عاجل
الأخبار

نظام المدن العالمي الجديد

السمة الأهم في القرن الحادي والعشرين هي صعود المدن. ربما يعيش العالم هاجس حلول «القرن الصيني» مكان نظيره الأميركي. لكن الفعل الحقيقي لا يقع في إطار الأمم بل في المراكز المدنية.

 نظام المدن العالمي الجديد
اضغط للتكبير

السمة الأهم في القرن الحادي والعشرين هي صعود المدن. ربما يعيش العالم هاجس حلول «القرن الصيني» مكان نظيره الأميركي. لكن الفعل الحقيقي لا يقع في إطار الأمم بل في المراكز المدنية.

للمرة الأولى في تاريخ البشرية، يعيش أناس في المدن أكثر مما يعيش في المناطق الريفية. بحلول عام 2050، سيقيم 6.5 بليون إنسان أي ثلثا البشرية، ويعملون في المدن. عام 1950، كان أقل من بليون شخص يعيش ويعمل في المدن.

لكن ليست كل المدن متساوية. تتفوق المدن العالمية – التي تتصدر التجارة والفنون والتعليم- على الأخريات. فهي تتمتع بالمدى والطموح والمكانة لتُشكِّل ليس الاقتصاد العالمي فحسب بل أيضاً أفكار العالم وثقافته وسياساته ومستقبله.

ولأن المدن كبيرة ومتصلة في ما بينها، تتعالى على الحدود وتتجاهل جداول الأعمال الدولية. وتجذب الأعمال والناس والمال والتجديد.

عندما نتحدث اليوم عن العاملين خارج الدولة، نميل إلى التفكير في الجماعات الإرهابية على غرار «القاعدة» أو «الدولة الإسلامية في العراق والشام» أو الشركات متعددة الجنسيات مثل «آبل» و»بريتش بتروليوم». بيد أن القوة السلطة الحقيقية وراء الدولة تكمن في المدن.

في واقع الأمر، بدأت السياسات العالمية اليوم تشبه «رابطة الهانزا» [التي سيطرت على التجارة شمال أوروبا] في المدن في القرون الوسطى، مع مراكز عالمية تتبادل تجارياً وتتعاون في ما بينها لمواجهة المشكلات المشتركة بأساليب تمتنع الدول عن مثلها.

وعلى رغم أنها لا تتمتع بالسيادة، يتزايد استقلال المدن وتتبع سياسات تحفز على تغييرات أعرض.

توجه المدن الاقتصاد العالمي. وتعد المدن الستمئة الأكبر أكثر من ستين في المئة من إجمالي الناتج المحلي العالمي. وتضم المدن العشرين الأكبر مقرات ثلث الشركات الكبرى وتقريبا نصف عائدتها المدمجة. وتتقدم طوكيو الجمع- من جهة عدد السكان والقوة الاقتصادية ومقرات الشركات الكبرى- قبل نيويورك ولندن وباريس.

تغطي المدن اثنين في المئة من سطح الأرض فقط لكنها تستهلك 78 في المئة من طاقتها وتتسبب في 60 في المئة من انبعاثات غازات الدفيئة. وفي الوقت الذي تتجادل الدول فيه حول التغير المناخي، التقت المدن المهمة وفعلت شيئاً تجاه الأمر.

واحد من هذه الجهود هو مجموعة «سي 40» وتضم 75 مدينة كبرى تجمع وتتبادل المعلومات للقيام بأعمال محددة تعالج التغير المناخي. وتساهم المدن الكبرى بآلاف الطرق، من الإضاءة الأفعل للشوارع إلى تحسين وسائل النقل العام، في تحقيق تغيير في الاحتباس الحراري العالمي.

تتابع المدن أيضاً سياساتها الخارجية الخاصة. ولدى شنغهاي مكتبها للعلاقات الخارجية فيما أسست ساو باولو علاقات ديبلوماسية مع عشرات الدول. بدورها، أنشأت هذه الدول بعثات تمثيلية في هذه المدينة أكبر من تلك التي تقيمها في العاصمة برازيليا.

تتكامل العواصم الكبرى مثل لندن وطوكيو وباريس في مجال السياسة الخارجية مع حكوماتها الوطنية. لكن حاجة المدن العالمية التي لا تتخذها الحكومات مراكز وطنية لها، مثل شيكاغو أو شنغهاي، تزداد إلى صوغ سياسة خارجية خاصة بها من خلال تنسيق المساهمة العالمية لشركاتها الكبرى ومراكزها الأكاديمية الأرفع مستوى وهيئاتها المدنية، بأوجه تعود بالنفع على المدينة وعلى مواطنيها ككل. ستشكل الاتجاهات الاستراتيجية الأعم والمزيد من التعاون وتحسين التنسيق لمساهمة عالمية من هذا النوع المعادل لسياسة خارجية لمدينة مثل شيكاغو.

بإيجاز يتعمق تسيير المدن العالمية للشؤون الدولية اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وثقافياً. ولم تعد مجرد أماكن للعيش. بل انقلب عوامل قيادية على المسرح العالمي.

 

 

?* رئيس «مجلس شيكاغو للشؤون الدولية»، عن «ذي فايننشال تايمز» البريطانية، 26/5/2015، إعداد حسام عيتاني


طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك