في العام الماضي أعلنت الحكومة العسكرية في ميانمار اتخاذ إجراءات ضد "مؤسسة المجتمع المفتوح في ميانمار" المدعومة من سوروس بسبب خرقها قواعد المنظمات، كما جمّدت مدخراتها التي تبلغ نحو 4 ملايين دولار، والمودعة في أربعة بنوك محلية. كذلك اتهم المجلس العسكري بعض موظفي المنظمة بسحب ودائع من بنك خاص، وتقديم مساعدات نقدية لحملة معارضة للجيش تُعرف باسم حركة العصيان المدني؛ وما تزال التحقيقات جارية. ورفضت "مؤسسة المجتمع المفتوح" طلب التعليق على دورها في ميانمار.
الصين تتباهى بتجربة اليوان الرقمي في الأولمبياد.. فهل يتمكّن الدولار الرقمي من المنافسة؟
فضلاً عن ذلك؛ فإنَّ وزيرة خارجية حكومة الوحدة الوطنية زين مار أونغ، التي حكم عليها بالسجن لمدة 28 عاماً عندما كانت طالبة بسبب قراءتها لقصيدة تنتقد الجيش، وقالت: "سيحاول المجلس العسكري منع مصادر الدخل عنا، في حال امتلكوا معلومات أكثر عن البنوك" التي تتدفق منها الأموال مثلاً؛ لذا فإنَّ حكومة الوحدة الوطنية تستخدم "طرقاً أكثر ابتكاراً لتأمين الأموال"، على حد قولها.
طرق مبتكرة
إحدى هذه الطرق تتمثل بموقع (Click-to-Donate) "انقر للتبرع"، وهي صفحة ويب توجه إلى سلسلة تعرض مقاطع إعلانات، إذ تزيد قيمة التبرعات بحسب عدد مرات المشاهدة. وجمعت المنصة في يناير مبلغ 457 ألفاً و765 دولاراً سنغافورياً (341 ألف دولار أمريكي)، بحسب صفحتها على "فيسبوك". كذلك أطلقت حكومة الوحدة الوطنية أيضاً بطاقات "يانصيب" وطني تم بيعها رقمياً في أغسطس خلال ساعة من طرحها، مما أدى إلى جمع أكثر من 60 ألف دولار.
كما تمتلك حكومة الظل خططاً أكبر، على الرغم من أنَّها تسعى لضمان بقاء المدارس والمستشفيات مفتوحة، ودفع أجور العمال المضربين، وتتبّع برنامج التطعيم الخاص بفيروس كوفيد-19، إذ يعمل كل ذلك على إبقاء المقاومة حية.
ولعل أكثر تحركاتها طموحاً هي بيع ما تسميه "سندات الخزانة الخاصة بثورة الربيع"؛ إذ يحصل المشترون على شهادة تتعهد بها الحكومة بسداد المبلغ المدفوع في غضون عامين، دون فوائد. وكان طرحها الأولي في أواخر نوفمبر ناجحاً جداً لدرجة فرضت سحبه في غضون يوم واحد من إطلاقه. ثم استؤنفت المبيعات في يناير، وتم جمع حوالي 20 مليون دولار.
تعليقاً على الموضوع؛ قال ريتشارد هورسي، المحلل السياسي وكبير المستشارين في مجموعة الأزمات الدولية: "كانت حكومة الوحدة الوطنية مبتكرة للغاية، وأعتقد أنَّها نجحت بشكل كبير بجمع الأموال بعدد من الطرق المختلفة؛ إلا أنَّها مع ذلك لا تقترب من حجم الأموال التي تريدها".
تاريخ من الانقلابات
يذكر أنَّ ميانمار تملك تاريخاً طويلاً من الانقلابات والحكم العسكري، كما كانت فترات الديمقراطية فيها مضطربة أيضاً. ومن جهة أخرى؛ باتت أونغ سان سو شي، التي استُشهد بـ "نضالها ضد الاضطهاد" في جائزة نوبل للسلام في عام 1991، تُعتبر زعيمة ملطخة السمعة في عيون العالم، وذلك بعد أن دافعت عن الجيش في أعقاب حملة القمع التي شنت في عام 2017 ضد أقلية الروهينغا التي نددت بها الأمم المتحدة ووصفتها بأنَّها تطهير عرقي، وإبادة جماعية.
من جانبه؛ قال اللواء زاو مين تون، كبير المتحدثين باسم مجلس إدارة الدولة، وهو الاسم الذي يُعرف به النظام العسكري، إنَّ الحكومة المدنية المخلوعة قادت التدهور الاقتصادي للبلاد منذ عام 2018، وهو وضع تفاقم منذ ذلك الحين بسبب كوفيد-19، والفرض الخارجي لما أطلق عليه "عقوبات ذات دوافع سياسية".
وأضاف عبر الهاتف: "لم تدعم الحكومة السابقة الشركات المحلية، بل اعتمدت إلى حد كبير على القروض الخارجية والمنح والدعم الدولي، وكان اقتصادنا في خطر". وقال أيضاً، إنَّه في العام الذي أعقب تولي المجلس العسكري الحاكم؛ تحول العجز التجاري في ميانمار إلى فائض، مضيفاً: "لكنَّنا ما زلنا بحاجة إلى فعل الكثير".
وناشد اللواء الجمهور بعدم التبرع لحكومة الوحدة الوطنية، أو جماعات المعارضة الأخرى، قائلاً، إنَّ الأموال ستُخصّص للأسلحة، و"الأنشطة الإرهابية فقط؛ لأنَّهم لا يعرفون شيئاً عن الصحة العامة، والشؤون الاجتماعية، والأنشطة الاقتصادية التي تساعد الناس".
