برؤى فرنسية، وبريطانية ذات صورة من زوايا بريطانية، وأميركية صاحبة خبطة صحافية مصبوغة بمصالحها، وهكذا.

وتظل القنوات في نهاية المطاف تنقل الخبر نفسه والحدث دون غيره والواقع ذاته ولكن بألف رؤية ورؤية، ولا يحتفظ المشاهد بحقيقة موحدة إلا تلك القابعة في يده والمسماة «ريموت كونترول».


طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك