Breaking
المقالات

مخاوف دولية: تأثيرات "الأسلحة الكيماوية" على الأزمة السورية

على الرغم من أهمية الترتيبات السياسية التي ربما تكون هي الجديرة بمنع تجدد الصراع أو تقسيم سوريا في مرحلة ما بعد الأسد؛ فإن الدول الغربية وإسرائيل قد أولت اهتمامًا كبيرًا للتداعيات الأمنية المحتملة لبرنامج التسليح السوري، ومنها قدراته في مجال الأسلحة الكيماوية.

مخاوف دولية:   تأثيرات "الأسلحة الكيماوية" على الأزمة السورية
Click to enlarge

وبدأت وسائل الإعلام -خاصة الغربية- تدق "ناقوس الخطر" أمام فقدان السيطرة على أسلحة الدمار الشامل في مرحلة ما بعد انهيار نظام الأسد، وهو الوضع الشبيه بالحالة العراقية، والذي ربما سيؤدي إلى اختلال جديد في التوازن الإستراتيجي في المنطقة، وهو ما يثير التساؤل حول توقيت الاهتمام بتلك القضية، وهل تنطلق من حقائق أم أنها مجرد مبالغات إعلامية لاستخدامها سياسيًّا للضغط على النظام السوري؟ وما هو تأثير ذلك على القدرات العسكرية السورية؟ وما مدى تأثير ذلك على احتفاظ سوريا الدولة وليس النظام بأسلحتها الكيماوية، وهل سيتم نزعها أم نقلها أم تدميرها؟ أم يمكن الاحتفاظ بها وما موقف القيادة الجديدة والجيش السوري الحر من ذلك؟

أولا: مصير الأسلحة الكيماوية

مع تفجر المظاهرات ضد نظام الأسد وتحولها من الجانب السلمي إلى مواجهات عسكرية بين النظام السوري والمعارضة، وخاصة بعد حدوث انشقاقات داخل الجيش السوري؛ إلا أن ذلك لم يوقف التدهور الأمني، أو يضع حلًّا سياسيًّا مع المعارضة، وذلك مع دور الدعم الخارجي الذي تلقاه المعارضة، والنظام السوري الذي يستند إلى تأييدٍ إقليمي يتمثل في العراق وإيران وحزب الله وغطاء دولي مدعوم من روسيا والصين.

وقد دفع نجاح المعارضة في توجيه ضربات نوعية لنظام الأسد ومنها قيام ذراعها العسكري الملقب بالجيش السوري الحر بتفجير مقر الأمن القومي في دمشق مستهدفًا خلية الأزمة التي تدير الحل الأمني، إلى جانب التقدم في المواجهات مع الجيش النظامي على الأرض؛ إلى الاعتقاد بأن نهاية نظام الأسد قد اقتربت بعد ما يزيد على عام ونصف من المواجهة، وبدأ الحديث حول الترتيب لمرحلة ما بعد الأسد بما فيها الموقف من التداعيات الأمنية إقليميًّا ودوليًّا، ومن أهمها ملف التعامل مع مقدرات سوريا من الأسلحة الكيماوية، وخطر فقدان السيطرة عليها.

وبدأ تحرك دولي لتعزيز تلك المخاوف تقوده إسرائيل والولايات المتحدة على النحو الذي تم في العراق من استخدام ورقة أسلحة الدمار الشامل كمسوغ لغزوه عام 2003 بعد فشل التدخل عبر مجلس الأمن، واتهام إسرائيل لسوريا باستقبال أسلحة كيماوية وبيولوجية تم تهريبها من العراق.وقد حظيت الأسلحة غير التقليدية لدى سوريا بمزيد من القلق لدى إسرائيل، وعملت على تحجيم تلك القوة التي تحاول أن تخلق توازنا إستراتيجيًّا معها، وخاصة مع عدم تصديق سوريا على معاهدة حظر انتشار الأسلحة الكيماوية عام 1992.

وكانت سوريا قد وقَّعت على اتفاقية الأسلحة البيولوجية السامة في 14 إبريل 1972. ولكنها لم تصدق عليها على الرغم من تصديقها في عام 1968 على بروتوكول جنيف لعام 1925 بشأن تحريم استعمال الغازات الخانقة والسامة والوسائل الجرثومية في الحروب.

وتعود قدرات سوريا في مجال الأسلحة الكيماوية للفترة التي سبقت حرب 1973، واستخدمتها في مجال الصناعات الدوائية، وتطورت في الثمانينيات، وهناك غموض حول الحجم الحقيقي لتلك القدرات، أو مواقعها، أو مدى تطورها، ويتم استغلال حالة الغموض تلك في نشر معلومات قد تكون غير واقعية؛ إلا أن بعض التقديرات تشير إلى أن بعض مخازن الأسلحة الكيماوية تقع في دمشق واللاذقية وحمص وحماة، وتشتمل على السارين، وغاز الخردل، والسيانيد السام، والفي إكس، ولدى سوريا ترسانة من صواريخ أرض أرض مثل سكود القادرة على حمل رءوس كيميائية.

وقد وصلت حالة التضخيم من قدرات سوريا في مجال الأسلحة الكيماوية إلى الحد الذي تم وصفها بأنها أكبر مخازن للأسلحة الكيماوية في العالم، ويهدف ذلك إلى إرباك النظام السوري، ومحاولة فرض الشرعية للتدخل الخارجي الذي فشل عبر آلية مجلس الأمن، وإحراج القوى المؤيدة لنظام الأسد، وخاصة مع العديد من ردود الأفعال الدولية حول مصير الأسلحة الكيماوية.

فقد عبرت كل من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي عن قلقهما، خاصة وأن لدى الأمم المتحدة برنامجًا لنزع السلاح، ونجاحها في تدمير الأسلحة الكيماوية وتأمين المواد القابلة للاستخدام في الأسلحة النووية في روسيا. ولهذا فإن مصير مستقبل الترسانه العسكرية السورية مربك، وبخاصة بعد ظهور انشقاقات في الجيش وتأثير ذلك على السيطرة على القدرات السورية في التسليح وبرامج أسلحة الدمار الشامل وبخاصة السلاح الكيماوي، وما يهدد بإمكانية استخدامها دون قيود أو قواعد، وإمكانية نقلها إلى خارج سوريا، وإلى وصولها إلى جماعات متطرفة في المنطقة، أو ما يمكن أن يتمثل في نمو سوق سوداء لتجارة السلاح في المنطقة.

ثانيا : مفاتيح القوة السورية

تختلف الحالة السورية عن الليبية فيما يتعلق بوجود جيش منظم، أو في القدرات العسكرية، أو في حجم أهميته كعنصر ردع لإسرائيل، كون الجيش السوري هو الأكثر تنظيما وتسليحا وتدريبا، إضافة إلى تأثير ذلك على العلاقة مع إيران وحزب الله الحليف الإستراتيجي والعلاقة مع روسيا والصين.

وعلى الرغم من وجود قدرات سورية في مجال الأسلحة الكيماوية؛ إلا أنها لا تضاهي ما لدى إسرائيل من مخزون الأسلحة الكيماوية، فضلا عما تمتلكه إسرائيل من قدرات في مجال الأسلحة النووية، خاصة وأن لجوء سوريا لمثل تلك الأسلحة كان لتحقيق نوع من الردع الإستراتيجي مع إسرائيل.

وتعد محاولة تدمير القدرات الصاروخية لدى سوريا بحجة استخدامها في نشر الأسلحة الكيماوية يصب في النهاية في تحقيق ضعف إستراتيجي هائل لسوريا، والتي ما زالت في حالة حرب مع إسرائيل بشأن هضبة الجولان المحتلة، وتؤدي السيطرة على برنامج التسليح السوري إلى إزاحة قوة عسكرية كانت تشكل تهديدًا لأمن إسرائيل، وبعد إنهاك الجيش في معارك الداخل على المستوى التنظيمي والمعداتي، بالإضافة إلى مخاطر قيام دولة طائفية جديدة في سوريا، وتأثيرها على التحكم، والسيطرة في القوة السورية.

إن سقوط نظام الأسد لن يوقف التدخل الخارجي؛ بل سيستمر حتى نزع تلك الأسلحة، ثم توجيه اتهام إلى حزب الله بالحصول على بعض تلك الأسلحة، وهو ما قد يؤدي أيضا إلى ضغوط دولية لنزع سلاح حزب الله. وذلك بعد قطع خطوط الإمداد للسلاح السوري أو الإيراني، فضلا عن إنهاء الدعم الأيديولوجي، وفقدان إيران أهم حليفين إستراتيجيين في المنطقة، وتصبح عرضة بقوة لهجومٍ مسلح لشل قدراتها بعد تلقيم أظافرها الإقليمية، وتقديم دعم غربي لمحور تقوده السعودية ضدها، وهو ما يخلق في النهاية وضعًا إستراتيجيًّا مختلا للغاية في التوازن العسكري في المنطقة في الأسلحة التقليدية وغير التقليدية، وخاصة بعد تدمير قدرات العراق العسكرية، وإنهاء طموحات ليبيا العسكرية، وحالة ضعف الجيش الأردني واللبناني.

ولا يبقى في المنطقة سوى الجيش المصري كقوة عسكرية وحيدة في مواجهة القدرات العسكرية الإسرائيلية، والذي كان يعتمد على السند الإستراتيجي للقوة العسكرية السورية، وتبقى مسألة اعتماد الجيش المصري على المساعدات العسكرية من الولايات المتحدة فضلا عن تأثير تحولات الحكم من الطابع العسكري إلى المدني وما قد تحمله من تأثير سلبي على مقومات الجيش المصري، وخاصة إذا ما ربطت الولايات المتحدة دعمها العسكري له بفرض شروط جديدة تتعلق بمستوى تسليحه، أو ما يتعلق بمسيرة التحول الديمقراطي في مصر.

ثالثا: الاستعدادت الدولية لمواجهة السلاح الكيماوي

اكتسبت الأزمة السورية وضعًا خاصًّا مقارنةً بدول الربيع العربي مثل ليبيا، وخاصة فيما يتعلق بالتدخل الدولي. ففي حين تكالبت القوى الدولية للمشاركة في الحرب على ليبيا للفوز بعقود النفط؛ فإن المزايا الإستراتيجية التي ستتحقق حال سقوط نظام الأسد هي المحرك الأساسي لقوى غربية، ومن أهمها الولايات المتحدة وإسرائيل.

قامت الولايات المتحدة بدعوة كل من الأردن وإسرائيل وتركيا والسعودية ومصر لوضع طريقة للاستعداد لأي احتمال يتعلق بمصيرها في مرحلة ما بعد الأسد. وبرز ذلك في زيارات على مستوى القيادات الأمنية بين دول المنطقة والولايات المتحدة، ولم تقف جهود الولايات المتحدة على تحريك الضغوط الدولية على سوريا؛ بل امتد إلى دعم الجيش السوري الحر بنظم تسليح وتدريب وخبرات عسكرية ونظم اتصالات، وإمداده بالمال، أو السلاح، أو بالمقاتلين، أو الإعلام، وأنظمة الاتصالات والإحداثيات عبر الأقمار الصناعية، وذلك عبر وسيط وممول إقليمي هو السعودية، وقطر، ومعبر إقليمي هو الأردن وتركيا.
وتم إجراء مناورات مشتركة قادتها الولايات المتحدة مع 19 دولة أخرى في مايو الماضي تحت اسم "الأسد المتأهب" في الأردن، وتم تدريب قوات أردنية على كيفية التدخل لحماية الأسلحة البيولوجية والكيماوية داخل سوريا.

وفي شهر يونيو الماضي تم إجراء مناورات أخرى بين عدة دول عربية وغربية في قاعدة "كونيا" الجوية التركية تحت اسم "نسر الأناضول"، وهو الأمر الذي يشير إلى أن تلك المناورات ما هي إلا غطاء للتدريب على عملية تدخل عسكري محدود في سوريا، خاصة وأن تدمير أو السيطرة على الأسلحة الكيماوية يتطلب نشر سحابة هائلة من الإشعاع النووي أو الكيماوي، واستخدام طائرات من دون طيار، أو إرسال فرق كوماندوز من القوات الخاصة.

وجاء ذلك في الوقت الذي أكدت فيه سوريا على عدم استخدامها تلك الأسلحة الكيماوية مهما كانت التطورات في ظل حرب نفسية وإعلامية ضدها بدأت بالحديث عن إمكانية استخدامها للحفاظ على بقاء النظام، وإمكانية استخدامها في حال التعرض للعدوان الخارجي، وخاصة مع الحديث عن تحريك تلك الأسلحة نحو الحدود السورية، بالإضافة إلى الحديث عن فقدان النظام السيطرة على مخازن الأسلحة الكيماوية.

وهو ما يأتي دون شك لإضفاء المزيد من الأسطورة حول قدرات سوريا الكيماوية، وإبراز أنها تشكل خطرًا على السلام الدولي، ويمهد الطريق لتدخل دولي من جانب الولايات المتحدة وحلفائها بعد الفشل في استصدار قرار من مجلس الأمن يوجب التعامل وفق الفصل السابع مع سوريا مع حق الفتيو لروسيا والصين.

وانطلقت الحملة الدولية التي تقودها الولايات المتحدة للتدخل لحماية الأسلحة الكيماوية السورية بالاعتماد على الإقرار بامتلاك سوريا لها، وإمكانية استخدامها عبر الصواريخ الباليستية التي تملكها، وأن المخاوف تتزايد حولها مع تطور الأوضاع الداخلية التي تهدد بفقدان السيطرة على مخازنها، وفي حالة استخدامها سيمتد تأثيرها إلى دول الجوار، وأن أمن الحدود في دول الجوار السوري تصبح له أهمية لمنع تهريبها.

وتحاول الولايات المتحدة أن يكون لها دور في السيطرة على الحدود السورية، فضلا عن بناء علاقة شراكة مع قيادات المعارضة السورية، والتعاون مع الجيش الحر عبر استخباراتها فيما يتعلق بعملية تقييم برنامج الأسلحة السورية، والحصول على المعلومات حول طبيعة التطور به، ومعرفة مواقع الأسلحة السورية بدقة، إضافة إلى مد المعارضة بأجهزة اتصال حديثة، والقيام بالتنصت على المكالمات الهاتفية والرسائل النصية والصور بالأقمار الصناعية؛ حيث تراقب الولايات المتحدة وإسرائيل مخازن الأسلحة الكيماوية عبر الأقمار الصناعية.

وإعلان إسرائيل أن كل الخيارات مفتوحة أمام التعامل مع تطورات الوضع في سوريا، بما فيها خيار توجيه ضربة عسكرية استباقية تستهدف منشآت ومخازن الأسلحة السورية، ولقي ذلك معارضة من الولايات المتحدة، خشية أن يمنح ذلك الفرصة لنظام الأسد لحشد قواته، واكتسابه شرعية جديدة في الحرب التي يخوضها، إضافة إلى خشيتها من تدخل حزب الله في القتال، وفقدان ثقة الحلفاء العرب وتركيا.

رابعا: المخرج من أزمة السلاح الكيماوي

وفي محاولة للبحث عن مخرج؛ يجب التأكيد على أنه إذا استمر النظام أم سقط فإن مقومات الدولة السورية يجب الحفاظ عليها، وتلك مسئولية الجيش النظامي، وأيضا الجيش السوري الحر؛ لأنهما من سيتحملان المسئولية التاريخية حول مصير تلك الأسلحة الكيماوية إذا ما تم استخدامها أو نقلها أو تدميرها.
وهو ما يتطلب فهمًا واضحًا لدى السوريين بأن سوريا فوق الخلاف، وفوق أي محاولاتٍ للتدخل الخارجي في محاولة لإقصاء سوريا عسكريًّا، وهو ما أكده النظام السوري الحالي بعدم استخدام تلك الأسلحة، وأنه لن يستخدمها مهما تطورت الأوضاع الداخلية، ومن جهة أخرى وفي محاولة لتلافي الرد الإسرائيلي الذي أعلن رغبته في السيطرة على الأسلحة الكيماوية، وهو ما أضر بموقف الجيش السوري الحر، وأظهره بمظهر مخلب القط الذي سيمهد لتدمير قدرات سوريا العسكرية، وهو ما دفع قيادة الجيش السوري الحر إلى الإعلان عن تشكيل وحدة خاصة لحماية وتأمين مواقع الأسلحة الكيميائية السورية، والإعلان عن عدم السماح بسيطرة إسرائيلية على الأسلحة الكيميائية والبيولوجية.

ويبقى الأمر متوقفًا على إدراك الجيش السوري الحر أهمية الحفاظ على مقدرات سوريا العسكرية، باعتبارها رصيدًا للدولة السورية، وأن شرعيته إذا ما سقط نظام الأسد ستنهار إذا ما سُلمت مفاتيح القوة السورية للقوى الخارجية التي تتصارع للاستحواذ على أسرار القوة السورية، وهو ما يفسر النشاط المحموم لأجهزة الاستخبارات في العالم حول جمع المعلومات، وكشف أسرار السلاح السوري.


Print Article Send to Friend Add Comment

Reader Comments

Share Your Opinion