المقالات
فرص وتحديات بناء الوعي في العصر الرقمي
تعد قضية الوعي من أهم القضايا التي شغلت بال العديد من الساسة والعلماء عبر التاريخ ،والتي تعرضت بدورها لمتغيرات جديدة فرضتها الثورة الرقمية والمعرفية، والتي سرعان ما كان لها تأثيرات عميقة على الفرد والمجتمع والدولة ،وعلى قدر ما أتاحت للمجتمع البشري فرص جديدة للقوة و المعرفة والثروة ، فإنها جاءت كذلك بتهديدات غير مسبوقة فيما يتعلق بطبيعتها أو بمستويات مواجهتها.
د. عادل عبد الصادق*
Sunday, January 23, 2022 - 09:36 AM
Views: 3
ودفع ذلك لأهمية صناعة الوعي والتأثير عبر المنصات الرقمية لاستهداف الكتلة الحرجة من الشباب والمراهقين ، وهم الأكثر تفاعلا واستخداما لها ، وبخاصة مع رخص التكلفة وسرعة الانتشار، وذلك مع حالة التغير من انتقال تقنية البث من الفرد الى الفرد ثم منه إلى الكل فمرحلة بث الكل الى الكل ،ليكشف عن ضخامة التفاعل مع تصاعد دور الهواتف الذكية والشبكات الاجتماعية .
وتطورصناعه المحتوى الرقمي سواء اكان نص اوصوت اوفيديو اوصورة، او فنون صناعة البيانات مثل الجرافيك والانفوجرافيك ، ورقمنة صناعة الكتب والسينما والترفيه،و خضوع المليارات من المستخدمين عبر العالم لمؤثرات وتطبيقات واحدة عبر المجال السيبراني ، وصعود قوى جديدة في مجال الصناعات الثقافية الرقمية ، وبدت تمارس سلطة المعرفة عبر الحدود ، وتحول السوق الى فجوة بين القوى المنتجة والاخرى المستهلكة ، والتعرض لتحقيق أهداف تجارية ومالية من قبل شركات تقنية عابرة للحدود او توظيفها من قبل الدول لخدمة سياستها الخارجية وفرض قوتها الناعمة .
وعبر تلك المنصات يتم توظيف المؤثرات الصوتية والمرئية للجذب والإثارة في معركة الاستحواذ على القلب والعقل لزياده عدد المشاهدات واستخدام تكتيكات دعائية للإقناع وجعل التاثير اكثر عمقا في الوعي بشقيه الفردي و الجماعي.وتصاعد دور صناعة تصنيف واتاحة المعلومات وتوظيف الخوارزميات وملفات التتبع في زيادة نسب الاستهداف ،وجاء ذلك في ظل حالة الاحتكار للشركات التقنية سواء في مجال الشبكات الاجتماعية او محركات البحث او في الترفيه في مقابل ضعف البدائل الوطنية.
ويتم التفاعل النمطي مع المحتوي في جزء كبير منه في ظل غياب التفكير النقدي وتدني الثقافة العامة وضعف دور وسائل الاعلام ، وحالة الاحساس بالاغتراب الثقافي او الاجتماعي ،وحمل ذلك تأثيرات سلبية من الناحية النفسية و العقلية والجسدية للفرد وقدرته على ادراك وتفسير الواقع بناء على منظومة المعرفة والقيم المتشكلة لديه عبر تلك المنصات ،والتي توجهه في اتخاذ القرار،والحكم على الأفكار او الاشخاص او الاحداث.
وباتت تؤثر تلك المنصات في تقديره لذاته ودوره في الحياة او شعوره بالتفاؤل والسعادة أو بالانتماء،وهو ما يظهر في سلوكه داخل بيئه التفاعل المادية او الرقمية، مع دور الاخيرة في تحريك القيم بشكل عام من حالة الثبات الى حالة التفاعل ومن حالة التبني المطلق الى اعادة التفكير، وانعشت المنصات الرقمية كذلك سوق للافكار واختبارها وقياسها وتطويرها وانتقالها من مكان الى اخر ومن زمن الى اخر عبر التفاعلات الرقمية المتواصله.
