Breaking
الأخبار

قراءة في كتاب "التأثير السيبراني: كيف يغير الإنترنت سلوك البشر؟"

ما تلفت له المؤلفة هنا، هو أنه بمجرد أن يتغير السلوك في الفضاء الإلكتروني، حيث يشارك عدد كبير من الأشخاص، يمكن أن يتضاعف مرة أخرى ويصبح قاعدة في الحياة اليومية، وهو ما تطلق عليه الكاتبة صفة "الهجرة عبر الإنترنت". وبما أن المواجهة، أو التفاعل ليس مباشرا وماديا، فعندما نتواصل ونتفاعل مع الآخرين عبر الإنترنت، يمكن أن نكون مجهولين، والأهم من ذلك، نشعر أننا كذلك.

قراءة في كتاب "التأثير السيبراني: كيف يغير الإنترنت سلوك البشر؟"
Click to enlarge

قبل تناول موضوعات كتاب د. ماري أيكن (Mary Aiken) الموسوم “التأثير السيبراني: كيف يغير الإنترنت سلوك البشر؟”، (The Cyber Effect: A Pioneering Cyberpsychologist Explains How Human Behavior Changes Online)، لا بد من لفت القارئ إلى أن هناك مجموعة أخرى من الكتب العالمية التي ناقشت هذا الموضوع. ربما لم تصل محتويات تلك الكتب واستنتاجات مؤلفيها إلى مستوى ما وصل إليه ما جاء في كتاب ماري أيكون (Mary Aiken) واشتقاقاتها، لكنها في نهاية الأمر تشكل، في مجملها، اتجاها متكاملا في مسيرة الثقافة العالمية المعاصرة. لقد أخذت هذه الثقافة على عاتقها قراءة التحولات التي باتت تفرزها، وتفرضها في آن ثقافة “الويب”، إن جاز لنا القول، والتي بدأت تكشف عن معالمها الجنينية اليوم، كي نعد أنفسنا للتعامل معها بالعلمية المطلوبة والمناسبة في المستقبل القريب، وليس البعيد، كما قد يتوهم البعض منا. 

 من بين تلك الكتب كتاب Adam N. Joinson، الموسوم (THE BOOK ON WEB PSYCHOLOGY: 7 Steps To Understand Online Consumer Behaviour).

 ينطلق مؤلف هذا الكتاب من أن الإنترنت باتت قادرة على تغيير الأعمال والتعليم، وربما حتى أنفسنا. وينجح جوينسون كما يقول نص غلاف الكتاب الأخير، في تقديم ملخص واضح وجذاب وحيوي لعلم نفس الإنترنت. بينما يستخلص في نفس الوقت دروسًا من التقنيات السابقة المتنوعة مثل الهواتف القديمة والتلغراف وحتى الراديو. ومن خلال مزج الحكاية مع نتائج الدراسات النفسية، يقدم هذا الكتاب رؤية واضحة ومقنعة وثاقبة لعلم نفس الإنترنت والآثار المترتبة على استخدامات التقنيات المستقبلية.

 وهناك أيضا كتاب نيكولاس كار (Nicholas Carr)، الذي أطلق عليه مؤلفه عنوانا قد يبدو غريبا بعض الشيء وهو “السطحيون (The Shallows)”. يعد الكتاب  كما يقال عنه “كتابًا أساسيًا في واحدة من أهم المناقشات في عصرنا. فهل تستحق استفادتنا بمزايا الإنترنت، أن نضحي بقدرتنا على القراءة والتفكير بعمق؟ يتضمن إصدار الذكرى السنوية العاشرة كلمة ختامية جديدة تجعل معالجات الكتاب محدثة، مع فحص عميق للتأثيرات المعرفية والسلوكية للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي”.

وكما تقول المراجعات المتعددة للكتاب ” تغير الإنترنت طريقة تفكيرنا، لكن ليس بالضرورة نحو الأفضل. ولذلك نجد الكاتب يأسف لأن الويب أعاد البشر إلى (حالة التشتت الطبيعية) التي خدمتنا جيدًا عندما كنا رجال الكهوف”.

