عاجل
المقالات

فضيحة ميردوخ وفساد المال والاعلام والسياسة

شكرا والى اللقاء .. كان ذلك اخر عنوان صدر على الصفحة الاولى لجريدة " اخبار العالم " البريطانية لتعلن عن وفاتها عن عمر ناهز 168 عاما وذلك اثر فضيحة كبرى عصفت ليس فقط بحياة الجريدة بل بقلب مجموعه "نيوز انترناشيونال" المملوكة للامبراطور الاعلامي "روبرت مردوخ ، بعد الكشف عن قيامها منذ زمن بالتجسس على الهواتف المحمولة لما يزيد على اربعه الاف شخص شملت عدد كبير من كبار الساسة والمشاهير والعائلة المالكة

،وأثارت القضية الكثير من الجدل والاهتمام في آن واحد سواء بالنظر الى طبيعه اطرافها او بتداعياتها او بانتقالها من البعد الاخلاقي والمهني لابعاد سياسية واقتصادية او ما يتعلق بتعدي الازمة لحدود بريطانيا الى الخارج. مراحل سقوط القناع في عام 2002 ظهر عدد من الفضائح لمجموعه ميردوخ وتم التحقيق ببعض الاتهامات في عام 2005 الا ان الملف تم اغلاقة من دون ان يتم اصدار اتهام واضح لمجموعه مردوخ او لصحيفته وهو ما قد يدفع السلطات البريطاينة لاحقا لاعادة التحقيق في اسباب غلق التحقيق في حينه وطبيعه المتورطين في ذلك ، وفي عام 2007 تم قبول استقالة "آندي كولسن " رئيس تحرير الجريدة في اعقاب فضيحة تصنت على البريد الصوتي للعائلة المالكة .وفي ابريل من العام الجاري اعلنت "نيوز كورب" انها قامت بتسوية قضايا وقدمت تعويضات لبعض الشخصيات بسبب التجسس على هواتفهم عام 2010 وبلغت قيمة التعوضيات في الثلاث سنوات الماضية اكثر من 600 مليون دولار فضلا عن قضايا التسوية مع الشركات المنافسة وفي شهر يوليو 2011 اعيد فتح القضية من جديد بعد الكشف عن تعرض ما يزيد على 4000 شخص للتجسس بما شكل صدمة للمجتمع البريطاني افقدته الثقة اولا في نظامة الديموقراطي الليبرالي وثانيا في جريدة "اخبار العالم " الاكثر انتشارا بما يزيد على 2,8 مليون نسخة يوميا ،وهو ما دفع رئيس الوزراء البريطاني "كاميرون" لاختصار جولته التجارية في افريقيا لفتح التحقيق . وجاء ذلك بعد كشف " شون هور" الصحفي بان الجريدة تقوم بالقرصنة على هواتف المواطنين وهو ما تسبب في مقتلة فيما بعد في ظروف غامضة وخاصة بعد ادلائة بمعلومات تؤكد تورط الشرطة وامكانية الحصول على المعلومات من شرطة العاصمة باستخدام "بنكي نج " وهو استخدام تقنية الهواتف المحمولة لمعرفة أماكن وجود الأشخاص، وهذه المعلومات والوسائل التقنية المتقدمة يمتلكها كبار المسئولين في الشرطة واكتسبت القضية اهميتها بعلاقتها بكافة جوانب الحياة العامة في بريطانيا وعلاقتها بمكتب رئيس الوزراء والساسة واداء جهاز الشرطة، على نحو يكشف دور مؤسسة ميردوخ الاعلامية في انتهاك خصوصية المواطنين والحصول على المعلومات بطرق غير مشروعه وتعرض حياة المواطنين للخطر والاعتداء على الاخلاقيات الصحافية،والتورط بتقديم رشاوي لضباط الشرطة مقابل المعلومات والتي منها الحصول على تفاصيل شخصية بضحايا الهجمات الارهابية في لندن 2005 والتي يتعين الابقاء عليها طي الكتمان بموجب قوانين حماية الخصوصية،بالاضافة الى التورط في نشر البريد الصوتي بعد مقتل فتاه تدعى "ميلي داولر" في عام 2002 ،وقيام احد المسؤلين باتلاف ملايين رسائل البريد الالكتروني من الارشيف الداخلي لعرقلة تحقيقات شرطة سكوتلانديارد،ومن المنتظر ان يتم الكشف عن تجاوزات اخرى التحول لقضية