ندوات ومؤتمرات
«مهرجان بيروت للرقص المعاصر».. ختامه ديجيتال ياباني
بيروت: سوسن الأبطح
تهافت المتفرجون مساء الأحد الماضي، كل يريد أن يفوز برؤية عرض الفنان هرواكي أوميدا. فالرجل معروف بتقديم أعمال مغرقة في الحداثة. لم يكن الشباب وحدهم هم من أثار فضولهم هذا الياباني ا
ACCR
Thursday, May 03, 2012 - 12:17 PM
Views: 3
بيروت: سوسن الأبطح تهافت المتفرجون مساء الأحد الماضي، كل يريد أن يفوز برؤية عرض الفنان هرواكي أوميدا. فالرجل معروف بتقديم أعمال مغرقة في الحداثة. لم يكن الشباب وحدهم هم من أثار فضولهم هذا الياباني الذي يجمع بين فن التصوير والرقص المعاصر وآخر مبتكرات التكنولوجيا، لإدهاش جمهوره، فهناك كبار وصغار لم يشاءوا أن يمضي هذا الحفل دون أن تكون لهم منه حصة. أوميدا المولود عام 1977 يقدم ما يمكن أن يسمى عرض الرجل الواحد أو «ون مان شو» في غالبية الأحيان، وهو الذي يصمم الرقص، والموسيقى الإلكترونية، وكذلك الإضاءة. ليس هذا ما يصنع فرادة أوميدا وإنما قدرته الخارقة على تركيب عرض تتناغم فيه كل هذه العناصر، في عمل مهووس بالدقة الفائقة، والانسجامية الخلاقة. هي لعبة محبوكة بمهارة لمزاوجة تفاعلية بين العلم والجسد الإنساني. أوميدا وحده على مسرح فارغ إلا منه، على وقع نبضات قلب خافقة، تأتينا قوية ومضخمة. يبدأ بتحريك يد واحدة وهو يتوسط المسرح، ثم يحرك اليدين معا، قبل أن ينتقل تيار الحركة إلى كل جسده. ما يقارب ثلث الساعة يبقى خلالها الفنان يستعرض قدراته على تحريك عضلاته بميكانيكية لا تتوفر في العادة إلا لآلة. هذا الاستعراض الجسدي على وقع موسيقى إلكترونية لا يعجب الكثيرين، الذين يريدون رؤية الجانب الأكثر إثارة وعنفوانا في أعمال أوميدا، لكنه تمهيد لا بد منه لفهم ما سيأتي في الجزء الثاني، وهو الأهم. تلتمع الخشبة بضوء باهر، قبل أن يغادرها الفنان، وكأن المساحة كلها أصابها مس كهربائي وتنطفئ الأضواء. على وقع صوت وشوشات وضجيج إلكتروني، فيه طرق وصعق، يعود أوميدا إلى وسط المسرح متسلحا بفراغ المكان ليملأ المساحة بما يريد ويرغب، من خلال الكومبيوتر الذي وضعه إلى يمين المسرح. فجأة تصبح خلفية المسرح منقوشة ومرقطة، ثم تختلف رؤيتنا للفنان حين يأتيه الضوء من يمينه أو يساره بغتة. عرض «أولستك ستراتا» قائم على توليف تناغم محسوب بعناية بين حركة جسد الراقص، وموسيقى إلكترونية، والمشاهد المتحركة التي يرسمها الكومبيوتر على خلفية المسرح وأرضيته. تتحرك الخلفية التي تكون مرقطة أو منمشة باتجاه أفقي أو عمودي بسرعة كبيرة، وكذلك هي الأرض التي يقف عليها أوميدا. حالة من الصخب الحركي الذي يبثه الكومبيوتر الذي يصنع الغرابة، خصوصا أن الراقص يحاول أن يصبح جزءا منه بتناغم معه. الأرض تذهب به يمينا وهو يلحق بها، أو تتجه به يسارا ويحاول أن يتبعها. بحيث نصبح في عالم متكامل خارج عن سياق عالمنا. الأبيض والأسود هما اللونان اللذان تم اختيارهما بشكل أساسي لنسافر بهما إلى عالم أوميدا، وأحيانا يتخللهما الرمادي. الخلفية فقط والأرضية هما اللذان ترتسم عليهما حركة متواصلة. نظن أننا في الفضاء وأميدا يصير هناك ككائن غريب عن أرضنا تأكله ظلال المشهد، ثم نرى ما يشبه الشلالات التي تنسكب قوية، في ما هو يتزحلق كأنما على جليد. هل نحن في سماء تتلألأ نجومها؟ أم في مغاور جبلية ندخل في متاهاتها؟ تتغير المشاهد سريعا وبشكل خاطف بينما أوميدا يتعايش على وقع موسيقاه وتبدلات الأماكن بمهارة حاذقة. 60 دقيقة من الإبهار والمفاجآت أو ساعة من الاستعراض لما يمكن أن يكون عليه الفن غدا، وما بمقدور التكنولوجيا أن تفعله لو أصبحت جزءا أساسيا من عروض المسرح. لا يمكن للمتفرج على هذا العرض إلا أن يتساءل ما الذي سيفعله العلم بالفن والفنانين. أوليس ما يقدمه أوميدا من غرائب مشهدية هو مجرد عينه عما ستكون عليه حال الفنون في المستقبل القريب جدا؟ هذا العرض التجريبي الاستثنائي قدم في ختام «مهرجان بيروت للرقص المعاصر»، الذي استطاع هذه السنة ولمرة جديدة أن يعرف متفرجيه على جديد العروض في العالم وأكثرها ابتكارية. أوميدا كان مسك الختام. وهو فنان تجريبي بات له صيت عالمي بعد أن قدم ابتكاراته في كندا وبلجيكا وفرنسا ولندن ومدينته طوكيو، خالبا الألباب بصرعاته وتجديداته التي تحاول أن تستفيد من آخر التقنيات وأقصى ما يمكن لجسده أن يصل إليه من مرونة ولدانة. هناك من أطلق اسم «الرقص الرقمي على ما يقدمه أوميدا، آخرون فضلوا اسم «رقص ديجيتال»، ولعله في كل الأحوال ليس رقصا خالصا بقدر ما هو توليفة علمية حسابية تجمع بين جسد الإنسان والتكنولوجيا، لتقول إن الإبداع اليوم هو هذه المصالحة الفنية الرائعة بين البشر وما اخترعوه من آلات. لوهلة نسأل: هل هو عرض يؤنسن التكنولوجيا أم يقدم جسد الراقص على أنه مجرد عنصر تكنولوجي لا يملك إلا أن يذوب في ما تقدمة الآلة؟ عرض فني هندسي تكنولوجي راقص، يستحق الفرجة، لا للمتعة فقط وإنما لبناء تصورات أولية عن مستقبل الفن في الأعوام القليلة المقبلة