المقالات
نحو مشروع إسلامي للتنمية العلمية والتقنية
لقد خطا العلم خطوات واسعة وفتح مجالات لم يتيسر له الدخول فيها من قبل وأنجز فتوحات غير مسبوقة أدت إلى ذهول الأعين وجدل الألسن
بقلم الكاتب: أ·د·وجدي عبد الفتاح سواحل ـ المركز القومي للبحوث القاهرة
Thursday, February 16, 2012 - 01:17 PM
Views: 3
لقد خطا العلم خطوات واسعة وفتح مجالات لم يتيسر له الدخول فيها من قبل وأنجز فتوحات غير مسبوقة أدت إلى ذهول الأعين وجدل الألسن وحيرة العقول· فنحن نعيش في عالم تحكمه ثقافة العلم والتقنية ومن يملك العلم وأساليبه وتطبيقاته ويستطيع التحكم في مخاطره سوف يتحكم في مصير العالم· في هذا المقال نتناقش سويا عن التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية في عصر العلم والتقنية وما الذي يحتاجه العالم الإسلامي لكي يواجه هذه التحديات؟ وماذا نحن فاعلون إزاء المفاهيم الجديدة التي تنبئ بتراجع أهمية الثروات الطبيعية والأموال المكدسة في المصارف لكي تحل محلها مفاهيم الارتكاز على قوة العقل والخيال والقدرة على الابتكار والإبداع والتحكم في التقنية الجديدة؟ وكيف يمكن تحقيق الأمن التقني الإسلامي؟··· هذه كلها أسئلة ينبغي أن تطارد العقل والفكر والضمير الإسلامي بحثا عن إجابات صحيحة في زمن قصير لأن سرعة دوران عجلة الزمن والمتغيرات المصاحبة له لم تعد تسمح لأية أمة بترف الانتظار والتريث إلى ما لانهاية! عصر العلم والتقنية يشهد العصر الراهن تطورات هائلة ومتسارعة في العلم والتقنية، أثرت وتؤثر في جميع نواحي الحياة ولاسيما علاقات الدول بعضها ببعض··· تلك العلاقات التي تشابكت وتعقدت بصوره لم يسبق لها مثيل·· وأصبح الحاكم والغالب فيها هو التقدم العلمي والتقني· وليس من المغالاة في شيء أن نقرر أن تحديات العصر ـ بعد تجريدها وإرجاعها إلى جذورها ـ هي في واقع الأمر تحديات علميه تقنية· فنحن نعيش الآن في مرحلة استثنائية من التاريخ البشري، مرحلة يبدو فيها التاريخ وقد تسارعت خطاه بفعل الثورة العلمية والتقنية التي تجتاح العالم في مجالات الفضاء، والاتصال عن بعد والمواد الجديدة والحاسبات الآلية، والذكاء الاصطناعي، والسماوات المفتوحة، والبث التليفزيوني عبر الفضائيات والهندسة الوراثية وغيرها· كل هذه التطورات تفتح آفاقا بغير حدود وتزيد من أهمية العلم والتقنية من أجل تكوين مجتمع إسلامي يتناغم أفراده مع مفاهيم وأفكار ورؤى القرن الحادي والعشرين ويتمتع بالصفات العقلية والمواصفات الذهنية التي تؤهله للتجاوب مع طفرة العلم والتقنية· و مما لاشك فيه أن العلم يتقدم تقدما مذهلا في السنوات الأخيرة مما يؤكد أننا نعيش عصر الحضارة التقنية وتطبيقاتها المثيرة التي ستضع بصماتها بشدة على نوعية الحياة في المستقبل كما ستستخدم كأداة قوية في إدارة الصراعات السياسية والحروب الاقتصادية· المسلمون …·· الرواد الأوائل للحضارة العلمية خلف المسلمون حضارة علمية بارزة وتراثاً عظيماً انبعثت منه مختلف الحضارات وكانت أساساً لسائر العلوم، مما جعلهم حقيقة صانعي الحضارة العلمية وروادها الأوائل وقد وضعوا الأسس العلمية المنطقية لفروع العلم المختلفة وكانت بداية الحركة العلمية الإسلامية مع بداية حركة التعليم الزاهرة وازدهار الترجمة عن الحضارتين الإغريقية والرومانية وانتشار المدارس الخاصة والعامة وحلقات الدروس في المساجد والبيوت والندوات العلمية، أو ما يعرف بحوانيت الوراقين، وكان الدافع في ذلك ما أحياه الإسلام في النفوس بتعاليمه السامية وتوجيهاته الرشيدة· وقد كان العرب قبل الإسلام أمة أمية يسود فيها الجهل ولم يشتهر العرب بحرفة أو مهنة بارزة بين الأمم، فكان الإسلام هو المحرك الفعال للحركة العلمية عند المسلمين، والتي غرست في النفوس حب العلم والرغبة في التعلم· لقد كان علماء المسلمين أول من أسس جامعة علمية كان مقرها في فاس ببلاد المغرب، كما أنهم أول من حاول الطيران وأنهم برعوا في الكيمياء والجبر واختراع الأرقام واكتشاف الدورة الدموية وبرعوا في علم التشريح ووضع قوانين علم الضوء في الفيزياء، وغيرها، بل إنه من الحق والإنصاف أن يقال هذا وأن يقر للمسلمين أنهم صانعوا هذه الحضارة العلمية وروادها الأوائل وأنهم قد وضعوا الأسس العلمية المنطقية الراقية التي لم يعرفها علماء الغرب وغيرهم إلا بعد قرون بل إن سائر مكتشفات اليوم ومخترعاته كان للمسلمين مساهمة أولية، مهما صغر حجمها في دفع حرية الاتجاه العلمي نحو البحث عنها والكشف عن مجاهيل كثيرة في طريق إيجادها وتطويرها· الأمة الإسلامية المعاصرة في مواجهة التحدي العلمي إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الأمة الإسلامية هو الدخول إلى حضارة التقنية المتقدمة، التي تختلف جذريا عن صور الحضارات الزراعية والصناعية التي شهدتها البشرية حتى منتصف القرن العشرين بعد أن أصبحت التقنية المتقدمة هي العامل الحاسم في تقدم الأمم والشعوب، وشملت تطبيقاتها كل مناحي الحياة، حتى أصبحت من ضرورات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بل ومن ضرورات الأمن القومي للأمة الإسلامية· فما من أمة تعلقت بأساليب العلم ومنهجه إلا وقدر لها أن تتبوأ مكانا مرموقا تحت الشمس تفاخر به جميع الأمم وتطل منه على مستقبل زاهر مليء بالمنجزات العلمية الكفيلة برخاء أبناء تلك الأمة وازدهارها الاقتصادي والاجتماعي والفكري· ولكن العلم لا يرقى ولا يتقدم في المجتمع ما لم يكن لدى أفراده وعي مناسب به وبآثاره السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، لذا تعتبر عملية صناعة العلم ونشر الوعي التقني بصفة عامة مسألة حضارية تساهم في صياغة عقلية المجتمع صياغة علمية تجعل متابعة العلم ومنجزاته جزءاً من اهتماماته، حيث يكون أكثر إدراكا لدور العلم في حل مشكلاته، وأكثر قدرة على الاستفادة من تلك المنجزات وتوظيفها التوظيف الأمثل، مع قدرته على تلافي ما قد يظهر من سلبيات قد تصاحب عملية التقدم العلمي أو تنتج منه· فإن ننزعج، قليلا، نحن المسلمين، خير لنا من أن نظل أسرى تراث من الأفكار القديمة دون أن ندرك حجم ما يواجهنا من تحديات حقيقية· ولكي نكون منصفين مع أنفسنا فلابد أن نعرف أننا نعيش في مرحلة تحد علمي تقني· إنها حقبة من الزمن تزيد فيها إنجازات العقد الواحد من التطورات والتحولات والاختراعات العلمية والتقنية الكبرى على إنجازات ألوف السنين التي عاصرتها الإنسانية· هذه الإنجازات يمكن أن تنتج مفارقات كبيرة تمتد لأجيال عديدة في المجتمعات التي لا تملك أسباب العلم· لقد فرضت ثورة العلم والتقنية خصائص النظام العالمي الجديد، فلا مكان في الأسواق العالمية لدول تتجاهل الدور الخطير الذي يؤديه التغيير التقني في التنمية الاقتصادية والاجتماعية· ويمكن القول إن هناك معان واستنتاجات لما يتوقع أن يؤول إليه حال الدول التي تتخلف عن الركب وتخرج من حلبة السباق والتنافس على امتلاك ناصية العلم والتقنية· وفي الواقع بدأت تتضح معالم جديدة لتصنيف الدول على أساس قدراتها التقنية بداية من دول العالم الأول >عالم المبدعين والرواد< وانتقالا إلى دول العالم الثاني >عالم الملاحقين والمقلدين< وهبوطا إلى دول العالم الثالث >العالم النامي<· العلم والتقنية في العالم الإسلامي····· رؤية إستراتيجية يمثل العلم والتقنية أبرز ملامح ومعالم عصرنا، ويلعبان دورا حاسما في صعود وهبوط الأمم، وصياغة توجهات الحاضر والمستقبل· وهذا الدور للعلم والتقنية ليس جديدا في تاريخ البشرية، حيث تتميز الحضارة الحديثة بمكون أساسي من مكوناتها يستند إلى العلم وتطبيقاته، والتقنية وتجلياتها في مناحي الحياة المختلفة· غير أن الدور الراهن للعلم والتقنية في المرحلة الحالية من تطور الحضارة، يبرز على نحو أكثر وضوحا وأشد أثرا من ذي قبل، حيث أنهما قد تطورا خلال العقود الأخيرة بمعدلات تفوق تطورهما خلال عدة قرون، وذلك نتيجة للإستثمارات الضخمة في مجال العلم وبحوث التطوير، التي تخصصها الشركات عابرة الحدود والقارات، وكذلك الدول والمجتمعات التي تولي العلم والتقنية أولوية، في سباق التقدم والهيمنة والسيطرة· ويقف التقدم العلمي والتقني وراء عدد كبير من الظواهر العالمية في الإقتصاد والسياسة والثقافة، فالحديث لا ينقطع عن العولمة، باعتبارها ظاهرة إقتصادية تفتح أبواب المنافسة والتجارة العالمية، وتهدد الهويات الثقافية والخصوصيات القومية والسيادة الوطنية· حيث أن ثورة الإتصالات والمعلومات والبث المباشر عبر الأقمار الصناعية، وتطور صناعة >الحاسبات الآلية< والبرمجيات وشبكة الإنترنت، هي التي جعلت من العولمة بتجلياتها السلبية والإيجابية تطورا ممكنا يصعب تجنبه· أما في مجال السياسة، وعلى نحو خاص اعتبارات الهيمنة والسيطرة وصعود أمريكا كقطب واحد، فإن قوتها تستند إلى الاستثمار الضخم في مجال العلم والتقنية والتطوير، خاصة في مجال تقنية التسلح والصناعة العسكرية وحروب المستقبل، على غرار ما حدث في حرب الخليج الثانية وكوسوفا وأفغانستان، حيث كفل هذا المجال أن تخوض أمريكا حروبا تعتمد على إستراتيجية الصفر في عدد الضحايا من الأمريكيين، وتواجه خصومها من طبقات الجو العليا في مأمن من المدافع المضادة للطائرات وغيرها من الأسلحة التقليدية· لقد بات التقدم العلمي والتقني رهان هذا العصر، وعلى أساس هذا الفهم، فإنه وحده ضمان الاستقلال الحقيقي والإرادة الوطنية الواعية· وإن النموذج الذي يقدمه أي شعب من الشعوب أساسه مقدار حصته من التقنية المتطورة، ومدى مساهمته التقنية في ركب مسيرة الإنسانية نحو مزيد من التقدم··· ومن يتخلف عن هذا الميدان لن يشفع له التغني بأمجاد ماضيه· كما أن القيادة السياسية والاقتصادية والفكرية للقرن الحادي والعشرين ستكون لمن يملك المعرفة· من هذا المنطلق فإن الطريق الواضح لتطوير المجتمع الإسلامي هو من خلال منظومة تشتمل على عناصر الثقافة والتعليم والتدريب والإعلام والتربية الدينية والبحث العلمي والتنمية التقنية، فتلك العناصر هي التي تكون شخصية الفرد وتحدد رؤيته للعالم وللآخرين· كما إن علاقة التطور العلمي والتقني بالأمن القومي والتفوق والهيمنة لا يمكن إغفالها، والعالم الإسلامي ينبغي أن يخصص لهذه القضية الاستثمارات والأطر والمؤسسات التي تكفل التعامل مع هذه الفجوة الخطيرة، وقديما قال بعض المؤرخين والمفكرين الاستراتيجيين أن حال الجيوش في بلد ما تماثل مستوى علم الفيزياء، وأن الجامعات الألمانية هي التي كسبت الحروب في أوروبا في مواجهة جيرانها، وفضلا عن الاستثمارات والأطر والمؤسسات، فإن مواجهة هذا التطور تقتضي تشكيل جماعة علمية إسلامية متعاونة على الصعيد الدولي، وتتوافر لها الامكانات المادية وفق المعدلات الدولية الراهنة· وقد أجمعت العديد من الدراسات الاستراتيجية إلى أنه لكي يتمكن العالم الإسلامي من الارتقاء بمنظومة العلم والتقنية، يجب عليه مواجهة التحديات في القضايا الآتية: (1) وضع وتنفيذ سياسة للتنمية العلمية والتقنية في إطار الأولويات السياسية، والنظر إلى دور البحث العلمي في التنمية التقنية كقضية سياسية من الطراز الأول· (2) الإدارة العلمية وما تتطلبه من تطوير فكر وكيانات وأساليب إدارة البحث والتطوير واختيار قياداته وعلمائه وفنييه، وتسويق نتائجه، والبحث عن مصادر تمويله، والقوانين واللوائح التي تحكم أنشطته، وربط أهدافه بالاستراتيجيات القومية للتنمية الاقتصادية، والاجتماعية··· إلخ· (3) القوى البشرية وتطوير مواردها، ومعالجة النقص في المهارات الخاصة للارتقاء بالبحث العلمي إلى مرتبة الجدارة في التطبيق التجاري، وذلك باستكمال الحلقات الناقصة والتخصصات البينية في سلسلة الأداء على مستوى البحث العلمي حتى مرحلة بناء حزمة المعلومات العلمية والتقنية والاقتصادية المتكاملة· (4) الموارد المالية والعمل على زيادتها والبحث عن مصادر تمويل بجانب التمويل الحكومي من خلال القطاع الخاص والقطاع الاستثماري ومن الخارج، وكذلك من خلال خصخصة أداء بعض الأنشطة في مؤسسات البحث والتطوير، وإنشاء شركات تتبع المؤسسة البحثية ولها خصائص القطاع الخاص· (5) الاستجابه لإشارات السوق، وإتباع سياسة العرض الذي يوجد الطلب، أي سياسة طرق الأبواب للتعرف على الإحتياجات، والإتجاه نحو عقد إرتباطات إستراتيجية مع المستثمرين من القطاع الخاص الوطني والأجنبي، والتركيز على أنشطة البحث والتطوير التي تتعامل مع التقنية المتطورة، والإسهام في المشاركات الإقتصادية التي تعقدها الدولة مع دول العالم الكبرى، والتعرف على أحدث المنجزات في المنتجات وطرق الإنتاج من خلال الزيارات للمعارض والمصانع على المستوى الدولي والتعرف على دقائق الشرعية الدولية الجديدة المتمثلة في إتفاقية التجارة المرتبطة بحقوق الملكية الفكرية >أحد إتفاقات الجات<· (6) تكريس الانتقائية في الأداء من خلال زيادة درجة التركيز على المعالجات البرنامجية العالمية لقضايا الإنتاج والخدمات الكبيرة في الدولة كبديل للمعالجات الجزئية، ونشر الإنجازات وتحليل تجربتها، والبدء من حيث إنتهى الآخرون من خلال إستيعاب المعارف التي تتضمنها منجزات الآخرين ـ من سلع وخدمات ـ والإضافة إليها· (7) التعامل مع التقنية المتقدمة مثل تقنية المعلومات، والمواد الجديدة، والتقنية الحيوية والهندسة الوراثية، وتقنية صناعة الدواء، وتقنية الإلكترونيات الدقيقة، وتقنية الفوتونات الضوئية الدقيقة···· إلخ· (8) التقدم التقني، حيث الإهتمام بالموضوعات الرئيسية الآتية: إرساء التميز العلمي العالمي في العالم الإسلامي في مجالات علوم الصدارة وما ينتج عنها من تقنيات جديدة ومستحدثة· القدرة التقنية وما تحتاجة من خبرة في تقييم التقنية الأجنبية واختيارها والمفاوضة عليها واستيعابها وتطويرها والانطلاق بها إلى تقنية محلية، وكذلك توليد التقنية على أساس الابتكارات والمعطيات العلمية الوطنية· جـ النهوض التقني، حيث تتصدى المؤسسات العلمية والتقنية في الدول الإسلامية لاحتياجات الصناعة والقطاعات الإنتاجية الأخرى من بحث وتطوير، وحل المشاكل وتنمية القوى البشرية، وإحداث التحول التقني، وتوليد التقنية المحلية والتعامل مع التقنيات المتقدمة···· إلخ· دـ الوثوب التقني، حيث الانتقال المباشر إلى التصنيع القائم على التقنية المتقدمة دون انتظار تطور الصناعات التقليدية في الدول الإسلامية، بمعنى الانتقال المباشر إلى الصناعات الأكثر تقدما، وتركيز الموارد في عدد محدود من الفروع والصناعات مما يؤهل منتجات تلك الصناعات للمنافسة في السوق المحلية والعالمية· (9) تكامل العلم والتقنية مع نسيج الحياة لمجتمعات العالم الإسلامي حتى يمكن إيجاد مساندة شعبية لجهود التقدم المؤسس والمعتمد على العلم والتقنية· (10) تجانس البيئة التشريعية مما يتطلب تحديث التشريعات التي تحكم السياسات الإقتصادية والتجارية والمعلوماتية والجنائية، خاصة تلك التي تتعلق بالتنافس والتصدير وسلامة التطبيق التقني وأخلاقيات المعارف العلمية والتقنية، وكذلك الأدوات التشريعية التي تحكم الأداء في مؤسسات البحث والتطوير· (11) الاهتمام بالقضايا والاتجاهات الهامة للعلم والتقنية في القرن الحادي والعشرين، التي يجب التعامل معها مستقبلا مثل التعاون العلمي >عولمة العلم<، والفجوة بين علماء الدول المتقدمة وعلماء الدول النامية· >التنمية التقنية الإندونيسية في صناعة الطائرات····· تجربة نجاح<· وقد قامت بعض الدول الإسلامية بتبني العديد من الأساليب الاستراتيجية التي أدت إلى حدوث تقدم في بعض قطاعاتها· وفيما يلي نستعرض نموذج أندونيسيا في مجال صناعة الطائرات· وقد مرت عملية التنمية التقنية الإندونيسية في مجال صناعة الطائرات بالمراحل الآتية : (1) مرحلة السيطرة على التقنية والهدف منها كان التعلم وتشرب التقنية وهضمها ونشرها واستيعابها، حيث تم تعلم ما انتهى إليه الآخرون· وسارت إندونيسيا لتحقيق هذه المرحلة بعقد تحالفات مع أصحاب التقنية في مجالات الصناعات الاستراتيجية ومنها النقل الجوي، ومن خلال التحالفات تحققت الفائدة المرجوة وهي الفهم والتعلم ثم السيطرة على التقنية المعروفة من خلال التعامل مع أصحابها، وفي النقل الجوي تم التعاقد مع شركة أسبانية وبدأ التعاقد بنسبة مساهمة علمية وتقنية إندونيسية تبلغ صفر% عام 1975م وتدرجت النسبة حتى بلغت 100% عام 1987م، وهنا بلغت إندونيسيا مرحلة الاستيعاب الكامل للدرس· (2) مرحلة تكامل المعارف التقنية وفي هذه المرحلة كانت النفس قد امتلأت بالثقة وجرى العمل على مستويات أكثر طموحا، وتضمنت استيعاباً أكثر لفلسفة البحث العلمي واستخداماً أعمق لكل رصيد المعرف السابقة وأسرارها· وتحول العقد في هذه المرحلة إلى عقد بين شركاء على مستوى الندية والتكافؤ، وأصبح موضوع التعاون هو تصميم وبناء وإنتاج طائرة جديدة تماما وأكبر حجما· وبنهاية هذه المرحلة خلقت إندونيسيا لنفسها قدرة كبيرة للبحث والتطوير والإنتاج الذي يعتمد عليها· (3) مرحلة توليد التقنية وذلك من خلال إبتكار نوعيات جديدة من السلع تستخدم فيها مجموعة المعارف التي تراكمت لدى المؤسسة الوطنية للبحث والتطوير ومعها مؤسسة الإنتاج، على أن تتصف هذه السلع بالقدرة على المنافسة· خاتمة: الصراع الإنساني بين الأفراد والجماعات وبين الأمم والشعوب كائن منذ الخليقة، وسيظل باقيا ومستمرا ما بقيت في الأرض حياة، لأن الصراع من لزوميات الحياة وجزء من مكوناتها بين سائر المخلوقات، لكونه في الحقيقة ـ صراعا على الوجود والتمكن والسيطرة، وإن اختلفت أشكاله وتنوعت أدواته وتعددت ميادينه، باختلاف الظروف والعصور والأزمان· لقد كان الصراع في الماضي صراعا بدنيا الغلبة فيه للأقوى جسدا، ومع نضوج العقل البشري صارت الغلبة للأذكى وللأكثر علما وعملا، والعلم النظري والمعرفة الأكاديمية البحتة لا قيمة لها إلا بمقدار ما تحظى به من تطبيق عملي يثري الحياة ويعود بالنفع على الإنسان، ومن هنا ظهرت قيمة التقنية وأهميتها وخطورتها· ولعل الشيء المتفق عليه اليوم أن تقدم الأمم لا يقاس بما لديها من مواد أولية أو ثروات باطنية، بل أصبح المعيار الحقيقي هو قدرة تلك الأمم على الابتكار ووضع النظرية العلمية موضع التطبيق، وكذلك بما لديها من طاقات بشرية قادرة على تناول تلك المعطيات العلمية والقدرات التقنية· لذا فالأمة الإسلامية التي تمثل ربع سكان العالم والتي تمثل أكبر تجمع بشري في العالم تجمعه عقيدة واحدة مطالبه بالتصدي للتحديات العلمية والتقنية وأخذ كل السبل التي تجعل من المسلمين بحق خير أمه أخرجت للناس كما أراد لها ربها ودينها الذي هو دين العلم والتقدم والحضارة الحقيقية·
·