المقالات
الابتكار بين تقديم الحلول وإيجاد الفرص
قد يكون من الضروري أن يتكون لدى المهتمين بالابتكار ومبادئه، والطرق الموصلة إليه تصور واضح المعالم عن كيفية تفعيل الابتكار، والسبل المؤدية لتحقيق أثر ذي جدوى بشكل عام. في هذا المقال سأتناول أبرز نهجين، وإن كان لهما ثالث، لقيادة وتنفيذ عملية الابتكار. المسار الأول يحدث بدافع تلبية طلب أو حل مشكلة قائمة، فبغض النظر عن مدى تعقيد المشكلة مدار البحث والاستكشاف، إلا أن النتائج المرجوة لحلها واضحة ومحددة. على النقيض من ذلك، في المسار الثاني للابتكار عادة ما يحيط الهدف أو المقصد النهائي شيء من الضبابية، كما أن مخرجات هذا الابتكار لا تتسم بالنضج أو الجاهزية للاستخدام أو الإطلاق في الأسواق.
د. محمد راشد الشريف- أستاذ هندسة الاتصالات المشارك
الاقتصادية
Monday, February 28, 2022 - 02:21 AM
Views: 397
المسار الأول لنهج الابتكار الذي أشرنا إليه يتأثر بعامل جذب أو طلب السوق. كما تتعدد الصور التي يحدث فيها ابتكار الجذب والطلب، فأبحاث السوق أو التوجهات الحالية لسلوك المستهلك تؤدي إلى التعرف على إما تحديات وإما فرص يقوم المبتكر بانتهازها وتلبية احتياجاتها في السوق. كما أن التجارب الشخصية التي تولد شعورا بالمعاناة أو عدم الرضا من خدمة مقدمة أحيانا تكون باعثا قويا للابتكار.
في 2003، واجه البريطاني توم أليسون تجربة سيئة عندما قام بإرسال مجموعة من التذاكر لعدد من رفقائه لحضور إحدى الفعاليات عبر خدمة الشحن السريع، حيث فوجئ بعدم وصول التذاكر لرفقائه. كما لم يستطع أليسون أيضا تحديد موقع عربة النقل بعد قيامه باتصالات عدة على مكتب البريد ليتمكن من تولي المهمة بنفسه، وإيصال التذاكر للمجموعة. كانت تلك التجربة غير الناجحة باعثا له للتفكير بوسيلة أخرى لتقديم خدمات شحن اليوم الواحد. وبالفعل، استطاع أليسون تأسيس شركة هو وشريكه سميت بـ eCourier تعتمد على تقنيات الإنترنت وتقوم بعمليات التتبع باستخدام نظام التموضع العالمي GPS، لتحقق نجاحا منقطع النظير عند إطلاقها في لندن.
?كان ابتكار خدمة شحن الطرود السريع بتوظيف التقنية قد خرج من رحم معاناة أحد العملاء، الذي ترجمه إلى تأسيس إحدى شركات الخدمات اللوجستية الناجحة في المملكة المتحدة. إن منهج الابتكار المدفوع بطلب أو جذب السوق أصبح أكثر انتشارا، خصوصا مع تطور شبكات الإنترنت والاتصالات، وبروز عديد من التقنيات الناشئة. كما أن معظم الشركات الناشئة الحديثة ورياديي الأعمال اليوم حققوا منتجاتهم أو خدماتهم المبتكرة عبر استكشاف التحديات أو الفرص المتوافرة في الأسواق، وتقديم حلولهم الابتكارية وفقا لذلك.
غير أن الحديث عن منهج الابتكار والأسباب الباعثة له لا يعني بالضرورة نجاح المنتج المبتكر أو الخدمة المقدمة. عوامل أخرى تلعب دورا محوريا في نجاح منتجات الابتكار وانتشارها في الأسواق. فالتوقيت المناسب لإطلاق خدمة مبتكرة، إلى جانب أصالتها وتقديم حل لمشكلة محددة، يزيد من فرص نجاحها ورواجها بين المستخدمين. الأنظمة والتشريعات أيضا لا تقل أهمية عن المنتج المبتكر نفسه، ففرض قيود أو تعرفة على منتج أو خدمة جديدة، قد يثبط الاستثمار فيها وبالتالي تبنيها.
?إن مما يميز مسار الابتكار المعتمد على جذب السوق، هو قصر مرحلة نضجه مقارنة بالمسار الثاني المعتمد على البحث المدفوع بالمعرفة. فبسبر المشكلة أو الفرصة الكامنة في السوق، تبدأ مرحلة الابتكار بشكل مباشر دون تمضية وقت طويل في التطوير والاستكشاف، لتنتهي بعمل ابتكاري جاهز للإطلاق التجاري. في مقال الأسبوع المقبل سنتناول الحديث عن المسار الثاني للابتكار
بعد استعراض أهم ميزات مسار الابتكار المحفز بالطلب وتلبية احتياجات السوق، نتناول في هذا المقال المسار الثاني للابتكار، وهو الابتكار المدفوع بتطورات التقنية أو بتقدم المعارف والعلوم. وقد يبدو للوهلة الأولى أن الطريق الذي يحف هذا النهج من الابتكار يبدو جذابا ومغريا لخوض تجربة الابتكار تلك، والخروج باكتشافات تغير العالم أو تدر الملايين، ولكن الواقع الحقيقي له رأي آخر.
