بعد ضربتين عنيفتين، انفصلت قطعة بحجم الكعكة عن بروز الطبقة الصخرية. فقام فريدمان بتثبيتها والنفخ فيها. ثم أمسك بالعدسة اليدوية المتدلية من سترته ونظر إلى سطح الصخرة الذي انكشف حديثاً، ممسكاً بها على بعد بضع بوصات من وجهه. كانت الحبوب الخشنة علامة جيدة، وكذلك بلورات الأعشاب البحرية الخضراء الزيتونية. من الواضح أن الصهارة قد بردت ببطء هنا، ما أتاح لها الوقت للتفاعل مع الصخور المجاورة وإخراج المعادن التي حملتها من القشرة الأرضية بطريقة عسيرة. يشرح فريدمان قائلاً: "عندما تغيّر تركيبة المصهور، فإن كل شيء يضطرب. كل شيء يغلي، وتعبث باستقرار المكونات، إنها حقاً بيئة فوضوية وحسب".
في منتصف السطح، أضاءت نقطة نحاسية بحجم حبة الشيكولاته "إم آند إمز"، والتي أشار إليها فريدمان واصفاً إياها بـ"الفقاعة". وفي مكان قريب، داخل حدود مربع شركة "كيبولد"، الذي تبلغ مساحته 280 ميلاً مربعاً من مطالبات الاستكشاف، كان فريدمان يأمل في أن تكون هناك صخرة أكبر بكثير. ربما رواسب خام بحجم سيارة أو منزل، غنية بالنيكل والنحاس القابل للاستخراج، أو المعدن الأثمن، وهو الكوبالت. فوجود "كوبولد" يعتمد على فكرة أنه يمكنها العثور على خام معادن عالي الجودة في الأماكن التي لا يستطيع الآخرون العثور عليه فيها -وأيضاً فكرة أنه بمجرد حدوث ذلك، ستقوم الشركة بتغذية طلب عالمي متفجر.
على بعد خمسة وعشرين ميلاً جنوب مطالبات "كوبولد" الاستكشافية داخل مقاطعة كيبيك، كان الجانب الآخر من هذا الرهان يختمر في خزان زجاجي بأبعاد تقريبية لمبرد مياه مكتبي، ويحتضنه إطار معدني، حيث تتم تغذيته بأنابيب بلاستيكية رفيعة. وكان طلاب الدراسات العليا في جامعة تكساس، أوستن، الذين يعملون تحت إشراف كيميائي متخصص في المواد الخام يُدعى أروموغام مانثيرام، يدفقون أملاح كبريتات معدنية مذابة مختلفة في المحلول الموجود في الخزان، لحملها على الاندماج وتشكيل مادة صلبة ذات بنية مجهرية محددة. وإذا تمت معالجتها أكثر، فإن المادة الناتجة ستمدّ خلية بطارية قابلة لإعادة الشحن بالطاقة. لكن هذه البطارية، على عكس تلك المستخدمة حالياً في كل من سيارات "تسلا" و أجهزة "أيفون"، لن تحتاج إلى الكوبالت على الإطلاق.
تحوّل الطاقة
هناك مصطلح مبتذل للغاية لما يجب أن يحدث لمنع مناخ الكوكب من أن يصبح أكثر دفئاً وتطرفاً وغرابة، ألا وهو "تحوّل الطاقة". لقد أظهر الصيف المروّع لهذا العام بوضوح، مخاطر تحوّل الطاقة، مع درجات حرارة، وجفاف، وحرائق، وعواصف، وفيضانات كلها غير مسبوقة. كل ذلك بسبب الكربون الذي أطلقناه بالفعل في الهواء. لكن الأخبار اليومية المخيفة، حجبت حقيقة أنه كان هناك أيضاً تقدم تقني كبير في الجهود المبذولة لاستبدال الوقود الأحفوري خلال السنوات القليلة الماضية. فقد حدثت بعض أعظم التطورات في مجال البطاريات. وعلى مدى العقد الماضي، تضافرت التحسينات في كثافة الطاقة والتخفيضات في تكاليف التصنيع، لتخفيض سعر بطاريات السيارات الكهربائية بمقدار عشرة أضعاف تقريباً. ويتوقع المحللون في "بلومبرغ لأبحاث الطاقة المتجددة"، أنه في غضون ثلاث سنوات، ستنخفض التكلفة إلى أقل من 100 دولار للكيلوواط/ساعة -السعر الذي تصبح عنده السيارات الكهربائية رخيصة مثل السيارات التي تعمل بالبنزين- وستستمر في الانخفاض. وقد جعلت هذه التطورات ذاتها من الممكن تخزين الطاقة المتقطعة من الخلايا الشمسية ومزارع الرياح في بطاريات "بحجم شبكة الكهرباء"، ما يجعل الطاقة المتجددة أكثر قدرة على المنافسة، على أساس السعر وحده، مع محطات توليد الطاقة بالفحم والغاز الطبيعي.
نظراً لكون البطاريات تقنية مثل الرقاقات الدقيقة، وليست سلعة مثل النفط، فمن المنطقي أن يكون مسار تطور سعتها وتكلفتها أقرب إلى مسار الرقاقات المستمر في التطور مع مرور الوقت. لكن البطاريات تعتمد أيضاً على الصفات المحددة لعناصر معينة لتتمكن من العمل، حيث يتطلب تصنيع بطاريات الليثيوم-أيون، الأعلى أداءً في السوق اليوم، معدن الكوبالت، والذي يصعب الحصول عليه. فمعظم الاحتياطات المعروفة من المعدن الفلزي، تقبع تحت أرض الكونغو، وهي دولة ابتليت بالفساد والحروب المتكررة، حيث يتم التعدين غالباً في ظروف خطرة ومميتة، وليس من النادر أن يقوم الأطفال بأعمال التعدين فيها. ومن جهة أخرى، تمتلك الشركات الصينية معظم مناجم الكونغو. فالطاقة النظيفة، شأنها شأن الطاقة الملوثة، لها خصائصها الجيوسياسية أيضاً، مع الإشارة كذلك إلى أن سعر المعدن الأثمن، كان قد شهد تقلبات ضخمة في السنوات الأخيرة.
أنقر هنا للاطلاع على أسعار المعادن