والتي تفتقد الى توافر مقياسا او توافقا في الانتقاء بين القيم المعوقة والاخرى المعززة للتنمية ،في ظل تنامي بيئة عدم اليقين ،وخروج عملية الفرز من بين أفواه المتخصصين من رجال الدين والثقافه الي اناس اخرين لا يجمعهم الا الرغبة في التأثير،لتحقيق مكاسب مادية وليس بالضرورة مكاسب ثقافية او توعوية.
وجاءت عملية تشكيل الوعي مع تراجع دور الإعلام الموجه من قبل الدولة لصالح سيطرة الإعلام الرقمي، وصعود دور فاعلين جدد في التاثير في الراي العام ،وخروج صناعة التأثير في الوعي من فرص التعبئة القومية لخدمة الاهداف الوطنية الي فاعلين اخرين يمكنهم ان يحدثوا حالة من التفتت في الاتجاهات او الرغبات ،او بتصعيد ميول جديدة ، أو عبر نشر اتجاهات فكرية لا تعبر عن اجندة المجتمع او ثقافته المحلية ،وهو الامر الذي يحد في الاخير من قدرة الدولة في التعبئة القومية للموارد لخدمة التنمية ، وبالرغم من دور المنصات الرقمية في زيادة الوعي بالمطالب لدى المواطنين ، الا انها زادت من الضغوط علي صانعي القرار مع ضعف الموارد، وهو الأمر الذي ينمي مشاعر الإحباط ، وتكون بيئة حاضنة ، توظفها جهات مغرضة لزعزعة الثقة بين الدولة والمجتمع ،ويوفر ذلك فرصة لزيادة استهلاك المعلومات المضللة وتطبيقات الوعي الزائف والحروب النفسية.
وتتطلب عملية الرصد والتحليل للسلوك عبر المنصات الرقمية لبناء الوعي معالجة مفارقات منها، الاولى، بالرغم من انها اتاحت القدرة على التعبئة الجماعية الا انها اتاحت الفرصة للإحساس بالفردية والعزلة والانغلاق .والثانية ، بالرغم من ممارسة الفرد إرادته الحرة في السلوك والتسوق الا انها اتاحت الفرصة للخضوع الى مؤثرات تشكل اختياراته وقناعاته .والثالثة ، بالرغم من تحولها كمصدر هائل المعلومات المجانية الا انها لم تتحول بالضرورة الى معرفة وابداع ومن ثم وعي حقيقي.والرابعة ، بالرغم من توافر أدوات جديدة لتقصي الحقيقة الا ان تستخدم كذلك في التزييف وتغييب الوعي وتقدم ادلة وأخبار مزيفة ، والخامسة ، بالرغم من تحقيقها سعادة وترفيه الا انها تتحول الى مصدر للقلق والخوف والتشاؤم .
وتحتاج مواجهة التأثيرات السلبية للمنصات الرقمية التي تقف أمام بناء وعي حقيقي الى تبني منظومة استراتيجية وطنية لبناء الوعي تكون قائمة على الاستثمار في القيم والشباب باعتبارهما يشكلان منصة التغيير وتطوير الوجدان والمعرفة والإدراك والسلوك ، من أجل التعامل مع قضية خرجت بالفعل من نطاق معالجتها من داخل أروقة المؤسسات الرسمية الى منصات اخرى يحركها فاعلين ثقافيين آخرين.
ويبقي القول إن صناعة الوعي الفردي هي اللبنة الاولى في بناء الوعي الجماعي ،وهي عملية تراكمية ذات ابعاد قصيرة وطويلة الأمد ،وترتكز على إحداث تغيير ثقافي يساند حركة التنمية ويحافظ عليها ويضمن استدامتها ، ويتطلب ذلك تكاتف كافة الجهود الشعبية والرسمية حول بناء الوعي باعتباره مشروعا قوميا لا يحافظ فقط علي عقل الانسان بل على ثروته وحاضرة ومستقبله،ويحرره كذلك من قيود ومعوقات التنمية ويجعله ينطلق نحو المساهمة في بناء الحضارة الإنسانية .
*مدير مشروع المركز العربي لابحاث الفضاء الالكتروني