عادة ما يقوم هذا المسار على البحث العلمي والباحثين، ويتركز بين أروقة الجامعات وفي مراكز بحوثها. كما أن نهايات تلك الأبحاث قد لا تبدو واضحة المعالم، ويطرأ عليها تغيير إما في نطاق البحث وإما في منهجية إجرائه في كثير من الأحيان بسبب كثرة المتغيرات التي تعرض على طول تلك المرحلة. ولتقريب الصورة أشير إلى بحث علمي نشر أخيرا في مجلة "نيتشر" الشهيرة، الذي استغرق البحث فيه مدة تتجاوز الـ 30 عاما لتطوير خلايا شمسية لتحويل الطاقة الشمسية إلى كهربائية. ولكن لسوء الحظ لم تفض تلك الأبحاث إلى النتائج المأمولة حتى وقع ما لم يكن في الحسبان، وهو إظهار المواد المستخدمة في تطوير تلك الخلايا قابليتها الفائقة على امتصاص الضوء ممهدة الطريق إلى استخدامات أشمل.
تصور التجربة البحثية سالفة الذكر جزءا من التحديات المصاحبة لعملية البحث العلمي الذي يعد أحد ممكنات الابتكار المدفوع بالتقنية. فطول الفترة الزمنية المستغرقة، والخطورة المصاحبة للمشاريع البحثية الأساسية جراء احتمال الإخفاق وعدم تحقيق النتائج المأمولة، كلها تصف تلك المرحلة. كما أن هذه التجارب تتطلب دعما ماليا يمتد لأعوام، ما يزيد العبء المالي على الجهة أو المؤسسة الداعمة، وبالتالي يثبط الشركات على وجه الخصوص من الاستثمار في البحوث غير مضمونة العوائد على الاستثمار. يضاف إلى ذلك أيضا إنتاج وتسجيل براءات الاختراع التي تعد أحد نتائج هذا النهج الابتكاري، النزر اليسير منها فقط يحول إلى منتجات تجارية تباع في الأسواق.
إلا أن تلك التحديات يجب ألا تثني المؤسسات الحكومية وشركات القطاع الخاص عن الاستثمار في الأبحاث الأساسية وتخصيص جزء من ميزانياتها لتنفيذ تلك المشاريع، وإن كانت المنتجات الابتكارية المرتبطة بتلك المشاريع لا تظهر على المدى القريب على أقل تقدير. أحد الأدلة المقنعة على مساهمة البحث العلمي الأساسي في توليد وتسريع وتيرة الابتكار لما ينتجه من زخم علمي ومعرفي مصاحب، هو ما حصل من سرعة في تطوير لقاح فيروس كورونا الذي عادة يستغرق أعواما للحصول على لقاح ناجع معتمد.
فالجامعات ومراكز الأبحاث الحكومية وفي ظل التعاون الوثيق بينها وبين شركات الأدوية مكن من اكتشاف وتطوير ومن ثم اعتماد لقاح فيروس كورونا في وقت قياسي. غير أن ذلك لم يكن ممكنا لولا وجود عشرات الآلاف من الباحثين والعلماء في التخصصات الصيدلانية والحيوية ذات العلاقة على مستوى العالم، قد أسهموا في نشر عديد من الأبحاث وإجراء كم هائل من الدراسات على مدى عقدين من الزمان أو أكثر في مجالات الأدوية ولقاحات الأوبئة المشابهة.
إن دورة حياة الابتكار تبدأ عادة من المراكز البحثية بإجراء أنشطة الأبحاث الأساسية التي تمهد الطريق في الأغلب لاكتشافات تغير وجه العالم. مجملا، يمكن تشبيه دور الأبحاث الأساسية والأنشطة المرتبطة بها بالوقود الذي يمد المحرك بالطاقة اللازمة لتدوير عجلة الابتكار، لذا من الأهمية بمكان الاستثمار في هذا النوع من الأنشطة الابتكارية المدفوعة بالتقنية والاكتشاف، من القطاع العام أو الخاص على حد سواء. كما تشير الإحصائيات الحديثة إلى زيادة إنفاق شركات القطاع الخاص في الولايات المتحدة على مشاريع الأبحاث الأساسية إيمانا منها بأهمية تلك الأنشطة في دفع عجلة الابتكار، وفي الحفاظ على ميزتها التنافسية.