Breaking
الأخبار

مستقبل الطاقة يحتاج إلى بطاريات أنظف

في أواخر شهر أغسطس، وقف عالم جيولوجيا يُدعى ديف فريدمان، في بقعة محددة بدقة من مناطق القطب الشمالي المنخفضة، وسط رياح قاسية ومساحة لا متناهية من مناطق السهول الجرداء. ثم بدأ العالم الجيولوجي في ضرب نتوء صخري بارز من التربة بمطرقة ثقيلة. فريدمان، البالغ من العمر 29 عاماً،

مستقبل الطاقة يحتاج إلى بطاريات أنظف
Click to enlarge

مل لدى شركة تدعى "كوبولد ميتالز" (KoBold Metals)، وقد كانت العملية التي أوصلته إلى هذا الزوج من إحداثيات نظام التموضع العالمي (GPS) في أقصى شمال كيبيك (كندا) معقّدة، غيرَ أن الصخرة التي كان يضربها كانت لها رحلتها الخاصة. فقبل أن تصبح صخرة، كانت عبارة عن صهارة داخل القشرة الأرضية، وهي جزء من لسان منصهر يبلغ عرضه عشرات الأمتار، تدفق إثر تباعد اثنتين من الصفائح التكتونية قبل 1.85 مليار سنة. في البداية ذابت الصهارة والتهمت طبقات القشرة الأرضية التي تدفقت من خلالها. ولكن مع خمودها، اصطدمت في النهاية بمقاومة، حيث تجمّع السائل مثلما يتجمّع الدخان بمحاذاة السقف. وبعد زوال حرارته، تيبس السائل مشكلاً رفاً من الصخور البركانية يسميه علماء الجيولوجيا "البريدوتيت" (peridotite). وقد أسهمت الاصطدامات التكتونية، على مرّ العصور، في ارتقائه، وإمالته، وانثنائه، وكسره، ثم حطّمته الأنهار الجليدية. وفي أحد الأيام هبطت طائرة هليكوبتر من السماء، وأنزلت رجلاً نحيفاً ملتحياً يرتدي ملابس مصنوعة من نسيج الغور-تكس المقاوم للماء، وسترة تحذيرية، ويحمل حقيبة ظهر ومطرقة.

عالم الجيولوجيا، ديف فريدمان، في الميدان

عالم الجيولوجيا، ديف فريدمان، في الميدانالمصدر: بلومبرغ

بعد ضربتين عنيفتين، انفصلت قطعة بحجم الكعكة عن بروز الطبقة الصخرية. فقام فريدمان بتثبيتها والنفخ فيها. ثم أمسك بالعدسة اليدوية المتدلية من سترته ونظر إلى سطح الصخرة الذي انكشف حديثاً، ممسكاً بها على بعد بضع بوصات من وجهه. كانت الحبوب الخشنة علامة جيدة، وكذلك بلورات الأعشاب البحرية الخضراء الزيتونية. من الواضح أن الصهارة قد بردت ببطء هنا، ما أتاح لها الوقت للتفاعل مع الصخور المجاورة وإخراج المعادن التي حملتها من القشرة الأرضية بطريقة عسيرة. يشرح فريدمان قائلاً: "عندما تغيّر تركيبة المصهور، فإن كل شيء يضطرب. كل شيء يغلي، وتعبث باستقرار المكونات، إنها حقاً بيئة فوضوية وحسب".

في منتصف السطح، أضاءت نقطة نحاسية بحجم حبة الشيكولاته "إم آند إمز"، والتي أشار إليها فريدمان واصفاً إياها بـ"الفقاعة". وفي مكان قريب، داخل حدود مربع شركة "كيبولد"، الذي تبلغ مساحته 280 ميلاً مربعاً من مطالبات الاستكشاف، كان فريدمان يأمل في أن تكون هناك صخرة أكبر بكثير. ربما رواسب خام بحجم سيارة أو منزل، غنية بالنيكل والنحاس القابل للاستخراج، أو المعدن الأثمن، وهو الكوبالت. فوجود "كوبولد" يعتمد على فكرة أنه يمكنها العثور على خام معادن عالي الجودة في الأماكن التي لا يستطيع الآخرون العثور عليه فيها -وأيضاً فكرة أنه بمجرد حدوث ذلك، ستقوم الشركة بتغذية طلب عالمي متفجر.

على بعد خمسة وعشرين ميلاً جنوب مطالبات "كوبولد" الاستكشافية داخل مقاطعة كيبيك، كان الجانب الآخر من هذا الرهان يختمر في خزان زجاجي بأبعاد تقريبية لمبرد مياه مكتبي، ويحتضنه إطار معدني، حيث تتم تغذيته بأنابيب بلاستيكية رفيعة. وكان طلاب الدراسات العليا في جامعة تكساس، أوستن، الذين يعملون تحت إشراف كيميائي متخصص في المواد الخام يُدعى أروموغام مانثيرام، يدفقون أملاح كبريتات معدنية مذابة مختلفة في المحلول الموجود في الخزان، لحملها على الاندماج وتشكيل مادة صلبة ذات بنية مجهرية محددة. وإذا تمت معالجتها أكثر، فإن المادة الناتجة ستمدّ خلية بطارية قابلة لإعادة الشحن بالطاقة. لكن هذه البطارية، على عكس تلك المستخدمة حالياً في كل من سيارات "تسلا" و أجهزة "أيفون"، لن تحتاج إلى الكوبالت على الإطلاق.

تحوّل الطاقة

هناك مصطلح مبتذل للغاية لما يجب أن يحدث لمنع مناخ الكوكب من أن يصبح أكثر دفئاً وتطرفاً وغرابة، ألا وهو "تحوّل الطاقة". لقد أظهر الصيف المروّع لهذا العام بوضوح، مخاطر تحوّل الطاقة، مع درجات حرارة، وجفاف، وحرائق، وعواصف، وفيضانات كلها غير مسبوقة. كل ذلك بسبب الكربون الذي أطلقناه بالفعل في الهواء. لكن الأخبار اليومية المخيفة، حجبت حقيقة أنه كان هناك أيضاً تقدم تقني كبير في الجهود المبذولة لاستبدال الوقود الأحفوري خلال السنوات القليلة الماضية. فقد حدثت بعض أعظم التطورات في مجال البطاريات. وعلى مدى العقد الماضي، تضافرت التحسينات في كثافة الطاقة والتخفيضات في تكاليف التصنيع، لتخفيض سعر بطاريات السيارات الكهربائية بمقدار عشرة أضعاف تقريباً. ويتوقع المحللون في "بلومبرغ لأبحاث الطاقة المتجددة"، أنه في غضون ثلاث سنوات، ستنخفض التكلفة إلى أقل من 100 دولار للكيلوواط/ساعة -السعر الذي تصبح عنده السيارات الكهربائية رخيصة مثل السيارات التي تعمل بالبنزين- وستستمر في الانخفاض. وقد جعلت هذه التطورات ذاتها من الممكن تخزين الطاقة المتقطعة من الخلايا الشمسية ومزارع الرياح في بطاريات "بحجم شبكة الكهرباء"، ما يجعل الطاقة المتجددة أكثر قدرة على المنافسة، على أساس السعر وحده، مع محطات توليد الطاقة بالفحم والغاز الطبيعي.

نظراً لكون البطاريات تقنية مثل الرقاقات الدقيقة، وليست سلعة مثل النفط، فمن المنطقي أن يكون مسار تطور سعتها وتكلفتها أقرب إلى مسار الرقاقات المستمر في التطور مع مرور الوقت. لكن البطاريات تعتمد أيضاً على الصفات المحددة لعناصر معينة لتتمكن من العمل، حيث يتطلب تصنيع بطاريات الليثيوم-أيون، الأعلى أداءً في السوق اليوم، معدن الكوبالت، والذي يصعب الحصول عليه. فمعظم الاحتياطات المعروفة من المعدن الفلزي، تقبع تحت أرض الكونغو، وهي دولة ابتليت بالفساد والحروب المتكررة، حيث يتم التعدين غالباً في ظروف خطرة ومميتة، وليس من النادر أن يقوم الأطفال بأعمال التعدين فيها. ومن جهة أخرى، تمتلك الشركات الصينية معظم مناجم الكونغو. فالطاقة النظيفة، شأنها شأن الطاقة الملوثة، لها خصائصها الجيوسياسية أيضاً، مع الإشارة كذلك إلى أن سعر المعدن الأثمن، كان قد شهد تقلبات ضخمة في السنوات الأخيرة.

أنقر هنا للاطلاع على أسعار المعادن

 

"هناك كوبالت بداخل الكيلومتر العلوي من القشرة الأرضية المحيطة بالقارات، يكفي لبناء مليون سيارة كهربائية لكل شخص على هذا الكوكب"

حتى لو ظلت صناعة السيارات الكهربائية بالحجم الذي هي عليه اليوم (هناك ما يزيد قليلاً على 12 مليون مركبة كهربائية على الطريق)، فسيكون لزاماً على صانعي البطاريات إيجاد بدائل. ومن ثم، فإن استبدال 1.2 مليار سيارة تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي في العالم - كما سنحتاج أن نفعل في العقود القادمة ليكون لدينا أي أمل في خفض انبعاثات الغازات الدفيئة- سوف يتطلب شيئاً أكثر تأثيراً. لكن حل مشكلة المناخ، يقتضي حل مشكلة البطاريات. وحل مشكلة البطاريات، يقتضي حل مشكلة الكوبالت.

من بين الشركات التي بزغت لتحقيق ذلك، هناك من يركز على إعادة تدوير الكوبالت من البطاريات المستهلكة، بينما يعيد آخرون التفكير في معالجة الخامات لجعل الرواسب التي كانت هامشية ذات يوم، أكثر فعالية من حيث التكلفة. وقليل من هذه الشركات، تحاول تعدين قاع المحيط. لكن على أبسط المستويات، فإن كل المناهج تدور حول العثور على المزيد من المعادن، كما تحاول "كوبولد" أن تفعل، أو معرفة كيفية استخدام معادن أقل، مثل مختبر "مانثيرام". كل الأساليب مكملة لبعضها بعضا بالطبع، لكنها تعتمد أيضاً على مفاهيم مختلفة للمستقبل، وتشخيصات مختلفة للمشكلة. ورغم كونها مقسمة للعمل على أهداف متوازية، وفي بعض الأحيان متقاطعة، إلا أنها كلها تشترك في السباق ذاته مع الوقت.

مستقبل مختلف

يقول مانثيرام بينما يجلس في مكتبه الكائن بالطابق التاسع في أوستن، ويعلو رأسه صف من براءات الاختراع وأرفف الكتب الزاهية بالنماذج الخشبية والمعدنية للجزيئات: "قصتي هي أنني لا يجب أن أكون هنا". لقد وُلد مانثيرام عام 1951 لأبوين لم يحصلا على أي تعليم رسمي، في قرية صغيرة تسمى أمارابورام، في تاميل نادو، بالقرب من الطرف الجنوبي للهند. وتوفي والده، الذي باع الحطب لكسب لقمة عيشه، بعد شهرين من ولادته -لا يعرف مانثيرام سبب وفاته- ولم تتزوج والدته ثانيةً أبداً. وبدلاً عن ذلك، ركزت طاقتها على طفلها الوحيد. ثم سمعت والدته عن مدرسة كاثوليكية في القرية المجاورة، وأرسلته إلى هناك. يتذكر مانثيرام قطعه "ميلين للذهاب، وميلين للعودة، عبر الغابة! لم يكن هناك طريق ممهد، ولم تكن هناك توقعات أرصاد جوية". عندما تخرّج من المدرسة الثانوية، كانت والدته تطمح لأن يفتح متجراً عاماً في أمارابورام. لكن أحد أساتذته أقنعها بأن ابنها يتمتع بقدرات تؤهله لمستقبل مختلف. استقل الثلاثة -المعلم والأم والابن- الحافلة إلى كلية صغيرة على بعد 40 ميلاً، حيث رتّب المعلم لقبول الشاب الموهوب.

تصدر المقال غلاف مجلة بلومبرغ بيزنس ويك في 27 سبتمبر 2021
تصدر المقال غلاف مجلة بلومبرغ بيزنس ويك في 27 سبتمبر 2021المصدر: بلومبرغ

في أواخر السبعينيات، ركّز مانثيرام على أنواع أكسيد المعادن، عندما كان يسعى إلى الحصول على درجة الدكتوراه في الكيمياء من المعهد الهندي للتكنولوجيا في مدراس، وهي فئة من المواد تجعلها تركيبتها الجزيئية فعالة عبر مجموعة واسعة من التطبيقات العملية. في ذلك الوقت تقريباً، كان الفيزيائي الأمريكي الشاب، جون جوديناف، قد بدأ للتو في التفكير في أن أنواع أكسيد المعادن قد تكون مفيدة في صناعة بطارية قابلة لإعادة الشحن. وصدف أن كان جوديناف أحد المشرفين على بحث مانثيرام لنيل درجة الدكتوراه. وبعد بضع سنوات وظّفه كباحث ما بعد الدكتوراه في مختبره في جامعة أكسفورد. وعندما وظفت جامعة تكساس جوديناف بعيداً عن إنجلترا، ذهب معه مانثيرام.

تتمثل إحدى طرق التفكير في التفاعلات الكيميائية في تنقل الإلكترونات. فالعناصر التي تميل إلى التخلص من الإلكترونات (مثل الصوديوم) تتفاعل مع العناصر الأخرى التي تميل إلى اكتسابها (مثل الكلور) ويتحولان، في هذه الحالة، إلى ملح الطعام. وبالمثل، فالبطارية عبارة عن تقنية للتدخل في منتصف تفاعل مشابه وتحويل اتجاه الإلكترونات للقيام بالعمل. يتكون الطرف السالب لخلية البطارية، أو الأنود، من مواد تتطلع إلى التخلص من الإلكترونات، بينما يتكون القطب الموجب، أو الكاثود، من مواد تتطلع إلى الحصول عليها. يوجد بين الاثنين فاصل منقوع في محلول متأين، وهو منيع للإلكترونات، ويحبط رغبة المادتين في التفاعل. لكن عندما يتم توصيل البطارية بمصباح يدوي أو جهاز تحكم عن بعد في التلفزيون، فإن دوائر هذا الجهاز تشكل حلقة تصل طرفي خلية البطارية ببعضهما. وتتدفق الإلكترونات من الأنود وعبر الأسلاك، ما يؤدي إلى تشغيل الجهاز أثناء شق طريقها الملتوي إلى الطرف الموجب الآخر لخلية البطارية. ثم تقوم الذرات المتأينة التي فقدت تلك الإلكترونات برحلة متوازية لتنتقل مباشرة عبر غشاء الإلكتروليت لموازنة شحنة الإلكترونات المتراكمة في الكاثود. (وإلا، فستتوقف العملية)

عند إعادة شحن الهاتف، يتم عكس هذه العملية، حيث يجبر التيار الكهربي من الشاحن الإلكترونات على العودة إلى الأنود، وهذا يجذب الأيونات مرة أخرى عبر الإلكتروليت لتتحد معها. وعندما تكون جاهزة للتفاعل مرة أخرى، يتم فصلها، وإرسالها في مساراتها المختلفة. تعتبر الأقطاب الكهربائية، الكاثود والأنود، أساسية في كل هذا، إذ يتعين عليها التعامل مع الإلكترونات وأيونات الليثيوم، بالكوادريليونات، أثناء شحن البطارية وتفريغها، بينما تظل دون تغيير كيميائياً، وعليها القيام بذلك مراراً وتكراراً.

بداية استخدام الليثيوم

في عام 1977، حصل كيميائي إنجليزي يدعى إم. ستانلي ويتينغهام، وكان يعمل حينئذ في شركة "إكسون للأبحاث والهندسة" (Exxon Research and Engineering)، على براءة اختراع لبطارية قابلة لإعادة الشحن باستخدام الليثيوم كأيون متنقل نشط. وكان من بين الاكتشافات التي قام بها جوديناف وطلابه مثل مانثيرام، أن التكوينات الكيميائية للكوبالت ذي الطبقات البلورية القوية، عندما ترتبط بالأكسجين تكون فعالة كمادة كاثود بصورة تكاد تكون فريدة من نوعها. أيضاً يعمل أكسيد النيكل ذو الطبقات بشكل مشابه، ولكن من الصعب جداً العمل به، كما أن كفاءته ستتراجع بسرعة أكبر من الكوبالت. أيضاً، تتمتع الكاثودات القائمة على الكوبالت بميزة أخرى، إذ إنه بفضل الاستقرار الحراري للعنصر، فإنه من غير المرجح أن تشتعل من تلقاء نفسها. كانت شركة "سوني" (Sony) قد تبنّت تصميم جوديناف القائم على أكسيد الكوبالت. وفي عام 1991، أصدرت الشركة كاميرا فيديو كانت الأولى من بين العديد من الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية التي يتم تشغيلها بتلك البطارية. (من الصعب تخيل كثرة استعمال جهاز "أيفون" إذا كان عليك الاستمرار في استبدال البطاريات). ثم في عام 2019، فاز ويتينغهام وجوديناف وأريكا يوشينو من "سوني" بجائزة نوبل في الكيمياء بالتشارك عن عملهم. وقد طلب جوديناف، آنذاك 97 عاماً، من مانثيرام إلقاء محاضرة نيابة عنه بمناسبة حصوله على جائزة نوبل.

مانثيرام
مانثيرامالمصدر: بلومبرغ

من جانبه، كان مانثيرام قلقاً بشأن الكوبالت منذ أوائل التسعينيات، عندما تولى إدارة مختبره الخاص في جامعة تكساس. يعتبر هذا المعمل الآن واحداً من المعامل الرائدة عالمياً في مجال أبحاث بطاريات الليثيوم- أيون. وتشمل قائمة المعامل الرائدة أيضاً جيف دان، الفيزيائي في جامعة دالهوزي الكندية، ويانغ كوك صن، المهندس الكيميائي بجامعة هانيانغ في سيول. لقد شق عملهم طريقه بالفعل إلى السوق، حيث تستخدم المركبات الكهربائية المختلفة تركيبات كيميائية متنوعة للبطاريات، ولكن بشكل عام، انخفضت كمية الكوبالت فيها مع كل تصميم جديد. يمكن للعملاء الأقل اهتماماً بعامل القدرة والمدى شراء سيارات كهربائية بتصميم كاثود مختلف باستخدام فوسفات حديد الليثيوم، وهو تصوّر، تم تطويره من قبل مانثيرام وجوديناف في الثمانينيات. وعلى الرغم من ذلك، فقد فشلت محاولات دامت لسنوات لإزالة الكوبالت من الكاثودات بالكامل، دون أن يؤدي ذلك إلى تدهور أداء البطارية.

اكتشاف الكوبالت

تاريخياً، كان يخشى من الكوبالت قبل السعي إلى الحصول عليه. فقد عثر عمّال المناجم في العصور الوسطى في ساكسونيا على خام يشبه الفضة للوهلة الأولى، لكن كانت تنبعث منه أبخرة سامة عند صهره. من الناحية التقنية، كانت تلك الأبخرة السامة من الزرنيخ والكبريت التي يتحد بها الكوبالت، ولكن عمال المناجم معذورون لعدم تبيّنهم الفرق. لذلك، أطلقوا على الصخور السامة التي لا قيمة لها اسم "كوبولد" تيمناً بنوع أسطوري من العفاريت كان يُعتقد بأنه يسكن المناجم. في ثلاثينيات القرن الثامن عشر، عندما عزل الكيميائي السويدي جورج براندت المعدن، استعار الاسم ذاته. وعندما أسس كيرت هاوس وجوش غولدمان، اللذان التقيا للمرة الأولى كطلاب دكتوراه في قسم الفيزياء بجامعة هارفارد، شركتهما في أكتوبر 2018، استعارا اسم "كوبولد" أيضاً. اقترب سعر الكوبالت من 100 ألف دولار للطن المتري في وقت سابق من ذلك العام، لكنه في خضم انهيار شهد انخفاضاً بمقدار الثلثين قبل أن يرتفع في النهاية إلى حوالي 50 ألف دولار. وكانت الشركة الناشئة قد جمعت الأموال من صندوق رأس المال الاستثماري "أندريسن هورويتز" (Andreessen Horowitz)، بالإضافة إلى صندوق "بريك ثرو إنيرجي فينتشرز" (Breakthrough Energy Ventures) للطاقة النظيفة الذي أسسه بيل غيتس، والذي يضم من بين مستثمريه جيف بيزوس وراي داليو ومايكل بلومبرغ (مالك بلومبرغ، الشركة الأم لبلومبرغ بيزنس ويك، وأحد مستثمري صندوق "أندريسن هورويتز"). لم تكشف شركة "كوبولد" عن حجم رأس المال الذي جمعته، لكن شركة "بيتش بوك" (PitchBook) لأبحاث أسواق رأس المال، قدّرت الأموال التي جمعتها الشركة الناشئة بنحو 23 مليون دولار. يقول هاوس، الرئيس التنفيذي لشركة "كوبولد"، إن الشركة "مولت وخصصت أموالاً تزيد على 100 مليون دولار".

يسعى هاوس جاهداً إلى التأكيد على أن شركته لا تبحث فقط عن الكوبالت. فالقيام بذلك لن يكون أمراً منطقياً. عادةً ما يختلط الكوبالت برواسب أكبر من خام المعادن الأخرى، بما في ذلك عناصر النيكل والنحاس، وأحياناً مجموعة المعادن البلاتينية. وعلى الرغم من أن الكوبالت حالياً يعد المعدن الأثمن بين المعادن التي تدخل في صناعة الكاثودات، والأكثر أهمية في سلسلة التوريد، فإن بناء ما يكفي من مجموعات نقل الحركة لأسطول سيارات عالمي في حقبة ما بعد محركات الاحتراق الداخلي، سيتطلب الكثير من المعادن مثل النيكل والليثيوم بالنسبة إلى الكاثودات، والنحاس للأسلاك، والعناصر الأرضية النادرة للمغناطيسات القوية التي تحوّل الطاقة الكهربائية للبطارية إلى عزم دوران. اجمع كل ذلك، واطرح منه احتياطيات العالم المعروفة، وستحصل على 10 تريليونات دولار فيما يسميه هاوس "المعادن المفقودة".

من المهم أن تفهم بالضبط ما يعنيه ذلك، فالكوبالت ليس معدناً نادراً في واقع الأمر. يشير هاوس إلى أن "هناك ما يكفي من الكوبالت في الكيلومتر العلوي من القشرة الأرضية المحيطة بالقارات لبناء مليون سيارة كهربائية لكل شخص على هذا الكوكب". لكن معالجة الكميات الضئيلة التي يتم اقتفاء أثرها، والتي تضم كل ذلك تقريباً، ستكون عملية مدمرة من الناحية الاقتصادية. يتعلق استكشاف المعادن بالعثور على الأماكن التي تسببت فيها التقلبات والتحولات الجيولوجية في تكوين تركيزات خام كبيرة للغاية، بحيث يكون من المربح تعدينها بأسعار المعادن الحالية، ومع أساليب الاستخراج والتكرير الحالية. وبحسب غولدمان، الذي يشغل منصبي المدير المالي ورئيس قسم التكنولوجيا في شركة "كوبولد" فإن "ما تحتاجه هو أن تذهب الطبيعة وتنظف النحاس والكوبالت من كمية كبيرة من الصخور، ثم تخلق صخوراً جديدة تكون تركيزات المعادن فيها تقريباً 1% نحاس أو 1% نيكل أو 1% كوبالت، وهذا حقاً أمر غير مألوف".

 

"كل منجم جديد هو منجم جيد لأنك لم تر التأثيرات بعد"

إن ما يجعل العثور على هذه الرواسب أمراً صعباً، هو الإشكالية الأساسية ذاتها التي واجهها صائدو المعادن منذ العصر البرونزي، وهي أن سطح الأرض معتم. وحتى العصر الحديث، كانت الاكتشافات المعدنية تتم عن طريق اكتشاف الرواسب التي تبرز من الأرض، ومن مثل ذلك النتوءات الملونة باللون الأحمر من الحديد المؤكسد أو النحاس الأخضر، ولا تزال مثل هذه الاكتشافات قيد الإنتاج. على سبيل المثال، تم تعدين كتلة (Kupferschiefer) الرسوبية الضخمة في شمال وسط أوروبا بشكل مستمر منذ عام 1200م على أقل تقدير، ومن المحتمل أن تكون المنطقة قد خضعت للتعدين قبل ذلك بآلاف السنين.

ومن الناحية التقنية، يمتلك مستكشفو اليوم ترسانة من الأدوات الجديدة للتنبؤ بما يكمن تحت الأرض، سواء كانت أساطيل من الأقمار الصناعية تجمع الصور الطيفية والبيانات الخاصة بمجال الجاذبية، أو الملفات العملاقة للكشف عن المعادن التي تقطرها المروحيات. لكن حتى مع كل ذلك، فإن الغالبية العظمى من الاكتشافات حتى الآن كانت على سطح القشرة الأرضية أو بالقرب منه. وفي السنوات الأخيرة، بغض النظر عن مقدار الأموال التي تم إنفاقها على الاستكشاف، فإن الاكتشافات تقل بشكل مطرد. يقول غولدمان: "لقد وصلنا إلى مرحلة استنفدنا فيها تقريباً منهجيات الاستكشاف التي سمحت لنا باكتشاف رواسب الخام التي يسهل العثور عليها"

 

Print Article Send to Friend Add Comment

Reader Comments

Share Your Opinion