اعلام دولية على الرغم من نفي "روبرت ميردوخ " في جلسة التحقيق التي عقدها مجلس العموم البريطاني بدعوة من لجنة الثقافة والاعلام والرياضة بخصوص واقعه التصنت الا ان ابنه جيمس قدم اعتذار عن الواقعه ، ودفعت حملة الانتقادات الواسعه من القوى السياسية البريطانية والخوف من تاثير ذلك على استثماراتة لاعلانه عن اغلاق الصحيفة محل التورط بما حمل اعتذارا ضمنيا وقاسيا ، وخسرت امبراطورية ميردوخ مليار دولار من قيمتها بعد الكشف عن الفضيحة،بل وضغطت الحكومة البريطانية لمنع ميردوخ في التفكير في عقد صفقات اندماج جديدة وتسبب ذلك في تخليه عن صفقة قيمتها 12 مليار دولار لشراء جميع اسهم "بي سكاي بي " لبث الاقمار الصناعية . وسعت الحكومة البريطانية لاستعادة ثقة المواطنين في اداء وسائل الاعلام وفاعلية الاجهزة الرقابية واعادة فتح ملفات الصحف الاخرى والوقوف حول مدى تورط صحف اخرى منافسة مثل "ديلي ميرور " او "صنداي ميرور " في اعمال مشابهه لصحيفة ميردوخ،واعتبر زعيم حزب العمال المعارض ذلك انتصارا للشعب البريطاني،وتمت مطالبتة رئيس الوزراء "كاميرون " بالكشف عن طبيعة العلاقة مع ميردوخ ابان الانتخابات النيابية في مايو 2010،وقدم زعماء الاحزاب السياسية تقارير للراي العام حول القضية سواء من المحافظين والديموقراطين الاحرار الذين يشكلان الحكومة والاكثر تضررا في شعبيتهما او من جانب حزب العمال المعارض وظهرت بعض التوجهات المطالبة باستقالة رئيس الوزراء من منصبة على خلفية تلك القضية وعلى صعيد الإجراءات القانونية اعتقلت الشرطة البريطانية "ريبيكا بروكس "الرئيس التنفيذي السابقة "لنيوز كورب" للاشتباه في ضلوعها في قضايا التصنت والفساد ،وتم إعتقال "آندي كولسن" المدير السابق للإتصال في حكومة كاميرون ورئيس التحرير السابق للجريدة . وتم ذلك بعد استقالة "ستيفنسون " رئيس شرطة العاصمة بعد الاتهامات بعلاقة الشرطة بشركة نيوز انترناشونال وخاصة بــ"نيل واليس " نائب رئيس تحرير الجريدة " ومن ناحية اخرى اعترف سياسيين بريطانيين لمحطة IBC بسعيهم لكسب ود الصحف التي يملكها مردوخ. وخرج رئيس الوزراء الاسبق "براون " ليتهم ميردوخ باستخدام مجرميين معرفين للاعتداء على الحريات الخاصة للمواطنين وخاصة في حملته الانتخابية . ودعت الصحافة القريبة في الولايات المتحدة من الحزب الديموقراطي والمنافسة لامبراطورية ميردوخ الاعلامية- الحاصلة على دعم الحزب الجمهوري - لقيام مكتب التحقيق الفيدرالي " FBI" في التحقيق في اعمال هذه الامبراطورية والبحث عن امكانية قيامها بالقرصنة على الهواتف ومدى ارتكابها اعمال مخالفة للقانون وفق ما ذكرته "الجارديان " البريطانية وخاصة ان امبراطورية ميردوخ تنطلق من مركزها في نيويورك وتمتلك شبكة "فوكس " وصحيفة "نيويروك بوست " و27 قناه تلفزيونية محلية وشركة فوكس للقرن العشرين المنتجة لافلام هوليوود. وقد يواجهه جيمس ميردوخ ومؤسسة "نيوز كورب" باتهامات في بريطانيا بسبب قانون صلاحيات تنظيم الاستثمار الصادر عام 2000 وفي الولايات المتحدة تحت طائلة قانون ممارسات الفساد الاجنبي الذي يهدف لمراقبة السلوك السيئ للاستثمارات الاجنبية . اما عن منطقة الشرق الاوسط فقد اتجة ميردوخ للاستثمار الاعلامي عبر شراكته مع الوليد بن طلال والذي اعلن ثقته في القضاء – ثاني اكبر مساهم في مؤسسة نيوز كورب بنسبة 7% -

وتم عقد في عام 2009 لثلاث صفقات لشراء شركات اجنبية لاصول اعلامية في الشرق الاوسط وبلغت قيمتها 44 مليون دولار ولدى مردوخ 9% من اسهم شركة روتانا ، وتستهدف مجموعه نيوز كورب في اطلاق قناه اخبارية باللغه العربية . سيطرة وسائل الإعلام والحياة السياسية تطرح قضية ميردوخ طبيعة العلاقة بين وسائل الاعلام والسياسية وخاصة ان له اجندة سياسية ويكفي الاشارة لدوره في اسقاط حزب العمّال الجديد في الانتخابات عام 1997 وزيارة رئيس الوزراء الاسبق توني بلير له في أستراليا طالبا مساندته في الانتخابات ودعمة للمحافظيين الجدد في الولايات المتحدة ووقوفة مع الرئيس الامريكي السابق بوش وغزو العراق وحرب اسرائيل على لبنان في 2006 وهو من اهم مناصري جمعية الصداقة الامريكية- الاسرائيلية . ولميردوخ المحسوب على اليمين المتطرف علاقة قوية باللوبي اليهودي في بريطانيا والولايات المتحدة . وعكست فضيحة امبراطورية ميردوخ مسالة التوسع في ملكية الصحف ومحطات التلفزيون او بتكوين تحالفات بينهما بما امتد ليشمل 750 مؤسسة اعلامية على مستوى العالم بما يعني ان هناك فاعلا اعلاميا دوليا يستطيع ان يؤثر في الراي العام ويتجسس على السياسيين لصالح جهات غير معلومة ، وهو ما يستدعي اعادة النظر في دور الدولة الرقابي للحيولة دون الاضرار بالتعددية والتنوع والاختيار والتأثير السلبي على الحياه السياسية وعدم استغلال الحرية على نحو يضر بامن وخصوصيه المواطن. وتطرح ايضا طبيعة دور الدولة في مجال الاعلام وكمنظم لة في النظم الديمقرطية وبين سيطرة الاعلام الخاص على الحياة العامة في بريطانيا وتاثير انماط الملكية على اداة تلك الصحف او المؤسسات الاعلامية ، وخطورة الاحتكار الاعلامي لخدمات اعلامية متكاملة على الامن القومي كالاستثمار في شركات اتصالات وصحف وقنوات فضائية بما يجعل من التوظيف والاختراق والتجسس سهلا . واهمية منع الاحتكار بوضع نسب محددة لما يمكن ان يملكة أي شخص او أي مؤسسة من الوسائل الاعلامية وذلك لمنع التوجية والاحتكار وخطورة توجية الراي العام لصالح فئات محدوده و ضرورة ان تقوم الهيئات الاعلامية المستقلة في مراقبة انضباط وتنظيم ممارسات محطات التلفزيون والاذاعه و التزام الصحف والمجلات والصحفيين ورؤساء التحرير بقواعد العمل الصحفي بما فيها وسائل الاعلام ذات الملكية العامة او الخاصة. ولا ينفصل ذلك عن ضرورة تعزيز ثقافة وممارسات واخلاقيات وسائل الاعلام ووضع حدود لطبيعه العلاقة بين وسائل الاعلام والسياسية والشرطة واجهزة الدولة. وهو ما يدفع لضرورة وضع ضوابط قانونية ومهنية صارمة لعلاقة الصحافة بمؤسسات الدولة لمنع رجال الامن من تلقي رشاوي ومنع ابتزاز الساسة . وطرحت قضية ميردوخ الموازنة بين عامل المنافسة بين الصحف والحصول على السبق الصحفي الذي يساعد في جلب الاعلانات وزيادة التوزيع وبين عدم التعدي على الحريات الشخصية للمواطنين سواء بانتهاك خصوصياتهم او بالتجسس على هواتفهم المحمولة . وتكشف ايضا قضية ميردوخ عن تاثير راس المال على دور وسائل الاعلام في التأثير السيء في ثقافة المجتمع أو حتى في ثقافة تسيير الصحف نفسها وجعلها تبحث عن الربح المادي وتحولها الى اداة للابتزاز والتشهير ،ومن ناحية اخرى كشفت عن تحول الصحافة الى صانع للقرار السياسي بدلا من الفاعلين السياسين و وصانعة للحدث بدلا من نقلة ونشره للراي العام كما هو بحيادية .وهو ما يشكل تحول خطير بهدد امن المجتمع ويلحق ضررا بالغا بالسياسين وخاصة في اوقات الانتخابات . ومثلت قضية ميردوخ تحول وسيلة اعلام من تلقاء نفسها لأداة لتنفيذ القانون وإلى القاضي الذي يعطي لنفسه الحق في التنصت على المواطنين وهو ما يمثل تدخلا في اعمال جهات التحقيق والسلطة القضائية ولا يتم التنصت على المكالمات الا باذن قضائي. وذلك للحيولة دون استغلال ذلك لتحقيق أهدافه مالية وسياسية . وما يمكن ان ينعكس في تحول الصحافة من وسيلة لنشر الاخبار وكشف الحقائق الى وسيلة للتجسس وكشركة لبيع المعلومات السرية.وبما يمثلة ذلك من تأثير على حرية الصحافة و خصوصية الافراد و حماية القيم داخل في المجتمع . نقلا عن ملف الاهرام الاستراتيجي ، جريدة الاهرام سبتمبر 2011
 

طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك