عاجل
الأخبار

«شاناق» شاهد على مساهمة «الآخر» في حضارة العرب

في سنة غرقت في الدم والآلام المتسربلة بصور من تطرّف يصر على رؤية استعلائيّة وانعزالية للحضارة العربية - الإسلاميّة، أصدرت «مكتبة الإسكندرية» كتاباً علميّاً يصلح دليلاً على أن التجربة الحضاريّة للعرب هي على عكس الفكر الإنعزالي الذي تشرّبته رايات الإرهاب السود. والأرجح أن كتاب «شاناق في السموم والترياق» هو من الأدلة على أن الحضارة العربيّة - الإسلاميّة تألقت وصعدت ورفدت ركب الحضارة، بفضل عوامل جمة يتقدّمها انفتاح العرب آنذاك على معطيات الحضارات الإنسانيّة كلها. وآنذاك، بدا «الآخر» جزءاً من الذات بالمعنى الحضاري. ونافلاً الإشارة إلى الاهتمام الفائق الذي أولاه العرب آنذاك أيضاً لترجمة ما وصل إليهم من تراث الإنسانية في العلوم والفلسفة والثقافة وغيرها. وتصلح الصورة الضخمة عن «مكتبة بغداد» أيام المأمون، فكانت أشبه بخلية نحل لا تهدأ فيها حركة النقل والترجمة، التي نقلت إلى العربيّة ذخائر اليونان والفرس والهنود وغيرهم. (كم كتاباً تترجم بغداد اليوم)؟ وجمعت أروقة تلك المكتبة مترجمين من شعوب المنطقة العربيّة كافة، خصوصاً من غير المسلمين ممن كانوا على تضلّع بلغات الشعوب والحضارات الأخرى. ويصعب إغضاء

«شاناق» شاهد على مساهمة «الآخر» في حضارة العرب
اضغط للتكبير

في سنة غرقت في الدم والآلام المتسربلة بصور من تطرّف يصر على رؤية استعلائيّة وانعزالية للحضارة العربية - الإسلاميّة، أصدرت «مكتبة الإسكندرية» كتاباً علميّاً يصلح دليلاً على أن التجربة الحضاريّة للعرب هي على عكس الفكر الإنعزالي الذي تشرّبته رايات الإرهاب السود. والأرجح أن كتاب «شاناق في السموم والترياق» هو من الأدلة على أن الحضارة العربيّة - الإسلاميّة تألقت وصعدت ورفدت ركب الحضارة، بفضل عوامل جمة يتقدّمها انفتاح العرب آنذاك على معطيات الحضارات الإنسانيّة كلها. وآنذاك، بدا «الآخر» جزءاً من الذات بالمعنى الحضاري. ونافلاً الإشارة إلى الاهتمام الفائق الذي أولاه العرب آنذاك أيضاً لترجمة ما وصل إليهم من تراث الإنسانية في العلوم والفلسفة والثقافة وغيرها. وتصلح الصورة الضخمة عن «مكتبة بغداد» أيام المأمون، فكانت أشبه بخلية نحل لا تهدأ فيها حركة النقل والترجمة، التي نقلت إلى العربيّة ذخائر اليونان والفرس والهنود وغيرهم. (كم كتاباً تترجم بغداد اليوم)؟ وجمعت أروقة تلك المكتبة مترجمين من شعوب المنطقة العربيّة كافة، خصوصاً من غير المسلمين ممن كانوا على تضلّع بلغات الشعوب والحضارات الأخرى. ويصعب إغضاء الطرف عن ترجمة الثقافة والعلوم التي كانت متراكمة لدى غير المسلمين في المنطقة العربيّة، على غرار «الفلاحة النبطيّة» لابن وحشيّة. وضمّت تلك التراكمات معارف متصلة ربما إلى أزمنة الفراعنة والفينيقيين والكنعانيّين والبابليّين والسومريين والكلدان وغيرهم.

على خطى «ألف ليلة وليلة»

ووصل أمر ذلك التفاعل الحضاري الفوّار إلى حدّ تراجعت فيه الفوارق بين نتاجات الحضارات التي تفاعل معها العرب، بل أن بعضاً من أبرز ما انتجته الحضارة العربيّة بقي متداخلاً ومتشابكاً مع بقية الحضارات، فما عاد من الممكن معرفة الأصل ولا فصله عن الإضافات والإثراءات والإغناءات المتواصلة. من لا يعرف «ألف ليلة وليلة»، لكن أصلها «ملتبس» بمعنى أن جذورها تمتد إلى تربة حضارات شتى. وينطبق وصف مشابه على «كليلة ودمنة» مثلاً، التي قيل إنها ترجمت من أصل هندي - فارسي، مع إضافات عربيّة صارت جزءاً أصيلاً من نسيجها. والأرجح أن التداخل كان أشد فوراناً وتفاعلاً في الفلسفة والعلوم، بمعنى أن علماء العرب اشتغلوا على تلك الترجمات، فحفظوها من جهة، وكذلك أضافوا إليها شروحات ضافية، ثم بنوا عليها كثيراً من نتاجاتهم الأصيلة. والأرجح أن الوصف ينطبق على أعمال الطب عند ابن سينا مثلاً، الذي طوّر ما وصله من طب اليونان والرومان، وصولاً إلى إنتاج أعماله العلميّة الأصيلة التي بقيت مرجعاً في أوروبا لقرون مديدة.

ويبدو أن تلك الصورة ذاتها تشمل كتاب «شاناق في السموم والترياق» الذي صدر في 2016 عن «مركز المخطوطات» في «مكتبة الإسكندرية»، بتحقيق ودراسة من المختص محمد يسري سلامة. وفي تصديره للكتاب، يشير د. إسماعيل سراج الدين إلى أن الكتاب ينسب إلى أصل هندي لكنه «لا يخلو من شذرات واضحة (من) الطب اليوناني القديم... (واستفاد منه) ابن وحشية النبطي (توفي 296 هـ) في كتابه «السموم والترياقات»... (بل كان) أحد موارده الرئيسة». ووفق سراج الدين، «يتناول الكتاب تأثير المواد الطبيعيّة والكيماويّة في الكائنات الحيّة، خصوصاً الإنسان، كما يبحث في تكوين المواد السامة والآليات التي تسبب أعراض التسمّم، وأنواع الترياق الذي يعطى للمتسمّم».

وفي مقدّمة المحقّق يسري سلامة، يرد أن أصل الكتاب مجهول في لغته الأم، وهي السنسكريتيّة الهندية، بل إنه لا يعرف إلا بصورته التي أعطتها إياها ترجمته إلى اللغة العربيّة، ما يؤشّر مجدداً إلى عمق التفاعل المنفتح بين الحضارة العربيّة عندما كانت متألقة وصاعدة، وبين حضارات الأمم والشعوب كلها.

وكذلك يضم «شاناق...» دراسة للباحثة د. بتينا شتراوس (ترجمتها من الألمانية إلى العربيّة يوليانا مولر). وتخصّصت شتراوس في الدراسات الساميّة، وهي شقيقة المفكر الشهير ليو شتراوس. وجعلت شتراوس كتاب «شاناق...) موضوعاً لرسالتها في الدكتوراه (1935). وتورد أنّ التداخل الحضاري في كتاب «شاناق...» وصل إلى حدّ أن بعض العلماء شكّ في كونه هنديّاً في الأصل، ونسبه إلى مزيج عربي وفارسي. وتميل دراسة شتراوس إلى تأييد الجذر الهندي للكتاب، مع الإشارة إلى ما أدخلته أيدي شعوب اخرى إليه، خصوصاً العرب.

طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك