المقالات
روسيف تذكّر أميركا بانهيار «برج بابل» الإنترنت
أيهما أشد خطراً على أميركا: بنك التنميّة الدولي الذي تقوده الصين وانجذبت إليه مجموعة من الدول ضمنها حلفاء لأميركا،
أحمد مغربي
الإثنين,18 مايو 2015 - 02:04 م
مشاهدات: 214
أيهما أشد خطراً على أميركا: بنك التنميّة الدولي الذي تقوده الصين وانجذبت إليه مجموعة من الدول ضمنها حلفاء لأميركا، أم الشبكة الخاصة لنقل المعلومات التي تشبه الإنترنت لكنها مستقلة عنها وتربط دول مجموعة الـ»بريكس»؟ الأرجح أن شيئاً كثيراً من تلك الإشكالية سيحضر في الزيارة المقرّرة للرئيسة البرازيليّة ديلما روسيف إلى واشنطن في نهاية حزيران (يونيو) المقبل. وتملك تلك الزيارة خيطاً آخر يصلها بالإنترنت: فضيحة التجسّس الإلكتروني العالمي التي فجّرها اختصاصي المعلوماتيّة الأميركي إدوارد سنودن. إذ كانت الزيارة مقرّرة قبل سنتين، لكن روسيف عمدت إلى إلغائها بعد تفجّر تلك الفضيحة المدوّية. وكذلك تبدو البرازيل «واسطة العقد» التي يتقاطع فيها الـ»بريكس» (مع روسيا والصين والهند وجنوب أفريقيا)، مع «بنك التنمية الآسيوي» (الاسم الرسمي للبنك الدولي للتنمية الذي تقوده الصين)، والشبكة الإلكترونيّة الدولية المستقلّة عن الإنترنت!
وأطلقت الصين مبادرة تأسيس بنك دولي للتنمية يركز على البنى التحتيّة، ومنها البنى الإلكترونيّة. وسرعان ما انضمت إلى مؤسّسيه دول غربيّة بعضها حليف لأميركا كبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وسويسرا وأستراليا، إضافة إلى روسيا والهند وجنوب أفريقيا من مجموعة الـ»بريكس» وكذلك كورية الجنوبيّة. وانضم إلى المؤسّسين عربيّاً السعودية والكويت وعُمان وقطر والأردن.
ومع 30 عضواً مؤسساً من آسيا وخارجها، و22 دولة تقدمت بطلبات لتكون دولاً مؤسّسة قبل أن تنتهي الفترة المخصّصة لذلك، صارت المبادرة الصينيّة ثقلاً يهدد مؤسّسات راسخة تهيمن عليها أميركا، خصوصاً «البنك الدولي». ولم يكن غريباً أن تحث أميركا الدول على عدم الانضمام إلى البنك الذي يقوده القطب الصيني الصاعد عالميّاً بما يثير قلقاً أميركيّاً عميقاً يشمل مجموعة كبيرة من المحاور الاستراتيجيّة الدوليّة.
في نفسٍ مُشابِه، من المتوقّع أن تحضر كوبا المنفتحة حديثاً على واشنطن في قمة أوباما- روسيف، مع ملاحظة العلاقات القويّة التي تربط كوبا مع دول أميركا اللاتينيّة، ومنها البرازيل. وكذلك تصبو شركات أميركيّة عملاقة، خصوصاً في صناعة المعلوماتيّة والاتصالات المتطوّرة، إلى الاستفادة من فرصة الانفتاح على كوبا.
وفي نهاية العام المنصرم، أعلنت مجموعة دول الـ»بريكس» (البرازيل، روسيا، الهند، الصين وجنوب أفريقيا) عزمها على بناء شبكة خاصة تربط تلك البلدان، بطول 34 ألف كيلومتر، تربط مدن «فلاديفوستوك» في روسيا و»سان باولو» في البرازيل و»شانتو» في الصين و»تشيناي» في الهند، و»كيب تاون» في جنوب أفريقيا. ويتوقع أن ينتهي العمل في تلك الشبكة في نهاية عام 2015.
إذا جُمعت المعطيات السابقة مع أشياء تشمل الزلزال الهائل الذي فجّرته فضيحة سنودن بصدد تجسّس «وكالة الأمن القومي» على دول الكرة الأرضيّة (بل حتى أميركا نفسها لم تتحمل ذلك، فأصدرت محكمتها العليا قراراً اعتبر تلك النشاطات مخالفة للدستور)، والتواطؤ الواسع للشركات العملاقة الأميركيّة مع الاستخبارات الأميركيّة، وفضائح الاتجار بمعلومات الجمهور من قِبَل الشركات العملاقة في المعلوماتية والاتصالات المتطوّرة (معظمها أميركي أيضاً)، يثور في الذهن مجدّداً السؤال القديم- الجديد عن إمكان انهيار «برج بابل» الإنترنت.
