خلال الجائحة، منحت سيطرة التكنولوجيات المطّردة على المعيش اليومي مؤسس فيسبوك دفعا جديدا فأعلن عن مشروع ميتافيرس الذي استوحاه من عوالم “السوبربونك” ليدفع بالتجربة التفاعلية إلى أقصاها، وبشر رواد ذلك الفضاء الافتراضي بأن في استطاعتهم مستقبلا أن يجتمعوا ويتلاقوا ويعملوا وحتى يستهلكوا وهم جالسون أمام شاشاتهم.
وأمام ما يعيشه العالم من أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية، وخاصة صحية مع تزايد تحولات فايروس كورونا واشتداد مخاطره الراهنة والقادمة، يبدو مشروعه مثل واحة وسط عالم لا يني يتصحّر ويختنق بسبب الاحتباس الحراري. تماما مثل فيلم ستيفن سبيلبرغ “ريدي بلاير وان” (اللاعب رقم واحد جاهز) الذي يصور مجتمعا غائصا في واقع افتراضي فيما تزداد البيئة اختلالا والشعوب فقرا.
إلغاء الشك
هذا المشروع، حسب أهل الاختصاص، يمثل التقاء رغبتين قويتين: رغبة الهيمنة لدى الشركات التكنولوجية العملاقة، ورغبة الفرد المعاصر التي تكاد تنحصر في عيش تجارب ترفيه وترويح عن النفس حسب الطلب. ما يوحي في الظاهر بأننا إزاء عالم سوف تصبح فيه كل مشكلة قابلة للحل، وأن ما كان مجرد تخييل معقد سوف يغدو خاضعا لنظريات وظيفية وتطبيقات عملية، دون الأخذ بعين الاعتبار الأعمال الديستوبية التي حذرت من مثل تلك المشاريع التي ترهن مصير الإنسان وحتى مصير الأرض التي يعيش عليها، فزوكربيرغ لا يعد بتطوير تقنيات موقعه الطاغي، بل صار يبشر بعالم جديد، حيث الحياة أطول والعيش أطيب، مؤكدا أن “البشر يمكن أن يغيروا هذا العالم الذي نعيش فيه إلى عالم آخر، مختلف تماما، عالم سوف يخلقونه بأنفسهم”.
هذا التصور الحالم والمرعب في آنٍ يخالف الواقع الذي فُرض على عدد غفير من البشر، لاسيما أثناء الجائحة، أي واقع متفرجين سلبيين عاجزين، كأنهم أمام فيلم من أفلام الرعب أو الكوارث، ذلك أن الأزمة الصحية كانت فرصة للوقوف على الفجوة بين عرض فرجوي متسارع، وبين ترقّب بطيء مليء بالشكوك. ففي تلك الأشهر التي تراجع فيها النسق السريع لشتى الأنشطة في العالم، ازداد الارتهان إلى التكنولوجيات، والصور والسرديات التي تحملها، سرعة واتّساعا، ووقعت أزمنة السياسي والعلمي والطبي في قبضة ذلك النسق، فقضت على أنفسها بالصمت والترقب، وأغرقت الفرجةُ الإعلام.
إن ما يلاحظ اليوم، حتى قبل هذه الأزمة الصحية التي ما انفكت تتطور نحو الأسوأ، أن موقعنا صار في الغالب موقع متفرجين، منشدّين إلى الشاشات بأنواعها حتى الإعياء، حيث يمر العالم أمامنا بأزماته المتلاحقة، وأصبح أفق انتظارنا يتكيّف حسب إيقاع الأفلام والمسلسلات التي تتجدد بلا نهاية، وأنظارنا مرهقة بجماليات الكوارث.
والأخطر من ذلك أنها صارت، بما تغرسه في مخيالنا من رؤى، تعمق فينا الاعتقاد بأن ما تبثه سيحدث إن آجلا أو عاجلا، وكأنه قدر محتوم. فأغلب ما يبث عبر سائر الشاشات، وفق جماليات هوليوودية، كأن الغرض منه جعل المشاهد في وضع شكّ دائم حول مصيره، ومصير البشرية قاطبة، تمهيدا لإلغاء حكمه الشخصي. ففي عصر الخطاب المتواصل، لم يعد ثمة مجال للشك، إذ لا بد أن تلبّى رغبة الفرد بفضل حشد الصور والمرجعيات المشتركة المأخوذة من الأفلام أو من ألعاب الفيديو، بوصفها علامات تعارف واعتراف متبادل وتلاق.
فما الحيلة في عالم تغزوه عدة تصورات كارثية كانت الصناعة الثقافية سبّاقة إلى التحذير منها؟
القدر المحتوم