المقالات
أبعاد رقمية متشابكة في انتخابات الرئاسة الأميركية
ما زال البريد الإلكتروني لوزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، وهي مرشحة الحزب الديموقراطي للرئاسة الأميركيّة، يؤرّق تلك السيّدة التي سجّلت سابقة تاريخيّة بأنها أول أنثى
أحمد مغربي
Wednesday, August 31, 2016 - 03:19 PM
Views: 436
يرشحها حزب أميركي كبير للمنصب الأول في البلاد. على رغم قرارات المحاكم في شأن علاقته بسياسة البلاد ومؤسّساتها الأمنيّة، وسقوط ادعاءات من «هاكر» أميركي بأنّه اخترقه مراراً، إلا أن كلينتون ما زالت مطالبة بتقديم مزيد من التفسيرات إلى المحاكم، قبل أن تسدل الستارة على تلك القضية التي ربما لا تنتهي حتى بدخول تاريخي لكلينتون إلى البيت الأبيض. إذ تصرّ حملة البليونير دونالد ترامب، المرشح الجمهوري المثير للجدل والصخب (والعنف أحياناً، مع الاعتذار لرواية «الصخب والعنف» لويليام فوكنر)، على الضغط على العصب المكشوف لبريد هيلاري كيلنتون عندما كانت وزيرة خارجية، خصوصاً في شأن ليبيا.
وليس غريباً أن يكون الاهتمام بالبعد المعلوماتي مرتفعاً في انتخابات الرئاسة في بلد هو مهد الثورة المعاصرة في المعلوماتية والاتصالات المتطوّرة، بل أنه القاطرة (ربما تسير بسرعة الصاروخ أو الضوء) التي تحرك مسار المعلوماتية والشبكات والاتصالات المتقدّمة عالميّاً.
وفي ذلك الإطار يمكن فهم الصخب الذي رافق الكشف عن علاقة بين بول مانافورت المدير السابق لحملة ترامب، وحزب سياسي أوكراني على علاقة مع روسيا، تضمّنت تلقي مانافورت قرابة 12 مليون دولار من ذلك الحزب. وزاد من حدّة الصخب اتهامات من الحزب الديموقراطي لروسيا بأنها وجّهت مجموعة من الـ»هاكرز» لاختراق الخوادم الإلكترونيّة لذلك الحزب، مع ملاحظة شبه استحالة إثبات ذلك الاتهام. فمن الناحية التقنية، يكاد يستحيل التعرّف إلى الجهة التي تشن هجمات من ذلك النوع عبر فضاء الإنترنت، نظراً للطابع المتشابك والمعقّد لذلك الفضاء.

حضور شبح سنودن
كذلك تلقي تلك المعطيات (وأخرى كثيرة تماماً) الضوء على مراهنة جوليان أسانج، مؤسّس موقع «ويكيليكس» الشهير، على تأثير وثائقه المتّصلة بالمرشحة كلينتون، على حملتها الانتخابيّة ومصيرها سياسيّاً.
والأرجح أن أميركا ما بعد أزمة خبير المعلوماتية إدوارد سنودن، ليست كأميركا ما قبل تلك الفضيحة المدويّة. واستطراداً، يشبه ذلك ما ذهبت إليه مجلة «فورين أفيرز» في أعداد كثيرة في السنوات القليلة الفائتة، بأن الديبلوماسيّة الأميركية والدوليّة بعد وثائق «ويكيليكس»، هي غير ما كانته الديبلوماسية قبلها. ربما ليس مبالغة القول أن تغيير الأزمنة وأحوالها لا يجري بضربة عصا سحريّة، على طريقة قصص المَرَدَة والجان، بل أنه أمر ينجز بأشياء تبدو صغيرة، لكنها تتواصل وتتراكم وتتفاعل إلى أن يحدث تغييراً ما، أو يذهب أمرها سدىً.
والأرجح أن ما فعله سنودن وأسانج لم يذهب سدىً لحد الآن. ربما لا يضجّ أمرها بنفس الصخب الذي يرافق أحداثاً أشد فوراناً وعنفاً وقسوة، كالضرائب والبطالة وأزمة الاقتصاد (المال عنصر حاسم دوماً في الانتخابات الأميركيّة)، واستقلالية أميركا عن نفط الشرق الأوسط (وهو مطلب ارتفع شأنه منذ أزمة النفط التي أعقبت حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973)، ومجازر «داعش» ومدى نجاعة السياسة الخارجية وغيرها. ولا يعني ذلك أن ما يتّصل بشأن المعلوماتيّة والاتصالات لا يمثّل جزءاً أساسيّاً من اهتمامات المواطن الأميركي.
والأرجح أنّ تفجّر فضيحة التجسّس الإلكتروني العالمي الذي تمارسه «وكالة الأمن القومي»، ما زال حاضراً في بال شرائح واسعة من الأميركيين. ويزيد في أهمية حضورها أنها اتّصلت مع نقاشات اندلعت منذ ضربات الإرهاب في 11/9، في شأن العلاقة بين الأمن والحريات العامة والخصوصيّة الفرديّة.
ولعل رنّة الانتصار كانت واضحة في كلمات المحامي الأميركي- العربي هاني فاخوري، وهو مسؤول في مؤسسة «الجبهة الإلكترونيّة» Electronic Front، في سياق تعليقه على قرار من «المحكمة العليا» صدر في 2014، يساوى بين حصانتي الخليوي والبيت. «إنه انتصار ضخم للخصوصية الرقميّة. إذ أقرّت «المحكمة العليا» بحساسيّة المعلومات الكثيرة المُجمّعة في الخليوي، وهو أداة شخصية للمعلومات باتت جزءاً من حياة الأفراد فلا يستطيع أحد الاستغناء عنها»، وفق كلمات المحامي عينه.

ولم يتردّد فاخوري في الربط بين حماية المعلومات الشخصية على الخليوي من جهة، وبين الأشكال المتنوّعة لاقتحام المساحة الإلكترونيّة في الحياة اليومية للأفراد. «صار المجتمع رقميّاً بصورة تتصاعد باستمرار. يجب العمل على أن يكون لقرار المحكمة إملاءات على الأشكال الأخرى من أشكال المراقبة والتفتيش والرصد التي تمارسها السلطات الحكوميّة»، وفق كلمات فاخوري التي لا يصعب تلمّس الآثار العميقة للتورّط العميق لـ»وكالة الأمن القومي» في التجسّس الإلكتروني الواسع على الناس والمؤسسات والحكومات.
وتصادف أيضاً أن ذلك القرار عينه، جاء قبيل أن تكشف صحيفة «واشنطن بوست» أبعاداً جديدة في تجسّس تلك الوكالة، عبر وثائق جديدة سرّبها سنودن. وتبيّن الوثائق أن «وكالة الأمن القومي» كانت مخوّلة بالتجسّس على الدول كافة، باستثناء أربعة هي بريطانيا وكندا ونيوزيلندا وأستراليا.
ربما نافلاً القول أن إسرائيل لم تكن استثناءً عن عين «الأخ الأكبر» الأميركي، ما يذكّر أيضاً بأن أحد القضايا الأكثر حساسيّة بين أميركا وإسرائيل هي قضية الجاسوس جوناثان بولارد، المتهم بنقل معلومات استراتيجية حسّاسة من وطنه الأميركي إلى إسرائيل.