الأخبار
كيف حوّل عمالقة التكنولوجيا بياناتنا الخاصة إلى أرباح ضخمة
الشركات التقنية المهتمة بالبيانات سعيدة بتتبع ممارساتنا، من تناولنا للطعام، حتى كيف نمارس الحب.. هي ببساطة تساعدها على التحكم في البنية التحتية الأساسية التي يتحرك من خلالها العالم ويعني ذلك بلغة الأرقام أرباحا مالية ضخمة.
العرب -لندن
Saturday, May 07, 2016 - 06:10 AM
Views: 491
“هل نحن أمام فقاعة تكنولوجية أخرى؟”، إن الإجابة على مثل هذا السؤال تتطلب تحديد المكان الذي تقف فيه من الصحة العامة للاقتصاد العالمي.
تقول صحيفة الغارديان البريطانية إن الخبراء يؤكدون أن الاستثمارات في الشركات التكنولوجية الناشئة من المحتمل أن تكون مربحة للغاية.
إذا كان هذا صحيحا، فلا شك أنه خبر سار لرجال الأعمال، خصوصا في زمن الأسعار السلبية للفائدة، لكن ماذا عنا؟ ربما يكون الخبر أشبه بالطامة الكبرى.
لعدة أشهر، اعتبرت أفافيل، المدونة المالية لصحيفة فايننشال تايمز، الحصن النموذجي للتكنوفوبيا (رهاب التكنولوجيا) وضرب الرأسمالية، حيث أنها أثارت العديد من المخاوف حول تأثير وادي السيليكون على القطاعات الاقتصادية.
رغم الحديث المنمق عن الشفافية، يؤكد كتّاب المدونة أن البيانات المكثفة عن نماذج الشركات التي يتم اعتمادها من طرف الشركات التكنولوجية الرائدة في الحقيقة تشوه الواقع حول كيفية عمل الأسواق، وتحرمهم من المعلومات الأساسية اللازمة حتى يتم تخصيص الموارد بشكل فعال.
كيف ذلك؟ منذ أن أصبحت البيانات، وقود أسواق الإعلانات، وهي مصدر أرباحها، بات واضحا أن شركات التكنولوجيا سعيدة بتقديم خدمات وسلع بإمكانها أن تحقق المزيد من البيانات. في النهاية ليست هناك حدود لأي نوع من السلع والخدمات، والتي يمكن أن تكون من المنتجات التي بدأت مع عمليات التصفح والشبكات الاجتماعية. ولكن من الواضح، أن الشركات المهتمة بالبيانات سعيدة بتتبع ممارساتنا، وتناولنا للطعام، وكيفية سياقتنا للعربات أو حتى كيف نمارس الحب؛ بالنسبة إليهم، كل شيء لا يعدو أن يكون بيانات، والبيانات عندهم تعني الأموال.
من المفترض ألا تفشل أبدا فهي أشبه بالبقرة الحلوب السحرية التي تجلب الإنترنت المجانية إلينا
كل هذه الإعلانات، تجعل من الصعب أن نفهم تكلفة السلع والخدمات الأساسية. وبما أن هذه الشركات تتجاوز متصفحاتنا وهواتفنا الذكية، وتدخل بيوتنا وسياراتنا وأجهزتنا، ينبغي لنا أن نتوقع المزيد من التشويه لدلائل الأسعار.
تظن إيزابيلا كامينسكا، وهي واحدة من الكتّاب البارزين في مدونة ألفافيل، إننا نواجه غوسبلان، وهو أشبه بالنظام السوفيتي للنخب التكنوقراطية، من أولئك الذين عملوا على تخصيص الأموال بالطريقة التي يرونها مناسبة بناء على معايير ذاتية بحتة، لصالح بعض المجموعات على حساب الآخرين، واستخدام عائدات الإعلانات التجارية لتمويل المشاريع الغريبة “مون شوت” (ضربة القمر) ذات الأهمية المدنية مشكوك فيها.
تنتهي شركات التكنولوجيا إلى عرقلة كل من الحكومات والأسواق على حد سواء، وذلك من خلال مجسات حسية تصل إلى كل المجالات، ومطالبة كل من شركة غوغل وشركة فيسبوك بمعرفة كيف يتم توفير السيولة النقدية بشكل أفضل من الآخرين، وكيف تنفقانها في مصلحة البشرية.
وبالنظر إلى كل هذا، من المحتمل جدا أن تستمر شركتا غوغل وفيسبوك في التحكم في البنية التحتية الأساسية التي يتحرك من خلالها العالم. وسوف تكون الشركتان سعيدتين بذلك، نظرا إلى التدفق الكبير في البيانات التي تحصّلانها. سوف يتم دفع شركات أخرى إلى التركيز على السلع الفاخرة، على غرار شركة أبل، لكن ذلك لن يكون خبرا جيدا بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي، حيث أنه ليس بمقدور كل الشركات أن تكون مثل فيراري أو أبل.
ولكن هذا يمكن أن يكون آخر مشاكلنا، فعلى المدى الطويل تبقى خدمات البنية التحتية الأساسية التي يعد بها وادي السيليكون لمستقبل جيد ومدعوم ماليا، من الأمور المشكوك فيها.
تحذر كامينسكا من أن “التباطؤ في العولمة والتجارة والنمو العالمي” قد يكشف التكاليف الحقيقية للخدمات التي نستخدمها، ولكن هناك خطرا أساسيا في الأفق، وهو الانهيار المحتمل في مجال الإعلانات، وهي صناعة من المفترض أن لا تفشل أبدا.
| |
 |
| البيانات تعني الأموال |
|
|
بالنظر إلى الاضطرابات السائدة حولنا، هل من المعقول أن نتوقع أن مجال الإعلانات سوف يبقى أشبه بالبقرة الحلوب السحرية التي تساعد على جلب الإنترنت المجانية إلى سريلانكا والهند، وتسمح للملايين من الناس باستخدام البريد الإلكتروني والبحث المجاني؟
في الواقع، إذا أكلت البرمجية العالم، فإن هذا “العالم” بالتأكيد يتضمن الشركات والسيارات والبنوك والفنادق والصحف. كيف يمكنها توفير النقد (الأموال) للحفاظ على الدعاية؟ وهل سوف تستخدم نفس المنصات التي هددت وجودها خصوصا عندما يرتبط الأمر بالذكاء التكنولوجي للمستثمرين؟ وفي هذا الإطار حددت منصة “بوزفيد” الأهداف من الإيرادات المالية الضائعة، وهي الأموال التي خسرتها، في الوقت الذي تشهد فيه منصات مثل فيسبوك ازدهارا مطردا.
كثيرا ما تم ازدراء الإعلانات في وادي السيليكون. إنها أمور فظة جدا، وغير فعالة، وهي تعبر عن العلاقات بين التكنولوجيا والرأسمالية المتوحشة. في وقت مبكر، كتب كل من سيرجي برين ولاري بايج من شركة غوغل ورقة بحثية أكاديمية شهيرة تندد بالآثار التي يمكن أن تؤثر على طاقتيهما البحثية. من ناحية أخرى لا يبدو مارك زوكربيرغ مؤسس فيسبوك، والرجل المولع بأقمصة “زان” رمادية اللون، أنه من الذين يركزون على الإعلانات.
ربما تكون الإعلانات شرا لا بد منه للكشف عن هذه الشركات والمساهمة في شهرتها، ولكن ليس هناك ما يدعو إلى التمسك بالإعلانات إلى الأبد، خاصة إذا تمكنت من تدمير كل منافسة وجعل العالم يعتمد على برامجها. وعندما يحدث ذلك، يمكنها أن تضع حدا للدعم وببساطة بدء فرض رسوم على الخدمات التي تقدمها في الواقع، بما أن هاجس العديد من الشركات الناشئة على أساس نظام “بيتكوين” المالي وسلسلة من التكنولوجيا المهووسة بالتعاملات المالية، هو دفع المستخدمين إلى دفع ثمن كل شيء، من إرسال رسائل البريد الإلكتروني إلى زيارة المواقع، وحتى التنفس.
صحيفة فاينانشل تايمز ترفض نظام "غوسبلان" نظرا إلى أنها تحبذ الأسواق الحرة
أما الجيل الأقدم من المنصات مثل غوغل وفيسبوك فقد يضطر إلى اتباع هذا الطريق، خصوصا عندما اكتشفت المنصتان أنهما تفتقران إلى سوق قوية من الإعلانات، فجميع البيانات التي جمعتاها ليست لها قيمة تذكر، وبالتالي كل تلك الأصول هي أصول وهمية بالنسبة إلى ميزانياتهما.
الحل الذي اقترحته فاينانشل تايمز، والذي يتمثل في “تفكيك الموجهات المصغرة للاقتصاديات، وهي تكتلات عابرة للدعم في نظامنا”، يبدو أنه حل غير واقعي، نظرا إلى السياسة السائدة اليوم. هذه “الموجهات المصغرة للاقتصاديات” تركز على جمع الأمن والمخابرات الوطنيين، من أجل تأدية بعض الوظائف الأساسية لدولة الرفاه من خلال هذه التكتلات العابرة للدعم، والتي أثارت الكثير من الاستياء؛ يبدو أنها العربة المفضلة للدولة لإجراء ابتكارات “مون شوت”.
ناهيك عن كارثة الخصوصية، يتمثل الجانب السلبي لهذه الشركات في أنها لا تدفع أي ضرائب. ميلها لأن تكون “مون شوت” يقوض أي جهود تقودها الدولة للابتكار، كما أنها لا يمكن أن توفر لها الرعاية الاجتماعية إلى الأبد. في الواقع، الرعاية الاجتماعية بهذا الشكل يمكن أن تؤدي إلى نوع من الإقطاع، حيث أن أولئك المحاصرين بالبنية التحتية لهذه الشركات قد يضطرون إلى دفع مقابل مالي من أجل النفاذ إلى أي مكان عبر إحدى الشاشات أو النقر على أحد الأزرار.
| |
 |
| صحيفة فاينانشل تايمز ترفض نظام "غوسبلان" نظرا إلى أنها تحبذ الأسواق الحرة |
|
|
ترفض صحيفة فاينانشل تايمز نظام “غوسبلان” نظرا إلى أنها تحبذ الأسواق الحرة. ولكن ليس هناك سبب يفرض اتباع نموذج غوسبلان في التعامل مع المصالح الخاصة، والذي يمكن أن يجعل من شركات التكنولوجيا مسؤولة عن جميع القرارات الكبيرة في المجال الاقتصادي. وهناك أيضا غوسبلان آخر؛ وهو الذي يستخدم كل تلك المجسات، والخوارزميات وقواعد البيانات والتنسيق الفوري من أجل تقديم الخدمات العامة التي تعمل خارج نظام السعر الخاص بها.
لا تتمثل المشكلة مع غوغل في أن الشركة تعتقد بأنها جهاز كمبيوتر أفضل من السوق. ويعتقد فريدريك هايك، الرئيس المنظر للنيوليبرالية، أن السوق عادلة أيضا، موضحا أن جهاز الكمبيوتر يمكنه معالجة ودمج جميع مؤشرات الأسعار للوصول إلى السعر الأمثل، وأنه لا يوجد جهاز كمبيوتر نموذجي يمكن أن يكون متاحا أمام المخططين المركزيين، ولكن، تهدف جميع جهود التحسين إلى تلبية هدف واحد، وهو زيادة الربح.
أثبتت غوغل أن هايك على خطأ، وأن له العديد من المعارضين الحقيقيين (وخصوصا الخبير الاقتصادي البولندي أوسكار لانج)، بالنظر إلى البيانات الكافية والاتصالات الفورية، يمكن أن تكون هناك أجهزة كمبيوتر أفضل من السوق (تستشرف وتتوقع ما يمكن أن يحدث في الأسواق).
تتمثل المهمة السياسية في نشر البيانات لتحقيق أقصى قدر من الرعاية الاجتماعية، بدلا من ترك وادي السيليكون يدخل في شكل جديد من أشكال الإقطاع، والذي من شأنه أن يجعل الخصخصة المعتوهة التي شهدتها العقود الماضية نوعا من الاشتراكية.