إذ يرد في التوراة أن البشر تآزروا في بناء برج تشامخ باستمرار، طالما أن البشر استطاعوا التفاهم بلغة موحدة جمعت ذكاءهم وسكبته في عمل موحد. وإذ غضب الرب من السعي المتفاخر للإنسان- الديكتاتور، عمد إلى حلّ ما زال إدراك غاياته عصياً: إعطاء لغة لكل مجموعة. وتقول التوراة أنه لما تبلبلت ألسنة البشر، وفَقَدَ ذكاءهم الجماعي عَصَب تواصله الأساسي، إنهار ذلك البرج. هل تسير الإنترنت نحو مصير مشابه؟
وللتذكير، جرى الإعلان عن الشبكة الإلكترونيّة الموازية لدول الـ»بريكس»، في مؤتمر «نت مونديال» Net Mundial في مدينة «سان باولو» في البرازيل، في عام 2014. وحضرت أخيلة التمرّد وذائقته بقوّة في «نت مونديال» عبر ترؤسِهِ من قِبَل رئيسة البرازيل ديلما روسيف، وهي يساريّة انتمت طويلاً لحركات تمرّد مسلّحة ضد الهيمنة الأميركية في بلادها.
وتردّدت في نقاشات المؤتمر أصداء فضيحة سنودن التي لم تكف الدول والرؤساء والمؤسّسات عن الحديث بالصوت الواضح عن رفضها جعل الإنترنت عيناً عالميّة لـ»الأخ الأكبر» الأميركي في التجسّس على الأرض.
(لا بد من القول أن الاستثناء العربي في هذا المجال يفقأ العين بوضوحه. لم ترتفع أصوات المؤسسات العربية في هذا الشأن أبداً، ولا حتى همساً).
وإضافة إلى تلك الأمور، تميّزت قمة «نت مونديال» أساساً بالغياب الأميركي عنها. وتتضح أهمية ذلك الغياب عند تذكّر تصرف أميركا الثابت حيال المؤتمرات التي تطاول شبكة الـ»ويب».
ومنذ انطلقت الإنترنت إلى الاستخدام الواسع المعولم في تسعينات القرن الماضي، لم تغب أميركا عن قمة عالميّة عن الإنترنت.
ومن المستطاع القول من دون مجازفة كبرى، أن أميركا اهتمّت بالإنترنت أكثر مما فعلت دولة في الكرة الأرضيّة. ومثّلت الإنترنت الأداة الأهم والظاهرة الأبرز، في مسار العولمة المعاصرة. وسواء تعلّق الأمر بعولمة منفلتة ومتوحشّة أو بأخرى عادلة وإنسانيّة، فإن أميركا هي في قلب هذا المسار الذي يرسم الزمن المعاصر.
حضرت أميركا في مؤتمر «مجتمع المعلوماتية» الذي تبنّته الأمم المتحدة في مستهل القرن 21. وتحضر الولايات المتحدة في المؤتمرات المتوالية التي يرعاها الاتحاد الأوروبي، وكذلك التي تنعقد برعاية اليونيسكو. وتحضر أميركا عبر حكومتها وشركاتها ومؤسساتها التي تكوّن الخيوط الأساسية في الشبكة العنكبوتية الدوليّة.
لماذا استمرار الحضور الأميركي؟ ببساطة، لأن لا إنترنت من دون أميركا. إذ تستقر الكومبيوترات الضخمة التي تدير حركة الإنترنت عالميّاً في أميركا. وتسمى تلك الأجهزة «الأُطر الأساسيّة» («ماين فرايم» Main Frame). وتعطي الـ«ماين فرايم» المرتكز الرئيسي لسيطرة هيئة الـ«آيكان» الأميركية على شؤون الإنترنت. ويختصر مصطلح «آيكان» ICANN اسم «هيئة الإنترنت للتعيين الأسماء والأرقام» Internet Corporation for Assigned Names and Numbers. وتعطي أسماء النطاق تعريفاً عن نشاط الموقع، ومدى استقلاليته والمساحة التي تسيّطر عليها عبر الشبكة.
واحتكرت هيئة «آيكان» توزيع أسماء النطاق (كـ«.كوم» و«.غوف» و«.إديو»، إضافة إلى الأسماء المعبّرة عن الدُوَل)، الإنترنت منذ ما يزيد على 45 سنة، أي حتى قبل انتشارها عالميّاً.
وعلى رغم أهمية الخارقة، لا تعبّر الـ»آيكان» إلا عن الجزء الأبسط من ضرورة أميركا للإنترنت، وهيمنتها عليها أيضاً. إذ يعرف الجميع أن شركات المعلوماتية والكومبيوتر العملاقة، والشركات الرئيسية لصناعة الـ»هاي تيك» برمّتها، والقسم الأشد حيوية في صناعة البرامج والتطبيقات والمكوّنات الرقميّة كافة، تستقر في أميركا. هل تتغيّر صورة اليد الأميركيّة المهيمنة على شبكة الـ»ويب»، مع تفكّك «برج بابل» الإنترنت؟ لننتظر ولنر.