المقالات
مصر: «شاومينغ» ورفاقه يسطرون نهاية «زمن الغش الجميل»
يبدو المشهد برمته كأنه منقول من فيلم خيال علمي اجتماعي كوميدي. فلا الأبطال يبدون طبيعيين، ولا الحوار يخضع لقواعد منطق مكتوب أو معروف أو منقول،
– أمينة خيري
الإثنين,15 يونيو 2015 - 06:39 ص
مشاهدات: 468
يبدو المشهد برمته كأنه منقول من فيلم خيال علمي اجتماعي كوميدي. فلا الأبطال يبدون طبيعيين، ولا الحوار يخضع لقواعد منطق مكتوب أو معروف أو منقول، ولا الهزل يتوقف بمرور الأيام، أو بالأحرى السنوات، ولا رد فعل الجمهور يتحرك قيد أنملة.
أنامل يصفها البعض بـ «ذهبية» وينعتها آخرون بـ «شيطانية» تدق على لوحة مفاتيح كومبيوتر ما في مكان ما في مثل هذا الوقت من كل عام، وهو الوقت المؤرخ تعليمياً بـ «موسم الامتحانات»، ناقلاً «بشرى خير» لقطاع عريض جداً من الطلاب و»فيروس شر» لقطاع آخر منهم، وذلك على مدار السنوات الثلاث الماضية التي ليس فيها ما يميزها سوى «مأسسسة» الظاهرة وإن كانت غير شرعية، وتأطيرها على رغم كونها غير أخلاقية. فالغش في الامتحانات ظاهرة قديمة قدم الامتحانات. لكن هذه الأيام تحولت الظاهرة إلى وحش مفترس يأتي على أخضر وزارة التربية والتعليم ويابس التعليم في مصر.
«أنا أسطورة لا تنتهي إلا بإصلاح التعليم في مصر»! إعلان واضح وصريح وكلمات من نار وتحد غير مسبوق أعلنه «شاومينغ» على صفحته الفايسبوكية. الصفحة المتخصصة في تحميل امتحانات نهاية العام المسربة مع الحلول تحولت إلى كابوس الحكومة ومنغص حياة الطلاب الذين أهدروا عاماً دراسياً كاملاً في المذاكرة والتحصيل، ومصيبة الأهل الذين أنفقوا ما يملكون وأحياناً ما لا يملكون عبر قروض بنكية لتمويل الدروس الخصوصية. لكنها في الوقت نفسه تظل حلماً جميلاً يداعب طلاباً يعتبرون المدارس والتعليم والمنظومة الدراسية برمتها منغصات حقيقية وشراً لا بد منه.
ويبدو أن مؤسس الصفحة – وهويته غير معروفة - متأثر إلى حد كبير بفكر روبن هود، الفارس الشجاع، اللص الطيب، الحرامي النبيل. «على الوزارة (التربية والتعليم) أن تدرك أنها لو تساهلت مع أبنائها واحتضنتهم واستوعبتهم لرأت أجيالا من العلماء والمهندسين والأطباء إن لم يأتوا الآن، فلن يأتوا بعد ذلك».
وتأتي رؤيته لحل متلازمة الثانوية العامة / الكارثة/ كابوس كل بيت مصري بوصفة واضحة تطالب الحكومة بإلغاء النظام المعمول به حالياً حيث يدور سباق تناحري على حشو الأدمغة بما ثقل حمله ورخص ثمنه من معلومات على مدى سنوات الدراسة, لتصل حد الجنون في الصف الثالث الثانوي او الباكالوريا, ومنها إلى نظام التنسيق حيث يتمكن من أحرز درجات عالية من أن يصبح طبيباً او مهندساً او اعلامياً او دبلوماسياً, في حين يجد اصحاب الدرجات الضعيفة أنفسهم محاسبين ومحامين وفلاسفة واختصاصيين اجتماعيين (بحسب رؤية مكتب التنسيق). ويقول شاومينغ على صفحته التسريبية «جربوا الموضوع ولو سنة واحدة، وشوفوا لو كل واحد دخل برغبته دون إجبار التنسيق أو التقيد بدرجات، وانتظروا السنة اللى بعدها، وطابقوا نسبة النجاح والسقوط فى الكليات، هل ستقل حقاً؟ أم ستزيد؟ ساعتها مش هايكون لشاومينغ دور لأن فكرته هاتكون انتهت. أنا أسطورة لن تنتهي قبل إصلاح التعليم».
«أسطورة» شاومينغ الذي يصف نفسه على صفحته بـ «الله – الوطن – شاومينغ» واختصاصه «بيغشش ثانوية عامة» ليس وحده الذي ينبري لمهمة تسريب أسئلة امتحانات نهاية العام لشهادات عدة أبرزها الثانوية العامة. حفنة من الصفحات الأخرى ذاع صيتها هذا العام على «فايسبوك» لتنقل منظومة الغش من زمن الأصالة حيث الكتابة على الأكف والنقش على الوريقات الصغيرة فيما كان يعرف بمنظومة «البرشام» ومنها إلى الغش بمكبرات الصوت من قبل عناصر مساعدة مرابطة على أبواب لجان الامتحانات وأحياناً عن طريق المراقبين أنفسهم الذين يعتبرون تغشيش الطلاب عملاً خيراً يضاعف حسناتهم ويعزز مكانتهم يوم الحساب، ثم الغش بأجهزة المحمول المهربة إلى داخل اللجان، وأخيراً في زمن المعاصرة الغش من المنبع حيث تسريب أوراق الأسئلة وتحميلها بإجاباتها على صفحات عنكبوتية.
ومن الصفحات العنكبوتية وعلى النهج نفسه صفحة «غش من غير برشام» ومنهجها «غش في الثانوية وهات الدرجة النهائية» حيث يختلط الجد بالهزل، وإثارة اللحظة بمصيبة المستقبل. مناقشات وحوارات و»لايك» و»شير» ومطالبات بـ «بسرعة نزيد منطق ثانية أزهرية» و»أرجوكم محتاجين امتحان الجبر قبل الامتحان بوقت كاف» وتبادل الشكر والثناء وتقييم الإجابات المختلفة التي يتم تحميلها، وأخيراً الدعاء لكل من يساهم في هذا العمل الخير الذي يعود بالنفع على الطلاب والطالبات، لا سيما أن شهر رمضان بات على الأبواب. الأبواب الرمضانية مع الصفحات التسريبية في ظل الأدعية الدينية مكللة بالمباركات الطلابية والمطالبات بتحميل الامتحانات المسربة وإجاباتها قبل موعد الامتحانات وليس أثناءها مذيلة بـ «جزاكم الله خيراً» تجعل المشهد برمته أقرب ما يكون إلى الكوميديا السوداء والفصامات الحمقاء.
فمن دعاء روحاني بالخير والكرم والجنة وهو الفصام الديني حيث خط فاصل بين ال»شير في الخير» والشر الواضح، إلى اعتبار التسريب شكلاً من أشكال النضال والفداء. «غشاشون فدائيون» صفحة أخرى تتخذ من تسريب الامتحانات وحلولها نضالاً وفداءً، وتفتخر بإنها صفحة التسريب الوحيدة التي تستعين بمعلمين لحل الأسئلة!
أسئلة عدة تطرحها الظاهرة، حيث رد فعل وزارة التربية والتعليم المتميز بالسكون والهدوء والخمول، وقواعد منع اصطحاب أجهزة المحمول مع الطلاب والتي يبدو جلياً إنها مهلهلة، وأخلاقيات ما يصح وما لا يصح لدى الطلاب أنفسهم إذ يبدو أن مسألة الغش لا تقلق كثيرين بمن فيهم طلاب الأزهر الشريف، ومواقف الأهل الذين قلما يسمع لهم صوت أو اعتراض، ناهيك عن أسئلة أخرى تفرض نفسها. هل الطلاب الذين سينجحون ويحرزون درجات مرتفعة بفضل الامتحانات المسربة، ثم يلتحقون بأحسن الكليات وينضمون إلى سوق العمل، سيتمكنون من الارتقاء بالوطن وإكمال مسيرة البناء والتنمية مع أبنائهم على القواعد نفسها؟ وهل مثل هذه الصفحات هي الطريقة الأمثل للضغط على الدولة لتغيير نظام التعليم العقيم؟ وهل يأتي وقت يحن فيه المصريون إلى «زمن الغش الجميل» حيث الكتابة على الكف وتهريب «البرشامة» أقصى ما يطمح إليه خيال الطالب؟
لكن ربما تكون تلك الأسئلة هي من النوع العصي على التسريب غير القابل للإجابة لأن الإجابات هنا تصبح موجعة.