عاجل
المقالات

الهاتف الذكي يغيـّر وجه العالم... ويقوّض دور الطبيب

يجبه القطاع الصحي ثورة كبيرة يعصى توقع نتائجها. فالهواتف الذكية قادرة على القيام بأعمال أجهزة كثيرة تستخدم في العالم الطبي، وبعض التطبيقات سيحوز في القريب العاجل القدرة على تشخيص الأمراض. وشيئاً فشيئاً، يضعف اعتماد المرضى على الأطباء.

الهاتف الذكي يغيـّر وجه العالم... ويقوّض دور الطبيب
اضغط للتكبير

ولحظات بعد إقلاع الطائرة أصاب راكباً إغماء، فسارع إريك توبول، وهو طبيب قلب من كاليفورنيا، الى إخراج السمارتفون (الهاتف الذكي) من جيبه، وأجرى له تخطيط قلب وصورة صوتية لقلبه وقاس معدل الأوكسيجين في دمه. ثم أعلن توبول أن الطائرة لن تضطر الى العودة أدراجها. فالراكب أغمي عليه جراء تباطؤ وتيرة نبضات القلب فحسب. وسبق لتوبول أن توسل بهاتفه الذكي في رحلة جوية للوقوف على حال راكب بدا أنه أصيب بنوبة قلبية.

وما يستوقف توبول هو قدرة أي كان على إجراء تخطيط قلب، سواء كان طبيباً أم مضيفة طيران أو راكباً عادياً. وكل ما يحتاج اليه المرء هو جهاز استشعار ثمنه 200 دولار وسمارتفون يُحمَّل عليه تطبيق يحلل ضربات القلب.

ولم يسبق أن غيّر ابتكار وجه العالم على نحو ما فعل السمارتفون. صار من يوميات الحياة أن يُستخدم (الهاتف الذكي) في التبضع وتنظيم جداول العمل. ونُظمت ثورات سياسية بواسطة السمارتفون، ومن طريقه في وسع المرء العثور على قرين حياته أو تنظيم مأتم. ويومياً، تبلغ مبيعات السمارتفون 10 أضعاف نسب المولودين في أصقاع الأرض في اليوم نفسه. واليوم تجتاح الهواتف الذكية قطاع العناية الصحية. وطوال آلاف السنين، اعتمد المرضى على مساعدة المعالجين أو الأطباء. ولكن اليوم، السمارتفون يقلب ما درج عليه العالم منذ آلاف السنين رأساً على عقب. وشطر راجح من التحاليل الطبية التي كانت، الى وقت قريب، تجرى في مكتب الطبيب، صار في متناول الجالسين في بيوتهم. وربط السمارتفون بأجهزة صغيرة وبخسة الثمن، يعظّم قدراته، ويحوله الى أداة قياس النشاط الكهربائي في الدماغ وضغط العينين وضغط الدم، وأداة تخطيط قلب، وجهاز رصد خلل في نبضات القلب وأداء الرئتين، وأصوات القلب، والتقاط صورة للأذن الداخلية، وتحليل التنفس، وإجراء مسح للشريان الأبهر وحتى فك شيفرة الـ «دي أن آي». والفرق بين عيادة طبيب صحة عامة وسمارتفون فائق التجهيز سيتبدد على المستوى التقني في القريب العاجل.

وتطلق أجهزة مثل «أم سانس» (M-sense) ثورة في تشخيص مرض الشقيقة (الصداع النصفي). ففي جامعة ماغدبورغ في ألمانيا، يطور برنامج يزود به الهاتف النقال لتشخيص الألزهايمر تشخيصاً يعتد به. وثمة ماسحات ضوئية تحاكي عالم الخيال العلمي في فيلم «ستار تريك»: توجيهها الى جبين المريض يكفي لتقديم معلومات عن حاله الصحية وتشخيص الداء في ثوان قليلة. وما يترتب في قطاع الصحة على هذه التغيرات غامض، إثر استغناء المرضى والأطباء ومصنّعي الأجهزة الطبية عن شطر راجح من الأجهزة الطبية. ولكن المؤكد هو أن الأطباء يواجهون منافسة شرسة. وفي سنوات قليلة قادمة، لن يقتصر خيار المريض على انتخاب أي طبيب يلجأ إليه، بل سيكون قادراً على الاختيار بين الأطباء المحليين، والتشخيص على الخط (أونلاين) وأجهزة المسح (الضوئي) الذكية- وقد يكون في متناوله إجراء فحص طبي في سيارته الخاصة. وقدرات المريض تتعاظم في وقت أن الحاجة الى الأطباء لم تعد ضرورة لا غنى عنها.

وتألفت موجة التطبيقات الصحية الأولى من أساور تتبع حركة المرء وتقيس خطواته أو الوحدات الحرارية التي استهلكها، الخ. وكانت السخرية في انتظار هذه الأساور وقيل إنها عدّاد فحسب. ولكن الموجة الثانية من التطبيقات هذه تنحو الى التربع في مرتبة بارزة في التكنولوحيا الطبية. وبدأ المستثمرون يدركون أن القطاع التكنولوجي الطبي هو منجم يدر عليهم أموالاً كثيرة. وليس مركز الطب الرقمي في السيلكون فاليه (وادي السيليكون)، على غرار عمالقة شبكات التواصل الاجتماعي مثل فايسبوك وسنابشات، بل هو في ساحل الولايات المتحدة الشرقي وأوروبا وإسرائيل.

ويترك بعض الأطباء عملهم للانضمام الى فرق تطوير أجهزة التكنولوجيا الطبية المحمولة. ومن هؤلاء ماركوس موشينتش، وهو طبيب أطفال ألماني بارز في السادسة والخمسين من العمر أسس شركة تطور تطبيقات تساعد الأطفال الحول، وأقنع Barmer (بارمر)- وهذه شركة تأمين صحي- بتسديد ثمن التطبيق لزبائنه. وصار التطبيق هذا أول وصفة طبية من نوعها. واليوم موشينتش على رأس شركة «فلاينغ هلث»، وهي حاضنة شركات تطبيقات طبية. وهو يتعاون مع شركة بايشنتيوأس» الذي تكشف على المرضى أونلاين من طريق روابط فيديو، وهو مستشار شركة صغيرة ابتكرت تطبيقاً لمرضى السكري، mysgr.com يساعدهم على ضبط السكر في دمهم. واشترت شركة الدواء السويسرية العملاقة، روش، هذا التطبيق. وموشينتش يعمل كذلك مع شركة تطور برمجية Onelife للحوامل، ويتعاون مع شركة «نيوتيف» لتطوير تطبيق يشخص الألزهايمر. وهو يعمل مع موظفيه العشرة في مكاتب مشتركة مع شركات جديدة صغيرة ونامية (ستارت آب). ويرى خبراء الاقتصاد أن نظام الرعاية الصحية لن يقتصر بعد اليوم على مرضى يقصدون المختبرات لإجراء تحاليلهم الطبية ومرضى يدخلون المستشفيات فحسب، وأن القطاع الرقمي الصحي سيؤدي الى بروز شريحة ثالثة من المرضى. وتنفق ألمانيا حالياً 350 بليون يورو (403 بلايين دولار) سنوياً على العناية الصحية، ويرجح أن تمتص شركات التكنولوجيا الطبية العالية شطراً من هذه الأموال (الموازنة)، جنباً الى جنب المستشفيات والرعاية الصحية. ويتنبأ موشينتش بأن تتقلص موازنة القطاع الصحي الألمانية الى ربعها في 2025، أي الى حوالى 100 بليون يورو فحسب.

ولم تعد الشركة الألمانية «فيليبس» ما كانت عليه منذ حوالى مئة عام الى عام 2014. والتغير لا يقتصر على الأجهزة التي تصنعها، ويجلو حتى في هندسة مقرها في هامبورغ: تحمل الطوابق أسماء أحياء في هامبورغ، والاجتماعات تعقد في ما يسمى «بوكسز» (صناديق). ومكتب مدير الشركة التنفيذي مشرّع على المكاتب الأخرى. وفي جوار دور المياه، مقابس كهرباء لهواتف الموظفين الخلوية. ولم تعد أجهزة التلفزيون الموسومة بـ «فيليبس» مرتبطة مباشرة بالشركة. فهي باعت رخصة تصنيع ماركة التلفزيونات هذه. وباعت كذلك قسم مصابيح الإضاءة. وصارت اليوم شركة تكنولوجيا طبية. ويرى مدير فيليبس، بيتر فولينغس في ألمانيا، أن ثمة أوجه شبه بين ما حصل في قطاع التلفزيونات وبين مصير قطاع التكنولوجيا الطبية: التحول من سلعة باهظة الثمن والأكثر تطوراً في سلّم الشركات المصنعات الى سلعة استهلاك سائر. فقطاع التكنولوجيا الطبية يلقى المصير نفسه. وبعض منافسي «فيليبس» انضموا الى السوق، ومنها شركات «غوغل» و «آبل» و «سامسونغ» و «آي بي أم».

ونماذج قطاع الأعمال تتغير. فالشركات والعيادات الطبية درجت، دورياً، على شراء تجهيزات طبية ضخمة سعرها يتراوح بين آلاف الدولارات وملايين اليورو. واليوم، بدأت شركات مثل «فيليبس» بتقاضي رسوم شهرية مقابل استخدام برمجياتها وتطبيقاتها. وترى «فيليبس» أن القابلات القانونيات (الداية) هن أبرز زبائن أجهزتها. ففي إمكانهن إجراء مسح ضوئي فوري للحمل، وإرسال النتائج الى الطبيب النسائي. ويتوقع، في المستقبل، أن تطور برمجيات تحلل على أكمل وجه نتائج الصور الصوتية. و «ليس زبائننا المرضى بل المستشفيات والعيادات الطبية»، يقول آرثر كيندل، مدير شركة «ديجيتل هالث سرفيس». ويفحص 200 ألف مريض في أصقاع العالم، كل ساعة، بواسطة أجهزة «سيمنس». وينجم عن هذا الاستخدام جمع قدر كبير من البيانات. وتفوق الفائدة المرجوة من هذه البيانات الفائدة المرجوة من الآلات نفسها.

ويبدو أن القدر الأكبر من النجاح تحصده السلع الرقمية الطبية حين يستفيد منها المرضى مباشرة. فعلى سبيل المثل، شركة «Medtronic» الألمانية ابتكرت كاشفاً يزرع تحت الجسم، يقيس على مدار الساعة مستويات السكر في الدم، ويرسل المعلومات الى سمارتفون المريض، ويضخ كمية الإنسولين اللازمة في جسم المريض. ولكنّ كثيراً من الأطباء- وهم لا يستفيدون مالياً من تعريف المرضى على أنظمة السمارتفون الطبية- يرفض الاستعانة بمثل هذا الكاشف. والأجهزة في عيادات كثير من الأطباء غير متصلة بالشبكة الإلكترونية.

واليوم، يستخدم أطباء برمجيات توجههم في عملية بالغة التعقيد: نزع المرضى عن آلات التنفس الصناعي. وهم ينقلون بيانات مراقبة المريض الى هواتفهم الخلوية. وطورت شركة جونسون أند جونسون بالتعاون مع «سيداسيس» آلة تضخ البنج المخدر القصير الأمد مقابل ثمن هو عشر الثمن الذي يتقاضاه طبيب التخدير.

وهذه الاحتمالات التكنولوجية الطبية استقطبت شركات من قطاعات غير متوقعة. فعلى سبيل المثل، شركة «AUDI» المصنعة للسيارات، دخلت هذا القطاع، وهي تطور منذ سنوات نوعاً من مراكز العناية في السيارة. فمع بروز السيارات الذاتية القيادة، يحتاج السائق التقليدي، صاحب السيارة، العاطل عن «القيادة»، أن يملأ وقت فراغه. لذا، يختبر مهندسو «أودي» أشكالاً من العناية تقترح على العاطل عن القيادة، منها تمارين تنفس بناء على تحليل تخطيط قلب ومؤشراته الحيوية، ونظام تدليك.

 

 

??* صحافي، عن «شبيغل اونلاين» الألماني، 20/7/2017، إعداد منال نحاس

طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك