الدراسات
هل يمكن تطبيق نظام التصويت الالكتروني في مصر ؟
بدأت العملية السياسية تتأثر بالتقدم التكنولوجى الذى أخذ يكشف بمضى الوقت عن ملامح ديموقراطية رقمية جديدة، تعبر عن نفسها من خلال التصويت الإلكترونى، الذى يتسم بشفافية الإجراءات والسرية
عادل عبد الصادق
الخميس,15 سبتمبر 2011 - 07:23 ص
مشاهدات: 18
بدأت العملية السياسية تتأثر بالتقدم التكنولوجى الذى أخذ يكشف بمضى الوقت عن ملامح ديموقراطية رقمية جديدة، تعبر عن نفسها من خلال التصويت الإلكترونى، الذى يتسم بشفافية الإجراءات والسرية وإمكانية التحقق والمصداقية فى مراحل المدخلات أو المعالجة أو المخرجات للعملية الانتخابية، ليتحول التصويت الإلكترونى ليس فقط إلى آلية فنية لإدارة الانتخابات، بل ليصبح جزءاً من العملية الديموقراطية ومسار نموها وتحدياتها فى آن واحد.، .وقد طرحت هذه المسألة العديد من التساؤلات حول ماهية التصويت الإلكترونى؟ وما هى فرص واحتمالات تطبيقه فى مصر ضمن مهام الحكومة الإلكترونية؟ وكذلك ما يمكن أن يعترض تطبيق هذا النظام من مشكلات؟ ماهية التصويت الإلكترونى يعنى التصويت الإلكترونى (Electronic Voting) استخدام تكنولوجيا الحاسب الآلى لتسجيل الأصوات الانتخابية بدلا من البطاقات الورقية والصناديق الانتخابية، سواء من قبل المدخلات (الناخب)، أو المعالجة (الدعاية والتصويت)، أو المخرجات (فرز وعد الأصوات وإعلان النتائج).
ويتم التسجيل بعدة وسائل يمكن إجمالها فى البريد الإلكترونى، ورسائل الهاتف المحمول، والآلات الإلكترونية والتى تتضمن الكارت المثقب، ولمس الشاشة، والمسح البصرى، والتصويت عبر الإنترنت. وهنا تجدر الإشارة إلى أهمية التمييز بين عدة أنواع من التصويت الإلكترونى تتراوح بين كونها تتم عبر عملية رقمية للتفاعل بالكامل بين المرسل والمستقبل، أو إنها تتميز بكونها شبه رقمية، أو يكون أحد أطرافها رقمياً فقط مع وجود طرف مادى واقعى، وقد تتمثل تلك الحالات فى عدة استخدامات، منها عمليات التعبير عن الرأى والحوار فى المقاهى عبر الإنترنت، واستطلاعات الرأى الإلكترونية، وكذلك الاستخدام داخل البرلمان لتسهيل عملية التصويت على القرارات ورقمنة المعلومات، انتهاءً بالوصول إلى آلية للتصويت الإلكترونى فى الانتخابات البرلمانية والتشريعية.
مزايا التصويت الإلكترونى
من الناحية النظرية، فإن التصويت الإلكترونى يعمل على تقليل تكاليف العملية الانتخابية من خلال التحول من الصيغة الورقية والصناديق الخشبية إلى المحتوى الرقمى، والمساهمة فى تحسين العملية الديموقراطية من خلال جعل عملية الانتخاب مشجعة للمواطن العادى، حيث يتم تسهيل عملية المشاركة السياسية.وتحفيزها وزيادة ثقة الناخب في العملية الانتخابية ،واضفاء مزيد من الشرعية السياسية والقانونية للنظام الجديد ، ومن الناحية الإجرائية، فان هناك عدد من المزايا لعل اهمها 1. يحق للناخبين التصويت الإلكترونى عبر رقم سرى، ولا يصوت الناخب أكثر من مرة، 2. لا يمكن لشخص أن يضيف أو يغير الأصوات دون أن يتم اكتشافه 3. ويمكن إحصاء الأصوات وفرزها بطريقة آلية وبدقة متناهية وبعيدا عن شبهات التزوير، الأمر الذى يحول دون فساد الأصوات وبطلانها، 4. كما يستطيع الناخب أن يعبر عن اختياره فى وقت محدد يتاح له 5. وأن يتم ذلك التصويت باستخدام عدد محدود من الآلات والأجهزة الخاصة. مشكلات التطبيق ان هناك بعض المتشككين فى هذا النظام، وتتركز مبرراتهم فى صعوبات تطبيق النظام نفسه، وخاصة فيما يتعلق بإمكانية تعرضه للمتطفلين والقراصنة.، ومن ناحية أخرى، فإن هناك بعض الصعوبات التى تتعلق بالبيئة التشريعية والقانونية والثقافية التى يجب أن يعمل من خلالها النظام، والتى تعانى من قصور فى بعض المجتمعات، سواء من ناحية ضعف الثقافة السياسية بشكل عام، أو ضعف دور المجتمع المدنى فى الإشراف على عمل هذا النظام وتوافر المراقبين المستقلين، أو إيجاد هيئة مستقلة تشرف على سير وتنظيم العملية الانتخابية .
كذلك يتطلب هذا النظام توافر آلات للتصويت الإلكترونى وما يحتاجه ذلك من استثمارات مالية كبيرة، وهنا يبرز دور القطاع الخاص وأهمية دخوله إلى تلك العملية مع ما يترتب على ذلك من إنعكاس على شفافية العملية، لا سيما فى دول العالم الثالث. رغم أن دخول القطاع الخاص فى تلك العملية ليس جديداً. ففى الولايات المتحدة -على سبيل المثال- تسيطر ثلاث شركات كبرى على 85% من آلات التصويت الإلكترونى، مع خضوع العملية برمتها لإشراف وزارة الدفاع الأمريكية. وقد يتبادر إلى الذهن السؤال التالى: كيف يمكن فى بلد يرتفع به معدل الأمية أن يشهد ذلك النوع من التصويت الإلكترونى؟ ويمكن الإجابة على ذلك من خلال النظر إلى تجربة الهند التى ترتفع بها معدلات الأمية، ومع ذلك تشهد إقبالاً جماهيرياً واضحاً على التعامل مع التكنولوجيا، حيث يكون الشخص معنياً بالجانب الوظيفى للآلة وليس المحتوى الفنى لها.
فالفرد الأمى يمكنه أن يشحن هاتفه النقال ويتعامل معه دون أن يعرف خصائصه ومحتواه لأنه يهتم بوظيفته والخدمة التى يقدمها، وقياساً على هذا، فإنه ليس من الصعب على الناخب الأمى معرفة خطوات التصويت الإلكترونى والتعامل معها، هذا بخلاف أن الأخذ بالتصويت الإلكترونى لا يعنى إلغاء الطرق التقليدية للتصويت على الأقل فى المراحل الأولى . ضمانات المصداقية إن أى عملية انتخابية حرة وعادلة، يجب أن تعتمد فى الأساس على ثلاثة شروط وهى: شفافية الإجراءات وسريتها، وإمكانية التحقق، ثم التحكم والسيطرة على العملية الانتخابية. ويمكن القول ان هذه الشروط الثلاثة تتوافر بدرجة عالية من المصداقية فى عملية التصويت الالكترونى، ففى المعيار الأول: يتوافق التصويت الإلكترونى مع الشفافية فى الانتخابات، حيث يوجد شخص واحد وصوت واحد، وبدون إرهاب أو ضغوط على الناخب ويتم التصويت بطريقة مباشرة ومستقلة، مع توافر الضمانة الاهم وهىوجود نظام انتخابى غير متحيز فى إدارة العملية الانتخابية.
أما المعيار الثانى: فإن التصويت الإلكترونى مؤسس بشكل كامل على سرية الإجراءات ونقل تفضيلات الناخب بشفافية تامة. ويتمثل المعيارالثالث: فى أن عملية التصويت الإلكترونى تفرز أوراقاً ووثائق يمكن للمراقبين فحصها حتى إذا ما وقعت أى مشكلة. متطلبات التطبيق فى مصر شهدت الحياة السياسية المصرية وخاصة الانتخابات التشريعية الأخيرة فى 2005، بعضاً من ملامح الربط المتنامى بين التكنولوجيا والعملية السياسية، حيث طالب البعض بتطبيق نظام التصويت الإلكترونى، والذى لم يعد الأخذ به قاصراً على العالم الغربى، بل طبقته دول مثل الهند والبرازيل والكويت والإمارات والبحرين.
ويمكن القول ان هناك بعض العوامل التى تتوافر فى مصر والتى يمكن ان تخلق بيئة ملائمة لتطبيق نظام التصويت الإلكترونى، تتمثل هذه أهم هذه العوامل فيما يلى: 1- عدم وجود تعارض دستورى مع استخدام التصويت الإلكترونى، فقد خلا الدستور المصرى من تحديد طريقة لإجراء الانتخابات، ففى المادة (62) من الباب الخاص بالحريات والحقوق والواجبات العامة، أكد الدستور أن للمواطن الحق فى الانتخاب والترشيح وإبداء الرأى والاستفتاء وفقاً لأحكام القانون، ومساهمته فى الحياة العامة واجب وطنى، ومن ثم فإن استخدام التصويت الإلكترونى لا يتعارض مع الدستور طالما يضمن الشفافية والنزاهة، ووجود هيئة مستقلة تقوم بالإشراف على العملية الانتخابية. 2- نمو البيئة التكنولوجية المصرية، مما يوفر مناخاً ملائماً لاستخدام نظام التصويت الإلكترونى، فهناك زيادة فى استخدام الإنترنت سنويا، وكذلك مشتركى برنامج حاسب لكل بيت، والتوسع فى إقامة مراكز تكنولوجيا المعلومات، ونمو الثقافة التقنية لدى الشباب الذى يمثل النسبة الأكبر من عدد الناخبين.
مع زيادة عدد مستخدمي الانترنت ومشتركي المحمول في مصر ، مع اطلاق عدد من المبادرات التى من شأنها تشجيع الدخول السريع مثل الإنترنت فائق السرعة، وحاسب لكل بيت، والإنترنت المجانى. 3- اقتراب الانتهاء من تعميم العمل ببطاقة الرقم القومى بنهاية عام 2006، وما له من أهمية فى وضع قوائم الانتخابات الجديدة وتجهيز الجداول الانتخابية وتكامل البيانات للجداول القديمة والجديدة، حيث سيعمل على تقليل الاعتماد على البطاقات الورقية، ويتم دخول الناخب عملية التصويت بناء على رقمه على مستوى الجمهورية، ويمكنه الإدلاء بصوته دون الالتزام بمكان دائرته أو مقر عمله، وهذا ما سيستلزم تعديل المادة (11) من قانون مباشرة الحقوق السياسية.
وبالرغم مما سبق فإنه ما زالت هناك بعض المعوقات التى يجب التغلب عليه قبل الشروع فى تطبيق هذا النظام، مثل إعداد التشريعات اللازمة لمواكبة استخدام تكنولوجيا المعلومات، وكذلك إنشاء لجنة مستقلة للانتخابات، يجب أن تكون محايدة ومستقلة عن الحكومة، حيث لا يجب أن تتبع أى من وزارتى الداخلية أو العدل. وان يتم دعمها بخبراء فنيين وسياسيين على دراية بعملية التصويت الإلكترونى. وفضلا عن ذلك يجب توافر العنصر الاكثر أهمية والمتمثل فى الإرادة السياسية التى تساعد على نجاح هذا النظام، والاستعداد لتحمل تداعيات تطبيقه، خاصة فيما سيترتب على ذلك من الكشف عن الحجم الحقيقى للقوى السياسية الفاعلة فى المجتمع، ومن ثم فإن استخدامه يرتبط بمدى الجدية فى عملية التحول الديموقراطى. مع ضرورة نمو ثقافة الشفافية والمساءلة والتى تعد لصيقة الصلة بالتصويت الإلكترونى.
أخيراً، فإنه إلى جانب فائدة نظام التصويت الإلكترونى فى تسهيل العملية الانتخابية، فيمكن للناخب أيضاً مراقبة سير العملية الانتخابية من خلال الإنترنت، وذلك من خلال إنشاء موقع على الإنترنت تابع للجنة العليا للانتخابات يحوى السجلات الانتخابية لإتاحة الفرصة لتصحيحها من قبل المواطنين. وإتاحة الفرصة التصويتية المتساوية أمام الجميع، وإيجاد طرق جديدة للتعبير عن الجماعات بشكل مستقل عن الدولة، حين يتم إضعاف دور بعض الهيئات والمؤسسات الوسيطة، بما يزيد من دور المواطن فى وضع الأجندة السياسية، ويصبح للمجتمعات المحلية دور فاعل فى صنع القرارات والسياسات، الأمر الذى ينتهى إلى توفير المزيد من انتشار عناصر القوة والسلطة. نقلا عن ملف الاهرام الاستراتيجي ، 2006