Breaking
المقالات

ثورة المواصلات والهجرات وتوسع الأراضي المزروعة ... عوامل انعطاف القرن التاسع عشر إلى العولمة

ما يلاحظ في أوائل القرن التاسع عشر، ليس ولادة الروابط والعلائق العالمية، القائمة من قبل، بل كثافتها وتعاظمها المدهشان، وتطاولها إلى المبادلات التجارية البعيدة، وإلى عدد المهاجرين. وإلى ذلك، تغيرت طبيعة هذه الروابط. فالتجارة بين القارات،

ثورة المواصلات والهجرات وتوسع الأراضي المزروعة ... عوامل انعطاف القرن التاسع عشر إلى العولمة
Click to enlarge

ما يلاحظ في أوائل القرن التاسع عشر، ليس ولادة الروابط والعلائق العالمية، القائمة من قبل، بل كثافتها وتعاظمها المدهشان، وتطاولها إلى المبادلات التجارية البعيدة، وإلى عدد المهاجرين. وإلى ذلك، تغيرت طبيعة هذه الروابط. فالتجارة بين القارات، قبل القرن التاسع عشر، كانت مادتها سلعاً لا تنتجها البلدان المستوردة أبداً أو قليلاً جداً. وعلى سبيل المثل، كان الحرير والشاي الصينيان يستوردان إلى أوروبا التي لا تنتجهما. وكانت الفضة الجنوب أميركية تصدر إلى الصين، ومواردها من مناجم الفضة القليلة. وعلى العموم، يصح القول إن التجارة العالمية لم تكن «لتنافس» الإنتاج المحلي.

واستقرت في القرن التاسع عشر تجارة ضخمة تستورد أو تصدر سلعاً أو منتجات مثل الحنطة تنتجها البلدان التي تستوردها. وهذا صنف جديد من التجارة ترتبت عليه مفاعيل بالغة الأثر. فتسويق سلع مستوردة يقل ثمنها عن ثمن نظيرها المحلي يصيب عوامل الإنتاج في القلب. ومعظم المنتجات المحلية هذه يشتريها ويستهلكها جمهور بلدي عريض. فلو علقت فجأة مبادلة الشاي الصيني بالفضة الجنوب أميركية، في القرن الثامن عشر، لما أثر تعليقها في سكان ضفتي المحيط الهادئ، ولما دري به معظمهم، على خلاف الحال في منتصف القرن التاسع عشر. ففي ذلك الوقت كان شطر راجح من غذاء الأوروبيين مصدره اللحوم والحنطة المستوردة من أميركا الشمالية وأميركا الجنوبية، ولا قيامة للصناعة البريطانية من غير أقطان جنوب الولايات المتحدة وأصواف زيلندا الجديدة (نيوزيلندا).

واختلفت طبيعة هجرات السكان في ذلك الوقت. فإلى القرن التاسع عشـــر، غلـــبت صفة الإرغام والقسر على الهجرات البعيدة. والرقيق الأسود هو المثل البارز على طبيعة الهجرات السكانية الجماعية. وهي حال بعض المستعمرات العسكرية ومعتقلات السخرة والأعمال الشاقة. والقرن التاسع عشر هو فاتحة غلبة الهجرات على الهجرات القسرية. فغلب عدد المهاجرين الذين يسافرون على نفقتهم ويرسون في مرافئ لا ينتظرهم فيها من يضطرون إلى العمل في مزارعهم أو مصانعهم، رغماً عنهم، على سواهم. والأطلسي هو مسرح هذه الظاهرة الأول، ولكنها برزت كذلك في المحيط الهندي وفي بحر الصين الجنوبي.

ولم تقتصر المبادلات على تجارة السلع. فمع تقلص أكلاف الطباعة وتحسن تقنيات التواصل، تعاظم تداول الأفكار على نحو غير معروف ولا مسبوق. وأصبح في مستطاع متعلم في البنغال الهندية، في 1810، الإدلاء برأيه في الدستور الإسباني الذي يعده ليبراليو مدينة قاديس (قادِس) على الساحل الأطلسي (من إسبانيا). ولم تكن أوروبا وحدها القلب الخافق لشبكة التواصل هذه، فقنوات الأفكار والمعلومات وصلت بين قطبي ما نسميه اليوم الشمال والجنوب. ورافقت الديناميات الدينية المتجددة التوسع التجاري والمداولات الفكرية. وكان حظ البروتستانتية منها في أوائل القرن التاسع عشر راجحاً. فجواباً عن تحدي أفكار الثورة الفرنسية العلماني، صيغ في بريطانيا خصوصاً مفهوم جديد عن التبشير والدعوة. وتخطى التجديد الدائرة الأوروبية والمسيحية إلى العالمين البوذي والإسلامي. وحين ظهر الإصلاح الإسلامي في مصر في أواسط القرن التاسع عشر، ترددت أصداؤه في أنحاء آسيا الوسطى كلها، وبلغت غرب الصين.

وتداعت الأمور في هذا المضمار تداعياً شيقاً. فاضطر العلماء حيال الحداثة الأوروبية وتحديها في قلب الشرق الأوسط، المشهود في حفر قناة السويس، إلى استئناف الاجتهاد والتأويل وفتح أبوابهما. فنفخت المبادرات الاستعمارية الأوروبية في أشرعة الإصلاح الديني. وفي 1893 انعقد مؤتمر الديانات الدولية، مع معرض شيكاغو الكوني، وحمل الديانات غير الأوروبية على التفكير في كونيتها أو عالميتها، وعلى إنشاء أبنية وأنظمة على مثال قريب من الأبنية المسكونية.

وهذا التداول الثقافي، على المعنى الأوسع للعبارة، اختبر على صعيد الشبكات غير الشكلية أو غير النظامية. فباشره عامة الناس الذين لم تنقطع روابطهم بعائلاتهم أو بأصحابهم في وطنهم. ومن طريق هذه الروابط نسج عالم من الخبرات، ومن الوسائط والقنوات. وحين ترسو سفينة في ميناء، لا يقتصر رسوها على تحميل حمولة من البضائع أو تفريقها، فالبحارة النازلون إلى البر ينسجون روابط وعلاقات مع طواقم السفن الأخرى، ومع أهل البلد، ويتناقلون آراء وأخباراً... وجراثيم أوبئة.

وخريطة انتشار الكوليرا (الهواء الأصفر) في القرن التاسع عشر هي صورة عن خريطة الطرق البحرية والموانئ. ولما كانت السفن لا تكف عن الإبحار، اتصلت موجات الأوبئة، وخلف الوباء الأخير الوباء الذي سبقه. ولم يبتكر القرن التاسع عشر عولمة الأوبئة، فسابقة الاجتياح الجرثومي الأميركتين في القرن السادس عشر مشهورة، ولكن القرن التاسع عشر فاقم الظاهرة.

ويعود تعاظم الحركة التجارية الدولية إلى ابتكارات تقنية سبقت البخار طوال القرن الثامن عشر، وخفضت أسعار النقل. وأدى تخفيض أسعار النقل والسفر إلى زيادة أعداد المسافرين وتقلص حاجتهم إلى تقديمات على ثمن التذكرة. وكانت البحرية البريطانية طاردت القراصنة، وأخلت الأطلسي منهم. فخفضت الشركات أسعار التأمين على شحن البضائع وعلى المسافرين، وسعت شركات الملاحة إلى تقليص طواقم البحارة على السفن بعد انتفاء الحاجة إلى رجال يتولون الحراسة والدفاع عن السفينة. ومع القرن التاسع عشر، بلغت سيرورة اختزال النفقات أوجها. ولا شك في أن كفة التصنيع رجحت تدريجاً وطرداً مع تقدم القرن. واقتصاره على أوروبا الغربية والولايات المتحدة لم يحل دون التهامه كمية هائلة من القطن والصوف.

وغلبت تجارة المواد الأولية والخامات (الشاي والبن والحنطة والشعير ولحوم الضأن والخنزير ومادة الأفيون)، إلى وقت متأخر من القرن، تجارةَ السلع المصنعة وتقدمت عليها. ولكن زيادة الطلب البريطاني على الشاي والسكر تعود جزئياً إلى التصنيع. فالنماء الاقتصادي في المجتمع الصناعي يؤدي إلى زيادة القوة الشرائية ويمكن العاملين من شراء سلع كانت وقفاً، إلى حينها، على دائرة نخبة. فيجدد العاملون نمط الاستهلاك. وعلى هذا، انتقل التبغ من نوادي النخبة الاجتماعية والاقتصادية إلى مقاهي العمال ومقاصفهم.

