Breaking
المقالات

هل صنعت الدراما الدينية تنظيم داعش واخواته ؟

على الرغم من دور الدراما الدينية في التعريف بصحيح الدين ونقل المفاهيم الدينية السليمة الا ان بعضها قد عمل على لعب دور اكثر خطوره بالتحول الى ظاهرة تجارية ،ومع قرب حلول شهر رمضان المبارك يتم اثارة العديد من التساؤلات حول دور الاعلام في تناول الظاهرة الدينية وما هي طبيعة توظيف الاعلام للدين في التعبئة ؟وما هو اثر ذلك في تقديم التاريخ الاسلامي والذي يمثل في احيان كثيرة مرجعية للكثير من الحركات الاسلامية المتشددة ؟ وما مدي تاثير ذلك في توظيف الصورة الذهنية للخلافة الاسلامية لدى تنظيم داعش والتنظيمات الاخرى ؟

هل صنعت الدراما الدينية تنظيم داعش واخواته ؟
Click to enlarge

مع قرب حلول شهر رمضان المبارك ،والذي تحتفل الدول الإسلامية به ولكن احتفالها أصبح لا يقتصر على صلاة التراويح أو بعض الممارسات الاجتماعية المرتبطة به ، وان كان الفاطميين قد أضافوا الحلويات بأنواعها للاحتفال بالشهر الفضيل فان العولمة والسينما قد أضافت وجبات المسلسلات الدينية الدسمة والمكثفة في ذات الوقت ، وعكس ذلك في حقيقته إلى سلعنه الدين والمظاهر الدينية والتي تصاعدت مع تصاعد الارتباط  بالتكنولوجيا وبخاصة الاستهلاكية داخل العالم الإسلامي ، ومن جهة أخري مع ضعف المؤسسات الاخري في مجال التنشئة الدينية كدور المساجد أو المدارس او الجامعات . وهو ما اضفي تحولا على تناول الظاهره الدينية في العالم الاسلامي،والتي اصبحت الفاعلين في تشكلها وفي نشرها وانتاجها تخرج من عباءة الفاعليين التقليديين الى فاعليين اخرين يتشاركون في القدرة على استخدام الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي وهم ليسوا بالضرورة من خريجي المؤسسات الدينية الرسمية او حتى ممن يقيم على ارض الدولة ، وتواكب ذلك ما استثمار رجال الاعلام والمال في صناعه السينما الدينية مستغليين في ذلك للجمهور الاوسع انتشارا والاقل تعليما وثقافة وهو في نفس الوقت المستقبل الوحيد للمنتج الديني .

وجاء الى جانب شركات الانتاج السينمائي شركات الاتصالات والانترنت والتي اصبحت هي الاخري توظف الدين في عملية إدرار المزيد من الاموال سواء عبر نغمات دينية او رسائل دينية او خدمات هاتفية ذات طابع ديني او محتوى ديني قديم يتم اعادة انتاجة وتوزيعه وبخاصة لكبار المشايخ او الفقهاء او الزعماء الدينيين .

وعلى قدر ما عكس ذلك تزياد معدلات التدين داخل المجتمع الاسلامي الا انه عكس في ذات الوقت الطابع الشكلي والدعائي للظاهرة الدينية بشكل عام والتي ارتكزت فيها الالة الاعلامية على الترويج لها سواء اكانت في شكل الملابس او المعاملات او طبيعه الدولة الاسلامية .

وقد استخدمت بعض الانظمة السينما في انتاج مواد ومحتوي ديني لمكافحة ظاهرة المعارضة السياسية ذات الطابع الديني وفي اطار شن حرب افكار دينية مضادة لما يروج له جماعات الاسلام السياسي ، ولا شك ان ظهور الراديو والكاسيت ثم التلفزين قد شكل تحولا هاما للغاية في دور رجال الدين في الحياة العامة داخل العالم الاسلامي  ، وفي تعزيز دور وسائل الاعلام في التعبئة الدينية ، وكما نعلم ان الثورة الايرانية الاسلامية كان الفاعل الاساسي بها هو الكاسيت الى الحد الذي سيمت بثورة الكاسيت عبر بث خطابات الخوميني في المنفي في باريس ، وكانت شرائط  الشيخ كشك في مصر اداه للمعارضة ضد الرئيس عبد الناصر والسادات .

ومع ظهور الفضائيات والحرية الاعلامية بدا يتم الاتجاه الى انتاج المحتوى الديني سواء بتمويل من رجال الدين او رجال الأعمال بغية تحقيق مكاسب سياسية او مالية

ويتم توظيف المحتوى  الديني من اجل زيادة نسب المشاهدة وزيادة حصيلة بيع الإعلانات للشركات التجارية ، وتحول الأمر من مجرد العمل على توظيف الاعلام في خدمة الخطاب الديني المعتدل والتعريف بالروح السمحة للاسلام ، بدأ يحدث التحول في الخطاب مع تنافس الشركات المنتجة وتدخل فاعليين اقليمين في الانتاج الديني الموجة خصيصا للعالم العربي مثل اتجاه ايران وتركيا للانتاج  السينمائي الديني والمدبلج الى العربية مثل مسلسل "النبي يوسف "الايراني ، او حريم السلطان التركي ، واللذين كانا ابرز مثال على استخدام الاعلام الديني في تمدد النفوذ السياسي ثم الاقتصادي داخل العالم العربي الى الحد الذي تم توجية تلك الافلام والمسلسلات بدعم رسمي وحكومي من كلا من تركيا وايران ، وجاء ذلك مع ضعف وتدهور الانتاج الاعلامي المصري والذي كان قائدا وفاعلا بما لدية من قدرات تاريخية ودينية .

واخذت الدراما الدينية مع المكاسب التي تحققها الى تنوع الافكار بدا من تناول شخصيات دينية الى احداث او قضايا او افكار ، ومن جهة اخري اكتسبت الجانب الدعائي والمعتمد على الاثارة والتشويق بدلا من تقديم المعرفة الدينية الصحيحة ، والدخول في مراحل تاريخية اكثر جدلا وغموضا في ذات الوقت نظر الى قلة المصادر العلمية والتاريخية او لغلبة البعد التحيزي على المعالجة كحادثة الفتنة الكبري بين الامام علي ويزيد بن معاوية حول الاحقية بالخلافة ، ويضاف ذلك الى العديد من القضايا التي تم معالجتها دراميا بشكل نزعها من سياقها التاريخي واضافه معلومات غير حقيقة بغية الاثارة والتطويل .وبعيدا عن تقديم اجتهادات وحلول لمشكلات عصرية ، او الاستثمار في برامج تغذي الفكر والنقاش والتسامح بل الاسثمار في دعم القيم المطلقة والحقائق الثابته والتي تعبر عن انتصارها الرمزي عبر المعالجة الدرامية والتي لا تخرج عن خيال المخرج و من كتب قصة المسلسل التاريخي . 

واظهرت الدراما الدينية الخلافة الاسلامية  اولا على انها  قضية مسلم بها ومستقر عليها وانه يوجد اجماع على شكلها ، ومن ناحية اخري تم تغذية انه لكي يتم احياء الخلافة الاسلامية على العالم الاسلامي ان يعود ليس الى الاسلام النقي بل الى نفس الادوات والاليات التي قامت من خلالها الخلافة الاسلامية .

وأظهرت تلك الدراما كذلك طابعا طابويا او مثاليا للقادة والزعماء الدينين الى الحد الذي يعصمهم من الخطأ ، ومن جهة اخري تم تصورهم على انهم رغم تقدم الدولة الاسلامية في عصرهم  الا انهم كانوا يعيشون حياة البذخ والترف وسيطرة النساء على الحكم .

وهو ما جعل تلك الدراما الدينية تتجه إلى نقل الصراع داخل العالم الاسلامي على انه حقيقة تاريخية وان التنافس والتناحر كان هو السمة الغالبة داخل العالم  الاسلامي ، وذلك دون التركيز على اسهامات الحضارة الاسلامية في التقدم العلمي والحضارة الانسانية ، والتي بلا شك ما كان لها هذا الدور ان كانت كما تصوره تجار الدرما الدينية ، وينقلنا هذا من جهة الى التاكيد على دور ووظيفة الاعلام بخاصة الديني والذي يجب ان يركز على بث الروح المعنوية واحياء القيم الاخلاقية والمعززة للتقدم والنهضة وتصحيح المفاهيم المغلوطة بدلا من العمل على اثارة التشويش والشك في الخلفاء او الزعماء على كافة أشكالهم داخل العالم الاسلامي ، ولا شك أن ما احرزه العالم الاسلامي من تقدم في زهاء سنوات معدودات كان محط نظر واستلهام من جانب المجتمعات الغربية وفي نفس الوقت عزز من النواحي العدائية لديها تجاه العالم الاسلامي  والتي شكلت البيئة الخارجية الى جانب البيئة الداخلية التي عملت بلا شك على اضعاف العالم الاسلامي .

    وخلال العشر سنوات الاخيرة تم ضخ عدد هائل اولا من القوات الفضائية الدينية وثانيا من المسلسلات والبرامج الدينية والتي لعب بها فقط محركا راس المال بديلا عن الفكر التنويري الذي يدفع الى تجديد الخطاب الديني  وجعلة نافعا للمجتمع وليس يتم توظيفة في احداث الفرقة المذهبية والدينية داخل المجتمع الاسلامي والذي عاش ما يزيد على ألف واربعمائة سنة في سلام مع مكوناته الداخلية وتنوعايته العرقية والمذهبية ، ولكن ماذا حدث له !!!

وبدأ يتم الترويج لنموذج اسلامي للخلافة الاسلامية غير متماسك فكريا او تطبيقا ويتم تبنية من جانب اناس ليس لديهم ثقافة دينية او خطط استراتيجية بل تعبيرا عن احباطات اجتماعية واقتصادية وتدخلات من رؤوس اموال خارجية في محاولة للتاثير على السلام الاجتماعي .

