ندوات ومؤتمرات
منظّمة شنغهاي للتعاون... هل تصير النسخة الشرقية لحلف الأطلسي؟
سلّطت قمّة منظّمة شنغهاي للتعاون، التي عقدت في بيجينغ أوائل حزيران (يونيو) الجاري، الضوء على هذا التكتل من الدول الممتدة من الصين الى آسيا الوسطى. لكن المنظّمة، التي كان الرئيس الروسي بوتين المحرّك عل
ACCR
السبت,7 يوليو 2012 - 12:39 م
مشاهدات: 65
سلّطت قمّة منظّمة شنغهاي للتعاون، التي عقدت في بيجينغ أوائل حزيران (يونيو) الجاري، الضوء على هذا التكتل من الدول الممتدة من الصين الى آسيا الوسطى. لكن المنظّمة، التي كان الرئيس الروسي بوتين المحرّك على إنشائها في العام 2001، من أجل احتواء النفوذ الأميركي في جمهوريات آسيا الوسطى السابقة، والاحتفاظ بما تبقّى لروسيا من نفوذ فيها عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، باتت اليوم مع الوثبة الاقتصادية للصين بمثابة تجمّع سياسي ـ عسكري يراد له أن يكون موازياً للتجمّع الغربي الممثّل في حلف شمالي الأطلسي. «المشاهد السياسي» ـ لندن > اللافت في قمّة منظّمة شنغهاي للتعاون الأخيرة، أن المواقف التي اتّخذتها القمّة من القضايا الدولية مثّلت في الجوهر انعكاساً لموقفي روسيا والصين من هذه القضايا، ولا سيما معارضة الحلول العسكرية في كل من سورية وإيران. وإذا ما أضيفت الى المواقف السياسية المناورات العسكرية المشتركة تحت الاسم الرمزي «مهمّة سلام 2012»، التي جرت مؤخّراً في طاجيكستان بمشاركة الدول الأعضاء في المنظّمة، وهي الى الصين وروسيا، طاجيكستان وقرغيزستان وكازاخستان وأوزبكستان، (تركمانستان تتمتّع بصفة عضو مراقب)، فإن تعاوناً عسكرياً يبدو في طريقه الى التبلور بين دول المنظّمة. وكانت المنظّمة استفادت بعيد إطلاقها في مدينة شنغهاي الصينية من الطفرة في الأسواق النفطية. وتعتبر الصين من أكبر الدول استهلاكاً للطاقة وأكثر الاقتصادات نموّاً في العالم. وكانت السياسة العالمية لأسواق الطاقة من العوامل الأكثر جذباً لدول الى المنظّمة بصفة مراقب، من إيران الى الهند الى باكستان. كما أن دولاً أخرى، مثل منغوليا وأفغانستان ونيوزيلندا وتركيا، وجدت مصلحة في الانضمام الى المنظّمة بصفة مراقب أيضاً. ومع الارتفاع التاريخي في أسواق النفط العالمية، وتزايد التتافس على مصادر الطاقة، ومع اشتداد التنافس على مد خطوط لأنابيب الطاقة الى الأسواق الرئيسية في أوروبا والشرق الأقصى، فإن كلاً من الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والصين بذلت جهوداً ديبلوماسية من أجل الحصول على عقود للتنقيب عن النفط واستخراجه وتصديره من آسيا الوسطى. وفي المقابل، كانت دول آسيا الوسطى تستفيد من هذا التزاحم الديبلوماسي والاقتصادي والأمني على خطب ودّها، من خلال التمتّع بامتيازات تمتد من الحصول على مساعدات اقتصادية وضمانات أمنيّة واستثمارات في قطاع الطاقة. ويترتّب على انضمام إيران الى المنظّمة بصفة مراقب بعض المشاكل، بسبب المواجهة التي تخوضها إيران مع الغرب في شأن ملفّها النووي. وهذه من القضايا الشائكة التي قد تدفع بالمنظّمة الى مرحلة تجد نفسها فيها في مسار تصادمي مع واشنطن. وقد برزت ملامح من هذا النوع في اجتماع المنظّمة الأخير في بكين، حين أعلنت المنظّمة معارضتها توجيه ضربة عسكرية لإيران ومعارضتها فرض عقوبات آحادية عليها، باعتبار أن ذلك لن يحلّ المشكلة وإنما سيزيدها تعقيداً. ومن المعروف أن مواجهة النفوذ الأميركي في آسيا الوسطى هو من الأهداف التي تعمل لها روسيا والصين، مع العلم أن بكين أكثر حذراً في إبداء النيّات على خوض مثل هذه المواجهة، وتفضّل التركيز على بناء اقتصادها، وتالياً زيادة قوّتها. ومن هنا حرص مسؤولون صينيون، قبل انعقاد قمّة المنظّمة، على الاعلان أن هذا التجمّع من الدول لا يطمح أبداً الى التحوّل تكتّلاً عسكرياً أو التحوّل نسخة شرقية لحلف شمالي الأطلسي. ومن الواضح أن الصين تضع العلاقات الثنائية مع إيران في خانة تطوير موقف طهران ليصير أكثر إيجابية في التعاطي الدولي. وليست إيران وحدها التي تتطلّع الى بناء علاقات أفضل مع الصين، فهناك باكستان التي تأمل في تتحوّل أراضيها الى «ممرّ للطاقة» من أسواق آسيا الوسطى والشرق الأوسط الى الصين. وفي هذا النطاق الجغرافي الواسع من الصين الى آسيا الوسطى وإيران وباكستان، تبرز شبكة معقّدة من العلاقات الاقتصادية والأمنيّة لا يمكن لمنظّمة بهذا الحجم إلا أن تتحدّث في قضايا دولية، وتبدأ في بلورة شراكة استراتيجية في هذه البقعة الجغرافية من العالم. لكن عماد هذه الشراكة ستكون روسيا والصين. وتسمّي صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية العلاقات الروسية ـ الصينية بـ«شراكة المصلحة»، فالدولتان، بحسب الصحيفة، «تمنحان دعمهما لنظام بشّار الأسد في سورية، والعلاقات الثنائية بينهما في ازدهار مطّرد، وقد شجّعها تدشين خط جديد لأنابيب النفط. وهما تتعاونان في مختلف الأوساط الدولية». إلا أن الصحيفة، على رغم ذلك، تشكّك في نيّات كل من موسكو وبكين، وترى أنه «بالنسبة الى روسيا فإن الشراكة مع الصين تخدم أهدافاً عدّة. فهي تشكّل ثقلاً مضادّاً للهيمنة الأميركية، وتساعد على منح الشرعية لسياسة بوتين الداخلية والخارجية، وتعزّز مواقف موسكو حيال الغرب. أما بالنسبة الى الصين، فالعلاقة مع موسكو تخدم أهدافاً مختلفة، فهي من أجل ضمان حسن الجوار والاستقرار شمالي آسيا، وللتحقّق من عدم وقوف موسكو ضد مصالح الصين الاقتصادية في آسيا الوسطى». وإذا كانت «نيويورك تايمز» تعكس الحذر الأميركي من تنامي العلاقات الروسية ـ الصينية، فإن البلدين يوليان الناحية الاقتصادية في علاقاتهما اهتماماً استثنائياً، ففي الوقت الذي يعاني الاقتصاد العالمي ركوداً بسبب الأزمة المالية التي اجتاحت الغرب في العام 2008، فإن التعاون الروسي ـ الصيني ازدهر في مجالي التجارة والطاقة، وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 80 مليار دولار في العام 2011، مما يعني ارتفاعاً سنوياً قدره 42.7 في المئة. وتعدّ الصين الشريك التجاري الأكبر لروسيا، ولقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال الربع الأول من هذه السنة 21.49 مليار دولار، أي بزيادة تقدّر بـ33 في المئة. وإلى البعد الاقتصادي الذي تمثّله منظّمة شنغهاي للتعاون، فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يجد في الاتجاه شرقاً تعويضاً عن العزلة المتزايدة التي يواجهها في الغرب بسبب سياساته، سواء الداخلية أو الخارجية. فالمسؤولون الغربيون لا يخفون امتعاضهم من الديمقراطية على الطريقة الروسية، ويواصلون التنديد بطريقة التعامل مع المعارضة المتصاعدة على حكم بوتين العائد الى الرئاسة لولاية من ست سنوات قابلة للتجديد، مما يعني انه سيبقى في الحكم الى سنة 2024. كما أن المواقف التي يتّخذها في القضايا الدولية تلقى مزيداً من الشجب الغربي، ولا سيما مساندته للنظام السوري ومنع مجلس الأمن من الخروج بموقف موحّد حيال الأزمة السورية. ومن هنا يصير الفضاء الشرقي أكثر راحة في التعامل مع بوتين. أضف الى ذلك أن بوتين لا يزال يشعر بحنين الى العهد السوفياتي الذي كان يتولّى فيه رئاسة جهاز الـ«كي جي بي». ولذلك يسعى الرئيس الروسي الى الوقوف في وجه التمدّد الغربي نحو الجمهوريات السوفياتية السابقة، من آسيا الوسطى الى أوروبا الشرقية. وهو لا يزال يحول دون انضمام جورجيا وأوكرانيا الى حلف شمالي الأطلسي، كما أنه يرفض نشر الدرع الصاروخية لحلف شمال الأطلسي في بولونيا والجمهورية التشيكية، معتبراً أن الهدف من نشر الدرع هو محاصرة روسيا وليس التصدّي للصواريخ الإيرانية كما تعلن الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، كانت منظّمة شنغهاي للتعاون التي وجدت في الأصل للوقوف في وجه التغلغل الغربي عموماً والأميركي خصوصاً في آسيا الوسطى. وهذا لا يعني أن المنظّمة التي لا تزال حتى الآن عبارة عن تجمّع يسعى الى تدعيم روابطه الاقتصادية، يمكن أن تتطوّر نحو اتجاهات أمنيّة وعسكرية تبدأ في المناورات المشتركة للتطوّر في يوم من الأيام نحو تحالف عسكري معلن >