وعلى طرف آخر من حلقات السلسلة الاقتصادية، ساهم توسع الأراضي المزروعة اتساعاً هائلاً في توسع المبادلات. فالولايات المتحدة والبرازيل والأرجنتين وسعت زراعاتها داخل أراضيها وأقاليمها. ويلاحظ نظير هذه الظاهرة في الصين، وعلى الأخص في مقاطعتي هونان وسيشوان، وفي شبه الجزيرة الهندية، وشرق روسيا ونيوزيلندا، جراء استصلاح الأرض وتعميرها. وفي القرن التاسع عشر، يصح القول أن الظواهر المتفرقة، مثل ثورة المواصلات والهجرات وتوسع الأراضي المزروعة تتناغم وتتجاوب. فالأوروبي الذي يجتاز الأطلسي ويبلغ الولايات المتحدة في مستطاعه الإقامة والتوغل فيها جراء توسع شبكة سكك الحديد. ويصح مثل هذا في البرازيل والأرجنتين والمكسيك. والبضائع التي تنتج في هذه البلدان تسوّق في المدن الساحلية، وتصدر إلى أوروبا على متن البواخر. وأتاح تحسين المواصلات للمنتجين الابتعاد من دوائر الاستهلاك وبلوغها معاً، والمنافسة على الأسواق.

فما حال مزارع متواضع في أوروبا الوسطى، في خمسينات القرن التاسع عشر (1850)، إبان نضوج هذه الظواهر معاً، حين تتدفق عليه واردات الحنطة الأميركية من الموانئ الأوروبية؟ لا شك في أن منافسة البضائع الرخيصة السعر، من نتاج الوحدات الكبيرة، على التصريف في الأسواق الأوروبية، مستحيلة. وإذا توجه المزارع المغلوب على أمره إلى المدينة، ثم صعد على ظهر باخرة، لأن الإقامة في المدينة لم تؤت ثمرة مقنعة، واجتاز الأطلسي إلى ضفته الأميركية، وقصد الداخل الأميركي بواسطة السكك الحديد وخطوطها المتوغلة في الأراضي، وشارك في زيادة إنتاج الحنطة وتصديرها- فاقم التضييق على المزارعين المتواضعين في أوروبا الوسطى وغيرها، وانخرط في سيرورة تتغذى وتنمو ذاتياً.

وعلى هذا النحو تموت الأعمال ووحدات الإنتاج المتواضعة. وقد يسع أقواها البقاء إذا هي اشترت آلات حصاد وتذرية بخارية. فتقلص عدد اليد العاملة فيها، مقارنة بالمزارع الأربع أو الخمس في جوارها المباشر، وتضمها إليها في نهاية المطاف. ففي هنغاريا (المجر)، بلغ عدد آلات الحصاد 20 ألفاً في أواخر القرن التاسع عشر، وكان صفراً في منتصف القرن. وتتمتع أراضي الحنطة الشاسعة في الأميركيتين، وفي الأراضي الروسية السود وأستراليا، بقوة هائلة على التغيير والتأثير. ويقول بعض المؤرخين أن الزراعة الأوروبية لم تتمكن من البقاء، ومقاومة الاندثار المترتب على منافسة الزراعات الساحقة (الأميركية والروسية والأسترالية)، إلا غداة الحرب العالمية الثانية.

وجرت العولمة انقلابات عميقة، وأثارت مقاومات حادة. وعلى رغم حصول الانقلابات والمقاومات على نحو مستقل، في أطر وطنية ومحلية، وقد تنزع إلى الانكماش العصبي والقومي ويغلب عليها الانكفاء الضيق، إلا أنها لا تلبث أن تصطبغ بصبغة دولية مشتركة. والأمم التي ولدت واشتد عودها في القرن التاسع عشر تدين ببعض عواملها إلى العولمة.

 

 

* مؤرخ أميركي، أستاذ التاريخ في جامعة شيكاغو، عن «ليستوار» الفرنسية، 7-8/2016، إعداد منال نحاس

Print Article Send to Friend Add Comment

Reader Comments

Share Your Opinion