وعندما نجد التحولات الفكرية لدى جماعات الإسلام السياسي من الاتجاه إلى التحول السلمي داخل المجتمع إلى تبني العنف كوسيلة وحيدة للتغير وتقديم مبررات دينية للاقتتال الداخلي بين اصحاب المذهب او مع غير المسلمين داخل منطقتنا ، وظهر اعلاميا شخصيات تلعب دور رجل الدين اعتماد على تفسيرات فردية للنص القرآني او النبوي واعتماد كذلك على البعد الدعائي الذي يتم توظيفة في التعبئة الدينية والشاحنة للشباب المحبط نحو العنف بحثا عن عالم مثالي يشكل مخرجا لعالمة الواقعي .

وان كانت مرحلة ما قبل أحداث الاضطراب العربي في عام 2011 شهدت جماعات اسلامية عنيفة سرية واخري علنية الا ان المرحلة التي تلت ما بعد 2011 اظهرت اخراجا لطموحات تلك الجماعات وافكارها والتي وجدت ان البيئة اصبحت خصبة لاقامة الشريعه الاسلامية واعلان الخلافة .

وتاثر قادة وشباب تلك الحركات العنيفة بالانتاج الاعلامي والدرامي للمسلسلات الدينية والتي يتم اعادة نشرها مرة اخرى عبر شبكات التواصل الاجتماعي ليتم اتساع نطاق التاثير بين كتلة الشباب الحرجة داخل العالم الاسلامي والتي تشكل نسبة كبيرة من السكان .
وعندما نجدهم نراهم يطلقون على انفسهم "الكنى" بدلا من اسمائهم الحقيقية ، ويتم استخدام مفردات وكلمات تاريخية تعبيرا عن الاستعداد للعودة للتاريخ وانهم هم القادة القادريين على تحقيق حلم الخلافة الاسلامية. 

فيتم استعادة مفاهيم الجهاد المغلوطة والجزية والجواري والفيء والفتح والمولاة  وتم تصدير إن الخلافة الاسلامية لا يجب ان تقوم الا بنفس الادوات التي تم استخدامها على الرغم من الاختلاف في السياق التاريخي ودور القوى العالمية التي كانت محيطة بالعالم الاسلامي ، فيتم من اجل ذلك تهجيز غير المسلمين  وتكفير وقتل المختلف مذهبيا وتعزيز روح الانتقام والكراهية سواء ما بين المنتمين لتلك الجماعات والمجتمع المسلم في غالبه او ما بين السنة والشيعه كمذاهب اسلامية ليست الوحيدة  او افتعال  ازمات بين المسلمين وغير المسلمين ، ويتم كل ذلك لادخال المنطقة في حالة الصراع الدائم الذي يعزز فرص التعبئة والاستقطاب بين كل طرف والمعبر عن طموحات ضيقة لقادة تلك التنظيمات المتطرفة ، وهو في حقيقة الامر يعمل على المدى البعيد ان لم يكن القصير على استنزاف تلك القوى وانهاكها وكشفها أمام مريدها وأمام العالم بمنظر المتعطش للسلطة والحكم والدماء وليس الى اقامة الخلافة الاسلامية واحياء القيم الاخلاقية في مواجهة ما يدعون انه غزو ثقافي .

ان الدراما الدينية ليست  ببريئة من غلو هؤلاء الى جانب المؤسسات الدينية الاخرى والتي تراجعت عن دورها وبدلا من ان تتعامل مع العولمة ومستجداتها قامت بالابتعاد عنها في حين تملكها المتطرفيين والسطحيين الذين يبحثون فقط عن اهداف شخصية وتحقيقها على اجساد الغالبية من ابناء الشعب العربي والاسلامي.ويخدمون اعدائه بلا ثمن وليشكوا وقود معركة التدمير الذاتي التي تجري بيد عربية وباموال عربية وعلى ارض عربية .  
ونافلة القول ان الدراما الدينية لعبت دورا كبيرا في تشكيل صورة ذهنية مغلوطة لدى شباب الحركات العنيفة وساهمت في تشوية صورة الحضارة الاسلامية لدى الغرب ، ولعبت دورا في تحويل الدين الى سلعة يلعب بها عنصر المتاجرة العامل الاساسي في تحقيق الارباح من جانب راسماليين جدد من رجال الاعلام والمال ومستفيدين من ادوات العولمة، اكثر من كونها تعبيرا عن صحوه دينية داخل العالم الاسلامي ، وتوظيفا واستثمارا لحالة غياب المعرفة الدينية وانتشار الجهل والفقر والاحباط داخل المجتمع.

* خبير بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية - مدير مشروع المركز العربي لابحاث الفضاء الالكتروني  

Print Article Send to Friend Add Comment

Reader Comments

Share Your Opinion