 وكما تقول (Janet Asteroff)، في مراجعتها المطولة للكتاب “في الواقع، يعترف السيد كار بأنه لكتابة “السطحيون” (The Shallows)، نقل نفسه من ضاحية شديدة الاتصال في بوسطن إلى جبال كولورادو. وكانت هذه الأخيرة تفتقر حينها إلى خدمة الهاتف الخلوي والوصول إلى الإنترنت عالي السرعة. (وتنقل استروف على لسان كار قوله (عندما بدأت في كتابة “السطحيون” في نهاية العام 2007 ، جاهدت عبثًا للحفاظ على ذهني ثابتًا على المهمة. قدمت الشبكة، كما هو الحال دائمًا، كميات ضخمة من المعلومات المفيدة وأدوات البحث المتطورة، لكن الانقطاعات المستمرة لها شتت أفكاري وكلماتي. كنت أميل إلى الكتابة بذهنية منفصلة، بنفس الطريقة التي كنت أكتب بها في مدونتي “.

 ولم يقتصر الأمر على الكتب المتخصصة، فقد صدرت حول نفس الموضوع مجلة أكاديمية حملت عنوان “علم النفس السيبراني والسلوك والشبكات الاجتماعية (Cyberpsychology, Behavior and Social Networking)”، وهي المجلة الأولى التي تمت مراجعتها من قبل المتخصصين لإجراء أبحاث موثوق بها حول فهم التأثير الاجتماعي والسلوكي والنفسي لممارسات الشبكات الاجتماعية الحالية، بما في ذلك تويتر، وفيس بوك، وألعاب الإنترنت، والتجارة. وتعتبر المجلة مصدرًا أساسيًا في هذا المجال، وكانت في طليعة الدوريات المتخصصة التي عالجت التشبيك الاجتماعي والواقع الافتراضي لأكثر من 20 عامًا. تشتهر بمقالات حول الاتصال السريع ودراساتها المتعمقة حول تأثيرات التقنيات التفاعلية على السلوك والمجتمع، سواء كانت إيجابية أو سلبية.

 ومرة أخرى قبل الدخول في صلب محتوى الكتاب، لا بد من التوقف، ولو في عجالة، عند سيرة البروفيسور ماري أيكن. تعتبر أيكن واحدة من أفضل الخبراء الرواد في علم النفس السيبراني. وهي أستاذة في علم النفس السيبراني الجنائي في جامعة شرق لندن (University of East London) وأستاذة مساعدة في كلية دبلن الجامعية الإيرلندية (University College Dublin). وبعيدا عن الجانب الأكاديمي هي عضو في مجموعة الإنتربول العالمية لخبراء الجرائم الإلكترونية، ومستشار أكاديمي للمركز الأوروبي للجرائم الإلكترونية (EC3) التابع لليوروبول (الإنتربول الأوروبي). ويضع بعض النقاد البروفيسور ماري أيكن، في قائمة أفضل الرواد الباحثين في مجال آليات وأنماط “كيفية تغيير الفضاء الإلكتروني لطريقة تفكيرنا وشعورنا وتصرفنا”.

نكتفي بهذا القدر من التعريف بمؤلفة كتاب “التأثير السيبراني: كيف يغير الإنترنت سلوك البشر”. وبالإضافة إلى هذه السيرة الأكاديمية الغنية، يمكن تصنيف البروفيسور أيكن على أنها ناشطة سياسية، غالبا ما تظهر في برامج الإذاعة والتلفزيون.

 أما بالنسبة للكتاب الذي نحن بصدد معالجته فقد وقع عليه اختيار مجلة التايمز بأنه “كتاب العام” للعام 2016 في فئة الفكر. كما أدرجته مجلة Nature الدولية للعلوم ضمن قائمة أفضل عشرين كتابًا علميًا من فئة الفكر.

في كتابها “التأثير السيبراني: كيف يغير الإنترنت سلوك البشر”، الصادر عن “الدار العربية للعلوم ناشرون، اللبنانية”، في العام 2017، وقام بترجمته مصطفى ناصر، وتولى مراجعته وتحريره “مركز التعريب والبرمجة” اللبناني، تكشف أيكن الكثير من خفايا عالم الإنترنت، أو بالأحرى الشبكة العنكبوتية العالمية. وتتناول بأسلوب غير معقد مختلف جوانب الحياة في مجتمعات الإنترنت الافتراضية (Virtual) .

