المقالات
الدعوة الإسلامية في عصر المعلومات
تشكل اليوم قناعة لدى القادة والمفكرين وكثير من الناس أن العالم على أعتاب مرحلة جديدة سببها تقنية "المعلومات والاتصالات" تتغير فيها جذرياً موازين القوى والاقتصاد والتجارة ومنظومة الحياة والقيم. وقد لقيت الدراسات التي تبشر بهذا التحول إقبالاً واهتماماً كبيراً، وكان أشهرها "الموجة الثالثة" (لألفن توفلر)،
إبراهيم غرايبة
Saturday, May 19, 2012 - 04:16 PM
Views: 3
تإذ بيع من الطبعة الأولى من الكتاب عشرة ملايين نسخة، ويعتقد (توفلر) أن البشرية تدخل المرحلة الثالثة أو الموجة الثالثة في مسارها بعد موجتي الزراعة والصناعة، وهي مرحلة تنطوي على أنماط جديدة من الحياة والمجتمعات، تختلف جذرياً عما سبقها. وأصدر عالم الاجتماع الياباني "يونيجي موسودا" كتاباً بعنوان: "مجتمع المعلومات القادم" يتنبأ بمجتمع ياباني جديد في أشكاله وتنظيماته ومؤسساته وأدوار أفراده وحكامه ونسق القيم والمعايير التي تولد الغايات، وتحكم العلاقات بين الأفراد والمجتمع والمؤسسات . وأصدر المجلس الوطني للثقافة والآداب في الكويت كتاب "العرب وعصر المعلومات" للدكتور (نبيل علي) الذي يعتقد أن الأمة وضعها عصر المعلومات الجديد أمام مخاطر التبخر والانقراض أو تحدي التقدم والنهوض. ومن أكثر قادة إسرائيل اقتناعاً بطبيعة المرحلة الجديدة هو شمعون بيريز، الذي أصدر مجموعة دراسات منها: "مرحلة جديدة لإمكان فيها للمتخلفين ولا عذر للجهلة"، و"مارشال الشرق الأوسط"، و"إسرائيل على عتبة القرن الحادي والعشرين" ،إضافة إلى كتابه المشهور "الشرق الأوسط الجديد"، ويقترح فيها بيريز تصوراً جديداً للحياة والعلاقات في الشرق الأوسط مبنية على تغيرات مهمة. وقد سئل بيريز إثر إعلان واشنطن (الاتفاق الأردني ـ الإسرائيلي) :هل تخلت إسرائيل عن مشروع إسرائيل الكبرى؛ فقال: إسرائيل الكبرى تقنياً واقتصادياً وليس جغرافياً.. لقد بدأ الفعل الحضاري للإنسان عندما تحول من الصيد والرعي إلى الزراعة، فقد رافق ذلك الاستقرار وبناء القرى والحواضر، ونشوء الحضارات والتشريعات والفكر والفلسفة، وكان محور القوة الإنسان بعقله وحكمته وشجاعته وقوته الجسدية، واستقرت البشرية على ذلك أكثر من سبعة آلاف سنة، حتى اكتشفت الآلة البخارية والطباعة، ثم الثورة الصناعية في القرن السابع عشر؛ فتغيرت الحضارة والحياة والاقتصاد إذ أصبحت الآلة مدخل التفوق العسكري والإنتاج. ومنذ ظهر أول كمبيوتر عام 1948 حتى نهاية الثمانينيات "أي في أربعين سنة فقط" حدثت نقلات وثورات في التقنية، وانتقلت الصناعة والتجارة إلى آفاق جديدة، حتى إن الناتج العلمي لصناعة المعلومات "الكمبيوتر والاتصالات والإعلام.." تجاوز الألف مليار دولار لتكون أول صناعة في التاريخ تحقق "الترليون". وانتشرت تطبيقات صناعة المعلومات في كل اتجاه ومجال للحياة: في المصانع، والحقول، والمنازل، ومكاتب الإدارة، وسفن الفضاء، وفصول الدراسة، وغرف العمليات، وبمستويات من التطبيق تراوح بين المهارات الدنيا، وتصل إلى أدقها وأعلاها؛ كالترجمة ومعالجة المعلومات، وتشخيص الأمراض، وقراءة الخرائط والتدريب، والتعليم الذاتي، والتسلية... إن هذه التطبيقات الجديدة في التقنية ستنتقل بحياة الناس الاقتصادية والاجتماعية والعلمية إلى آفاق جديدة، وستطرأ عليها تغيرات جوهرية؛ فينقرض جزء منها وتزداد أهمية أجزاء أخرى، وتتغير صيغ الإدارة والعلاقات والقيم والهياكل والبنى التنظيمية والاجتماعية والتشريعات والأنظمة. فالعمل تغيرت طبيعته وأهميته؛ فكان توزيعه مثلاً في أمريكا حتى أوائل القرن العشرين كما يلي: معلومات: 8%، صناعة: 61%، زراعة: 24%، وصارت نسبة العمالة في مجال الصناعة في الأربعينيات 40%، (لاحظ انتقال الأهمية من الزراعة إلى الصناعة) في عام 1980 كان توزيع العمالة: معلومات 54%، صناعة 20%، زراعة 4%، (انتقلت الأهمية من الصناعة إلى المعلومات). ويقصد بالعمالة في مجال المعلومات أعمال الكمبيوتر والاتصالات والنشر والإعلام والتخطيط ونظم المعلومات، والتأليف... وهو توزيع سيؤثر بالطبع على اتجاهات التعليم والتدريب لتلائم تحولات سوق العمل واحتياجاته، فمثلاً لم يعد بإمكان 30% من المدراء في أوروبا وأمريكا إحراز ترقيات بسبب عجزهم عن استخدام الكمبيوتر. وأتاحت تقنية المعلومات تدفقاً هائلاً في المعلومات "انفجار المعلومات" وإمكانية تحصيلها، حتى أنه ينشر في العام الواحد أكثر من مائة مليون صفحة، وهو تدفق يشكل تراكماً في العلم والمعرفة واستدراكاً ونقضاً ، حتى إن عالماً مثل "اميليو سيريجر" الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء يقول: أجد من المستحيل عليّ مراجعة كل ما يكتب عن الميزونات (أحد مكونات الذرة(. وهو تدفق يغير العلوم والمعارف والمعلومات بسرعة تجعل نصف ما تعلمه المهندس عفا عليه الزمن خلال خمس سنوات، وتجعل التعليم المستمر وإعادة التأهيل جزءاً مستمراً وضرورياً من برامج المؤسسات والأفراد. وبانتشار المعلومات وسهولة الحصول عليها بالأقمار الصناعية، وشبكات الاتصال والإنترنت تصعب، وقد تستحيل أعمال الرقابة، وضبط تدفق المعلومات وتبادلها، وربما يفسر هذا التحولات نحو الديمقراطية و الانفتاح الذي جرى في الاتحاد السوفيتي سابقاً وأوروبا الشرقية. لقد أصبحت المعلومات مصدر القوة الأساسية، وستكون معياراً اجتماعياً ووسيلة ارتقاء ومورداً اقتصادياً، وتتأكد قيمة احترام الملكية الفكرية، والحرص على البيانات والأمانة العلمية. وأدى تحول التقنية من محاكاة الجسد والعضلة إلى محاكاة الذهن والعقل إلى تغيير في ترتيب أهمية العلوم؛ فكان تطوير الصناعة يعتمد على الفيزياء والرياضيات وتطبيقاتها الهندسية، ولكن تقنية المعلومات زادت أهمية الإحصاء والاحتمالات وعلم الحياة وعلم النفس واللغة والاجتماع لإعادة وتطوير فهم الإنسان والعقل؛ فبرامج الذكاء الاصطناعي تعتمد على مقدرة الإنسان على ضبط هذه العلوم، وتحويلها إلى قواعد ومناهج وقوانين كالفيزياء والرياضيات، وقد بدأ هذا يتحقق بالفعل وبخاصة في مجال اللغويات. وبما أن الإنسان يتعلم كل لحظة ويزداد علمه ويعيد النظر باستمرار فيما تعلم فسيتجه العلم باتجاه التعلم الذاتي والنسبية دون التفات إلى الحقائق المطلقة وتتحول خصائص الحياة والعمل والعمران من الديمومة والثبات إلى التغير والزوال والجدة. ولا يمكن الفراغ من رصد متوالية التغيير ومسارات الحضارة والمجتمعات، ولكن الغرض تأكيد وجاهة السؤال الذي يقتضيه العنوان : إلى أين يتجه العمل الإسلامي؟ لقد أصبحت مداخل التأثير والتوجيه متنوعة، ومعقدة منها الصحف المتطورة والقنوات الفضائية وشبكات المعلومات، وسيؤدي الغياب عنها إلى شلل وتراجع وانحسار. وازدياد أهمية المعلومات وقيمتها يعني أن تكون قواعد البيانات ومراكز البحوث والدراسات محوراً أساسياً في العمل لأجل الإحاطة بمدخلات العمل والتخطيط والقرار الصائب الراشد. ويكون التدريب وإعادة التأهيل لعناصر العمل وفق هذه الاحتياجات الجديدة جزءاً رئيساً من برامج العمل ومواضع الإنفاق والموازنات. إنها متوالية غير منتهية في المسارات والآفاق الجديدة، وليس هنا موضع الإشارة لها أو الإحاطة بها، ولكن الهدف هو التأكيد على أهمية التفكير بالآفاق والمراحل الجديدة، وتنمية الإدراك والشعور بهذه المرحلة والمخاوف المرافقة لها، وقد كدت أكتب عنوان المقال "حتى لا نتبخر" أو "قبل أن ننقرض".