وترى الكاتبة، ومن زوايا مختلفة أن حقيقة الأمر أن عالم الإنترنت يستنزف الناس في حياتهم اليومية بطرق بشعة تصل إلى حد إراقة الدماء كما يشهد ضحايا ما يعرف بـ “الويب اللون (ما يعرف باسم The Dark Web)”.

4-5

ما تلفت له المؤلفة هنا، هو أنه بمجرد أن يتغير السلوك في الفضاء الإلكتروني، حيث يشارك عدد كبير من الأشخاص، يمكن أن يتضاعف مرة أخرى ويصبح قاعدة في الحياة اليومية، وهو ما تطلق عليه الكاتبة صفة "الهجرة عبر الإنترنت". وبما أن المواجهة، أو التفاعل ليس مباشرا وماديا، فعندما نتواصل ونتفاعل مع الآخرين عبر الإنترنت، يمكن أن نكون مجهولين، والأهم من ذلك، نشعر أننا كذلك.

وضمن سيكولوجيا السيبرانية يسمى هذا السلوك المتهور «تأثير عدم التحفظ على الهواء». وكما تقول المؤلفة، كان أول من طرح هذا المفهوم جون سولر، والآن أصبح منتشراً ومقبولاً على نطاق واسع من قبل الأكاديميين المختصين في هذا المجال. هناك عاملٌ آخر يؤدي دوره هنا، درسته شخصياً وكتبت عنه، "التصعيد على الهواء". إنها تركيبة مفاهيم تبين كيف يمكن للسلوك أن يتضخم على الهواء، مثلما جرّب الكثيرون منا بشأن التغيرات السلبية على أثر تلقي إيميلات فاضحة، أو نصوص فيها شيء من العدوانية، ورسائل بذيئة وتعليقات على أشياء يقصد بها إثارة الانفعال. هذا لا يعني أن التكنولوجيا سيئة أو أنها جيدة.

عندما يكون الإنسان مجهولا يسقط من حساباته، بشكل غير واع مقاييس "العقد الاجتماعي" الذي ينظم العلاقات بين مكونات المجتمع المعني. ويتحول الجميع إلى أرقام مجهولة تتصرف بشكل مختلف. بدون ضغوط وقيود اجتماعية. وفي حقيقة الأمر تتصرف بشكل أكثر عدوانية واندفاعاً.

وعبر الإنترنت ينتقل المجتمع البشري برمته، وليس مجتمعا معينا، محددا، كما كان عليه الحال في النقلات التي شهدها العالم عبر الحقب المنية المتعاقبة التي طورت الحضارات الإنسانية المختلفة. كما أن الأمر يتجاوز هنا الضوابط الجغرافية والحدود الزمنية التي تولد التحولات الاجتماعية وتصاحبها. لذلك، وكما ترى الكاتبة نحن ننتقل، وبإرادة ذاتية منا، من الاختيار الطبيعي إلى الاختيار السيبراني. وكلما زادت المسافة بينك وبين الأشخاص الذين يمكن أن تؤذيهم، كلما كان ذلك أسهل على ضميرك.

وينجح مجتمع الويب المكرس لمثل هذه النقلات السريعة، والمترامية الأطراف في إضفاء الشرعية السلوكية على هذا الطابع الاجتماعي، الذي يتحول، وفي فترات سريعة جدا إلى نوع من المسلمات المجتمعية المقبولة، بل، وفي أحيان كثيرة، المستحسنة. ونجدها في حالات ليست استثنائية تحظى بالترويج غير الواعي من لدن أفراد كانوا يقفون ضدها في المجتمعات التقليدية.

قضية أخرى يثيرها الكتاب، ربما تبدو هامشية أو ثانوية، لكنها في غاية الأهمية، وهي تشويه قيمة الوقت. أو بالأحرى تلاشي الأهمية التي نوليها للوقت. فحتى انتشار الإنترنت كان الوقت، كما كنا نردد هو أغلى رأسمال يملكه الإنسان. وكنا، نحن العرب، نكرر قول المثل المشهور، الذي يثمن عالياً قيمة الزمن "الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك".

لكن الإنترنت، نجحت، وهو أمر لا يمكن إنكاره، في تشويه تلك القيمة العالية التي كان يحظى بها الوقت في ضمير الإنسان. إذ يمكن أن يتسبب الاتصال بالإنترنت في تشويه مرور الوقت. وتشير أيكن إلى ذلك محذرة بأننا كبشر، تعلمنا أن نتتبع الوقت في العالم الحقيقي جيدًا. ولكن عندما نتصل بالإنترنت، فإننا على الفور "في مكان آخر"، وفي هذا المكان الجديد ليس لدينا المحامل المادية التي يمكن من خلالها توجيه أنفسنا. تتجلى هذه الظاهرة في أشياء مثل الانغماس الشديد في المحتوى عبر الإنترنت، حيث تمر ساعات وتشعر وكأنها دقائق، حتى تلك الأوقات التي تلتقط فيها هاتفك دون تفكير للتحقق من بريدك الإلكتروني، متناسيًا أنك فعلت ذلك منذ دقيقتين فقط. هنا تحذرنا أيكن من كون الإنترنت مكانا مُختلفا. فربما نكون جالسين على أريكتنا لكن الظروف والقيود التي تحيط بنا قد تغيرت تمامًا في الواقع.

سلوك اجتماعي آخر ينميه الإبحار على الإنترنت لدى الشباب والمراهقين وهو ما تصفه أيكن بـ "الإدمان على المكافآت الصغيرة والمقامرة". فرغم أن المستخدم يتجرع مكافآت الإنترنت على دفعات صغيرة، لكنها متكررة، وعلى فترات قصيرة، تم حسابها بدقة بعد دراسات سلوكية مستفيضة. مثل تلك المكافآت الصغيرة والمتقطعة، لكنها مستمرة، تعيد نفسها، وتتناسل مرارًا وتكرارًا. التعزيز المتقطع أكثر فاعلية في تحفيز الناس من المكافآت المستمرة.

تحذر أيكن من أنه مع القمار، ينتعش الإدمان، وتتكشف الدراما التي تخلق التوقعات، والتي غالبًا ما تكون متفائلة. والتي وُجدت لتوصيل القليل من الدوبامين إلى الدماغ. لا يستغرق الأمر ثانية أو اثنتين أو ثلاث، لكنها مثيرة، وتستفز لدى المستخدم الرغبة الملحة في المواصلة والانتظار، أملاً في الفوز. هنا يفرض القمار، ومعه الإدمان نفسهما على ذلك المراهق.

وفي تجارة القمار، يُطلق على هذا الإزعاج "سدادة القلب" ، لأنه يمكن أن يمنحك موجة من الإثارة، وقليل من المتعة. هذا هو التعزيز الإيجابي الكلاسيكي. لذلك حتى عندما لا تفوز، فإن ضجة الإثارة المؤقتة هذه كافية لتجلب لك بعض المتعة وتعزز سلوك مسح البطاقات. عندما يكافأ أي سلوك بسرور، فمن المرجح أن تكراره. يسمى هذا في تصميم اللعبة "الفشل الممتع".

حتى لو فشل المستخدم فشلا ذريعًا، فهو ليس بائسًا. لماذا ا؟ هذه المتعة البيوكيميائية تحدث فرقًا كبيرًا. يكافئ الإنترنت الاستكشاف: من المحتمل أن تكون مكافآت الدوبامين في البحث عن الطعام قد جعلت البشر أكثر قابلية للتكيف مع البيئات الجديدة. نحن نكافأ على الاستكشاف. تقوم بفحص هاتفك (بشكل متقطع) للحصول على أخبار جيدة أو مفاجئة، وهو ما يكفي لإبقائك على اطلاع. غرائزنا التطورية، مثل السعي، تجعل من الصعب المقاومة. ناهيك عن الخطافات والإشارات والتنبيهات والمحفزات وفشل المرح وسدادات القلب.

نحن نعيش الآن مرحلة فريدة حقاً من تاريخ البشرية، يتدفق فيها سيلٌ هائل من المعلومات، ونشهد خلالها الكثير من التحولات التي تشوش أفكارنا، وربما لن يشهد الناس مثيلاً لها. تحولات كأنها الزلزال في نمط العيش والتفكير بسبب الانتشار السريع للتقنيات الجديدة وهيمنتها على حياتنا اليومية، كل تلك الأشياء غيّرت علاقاتنا مع الآخرين، وأساليب أخرى.

Print Article Send to Friend Add Comment

Reader Comments

Share Your Opinion