يُذكر أنَّه بعد مرور عام على الانقلاب؛ يتنافس النظام العسكري في ميانمار وإدارة الظل المدنية بشكل فعال على إنشاء أنظمة حكومية ومالية موازية.
كذلك يواجه المجلس العسكري المشاكل الناشئة في اقتصاد أضعفته الاشتباكات مع الجماعات العرقية المسلحة، ويتعامل مع فرار المستثمرين الأجانب، والتهديدات بفرض عقوبات أمريكية إضافية. ويُقدّر البنك الدولي أنَّ اقتصاد ميانمار انكمش بنسبة 20% تقريباً خلال السنة المالية الماضية، وتشير التوقُّعات إلى أنَّ نحو نصف سكان البلاد البالغ عددهم 55 مليوناً يعيشون تحت خط الفقر الوطني اعتباراً من أوائل عام 2022.
أدت هذه الهشاشة الاقتصادية، مع النقص النقدي الكبير، وسلسلة العقوبات التي تقيّد التدفقات المالية إلى البلاد، إلى دفع كلٍّ من المجلس العسكري وحكومة الظل إلى التسابق على طرق مبتكرة لتوليد الإيرادات.
دعم من التشيك
يُشار إلى أنَّ لين ثانت، وهو سجين سياسي سابق يعيش في منفاه في جمهورية التشيك منذ أكثر من عقد؛ يتصدّر مركز شبكة جهود جمع الأموال لحكومة الوحدة الوطنية.
وفي حين أنَّ براغ تبدو نقطة انطلاق غير محتملة في توجيه التمويل إلى جنوب شرق آسيا؛ فإنَّ التشيك تعد صديقة قديمة لنشطاء الديمقراطية في ميانمار. فقد كان الرئيس السابق، فاتسلاف هافيل، قد اقترح اسم أونغ سان سو شي على لجنة جائرة نوبل.
كذلك؛ فإنَّ جمهورية التشيك تعد إحدى الدول القليلة التي يُسمح فيها لحكومة الوحدة الوطنية بالوصول إلى حسابات مصرفية، وهو الأمر الذي يمثل شوكة في خاصرة القوات المسلحة (التاتماداو) التي تكافح لتأكيد وجودها في جميع أنحاء ميانمار. وقال لين ثانت في مكتبه المتواضع ضمن شقته الواقعة في منطقة نائية في براغ، إنَّ الأموال التي تتدفق من خلال الحساب تُستخدم "لأغراض إنسانية فقط"، وليس للعمليات العسكرية أو الأسلحة.
وأضاف: " نُحوّل الأموال من الحساب المصرفي التشيكي إلى البنوك التايلاندية، أو الحسابات الأمريكية التي لدينا، ثم يقوم شركاؤنا والمنظمات غير الحكومية بشراء المساعدات الإنسانية، والطعام، والملابس، والمياه التي تُرسل عبر حدود ميانمار مع تايلندا أو الهند".
وهنا يأتي دور العملات المشفَّرة استجابة لهذا النوع من الحصار المالي.
حلول تكنولوجية
بالنسبة لحكومة الظل؛ يمكن للعملات المشفَّرة تجاوز الوسطاء التقليديين، أي البنوك والمؤسسات المالية الأخرى؛ مما يسمح بدرجة من السرية تعتبر ضرورية مع إحكام المجلس العسكري قبضته. وعلى الأقل من الناحية النظرية؛ فإنَّه من المحتمل أيضاً أن توفر العملات الرقمية استقراراً نسبياً، إذ من المفترض أن تُدعم "تيثر" بدولار أمريكي واحد. في حين انخفض الكيات الميانماري بعد الانقلاب بنسبة 50% تقريباً مقابل الدولار، قبل أن يستقر.
على هذا الصعيد، قالت زين مار أونغ، وزيرة خارجية حكومة الوحدة الوطنية، في لقاء عبر الهاتف من مكان آمن لم يكشف عنه: "في الوقت الحاضر، تتحرك العديد من دول العالم نحو مجتمع غير نقدي؛ وحتى مع وجود التحديات؛ سنحرص على التغلب عليها من خلال الاستفادة من التكنولوجيا".
وستبقى العملة الرقمية ضمن الخيارات أيضاً عند نجاح الثورة. وقال تين تون ناينغ، وزير المالية في حكومة الوحدة الوطنية: "لدينا البنية التحتية بالفعل، فضلاً عن التكنولوجيا والموظفين المهرة والمؤسسات التي ستدعمنا. لدينا كل شيء جاهز".
كذلك يدرس المجلس العسكري فوائد إطلاق عملة "كيات ميانماري" الرقمية.
تجدر الإشارة إلى أنَّه في العام الماضي، امتنع المتظاهرون المناهضون للانقلاب والعاملون في القطاع المالي، بالإضافة إلى موظفي البنك المركزي، عن أعمالهم في محاولة لخنق الاقتصاد. وقال البنك المركزي في مايو، إنَّ العمليات المصرفية عادت إلى طبيعتها، لكن بعد مضي عدة أشهر؛ بدأ دبلوماسيو المجلس العسكري في الخارج يشتكون سراً من عدم عمل النظام المالي، وفقاً لرئيس بورصة العملات المشفَّرة المشاركة في إحدى هذه النقاشات.
الكيات الرقمي
وقال المتحدث باسم المجلس العسكري زاو مين تون: "نأخذ موضوع إنشاء عملة رقمية وتحسين أنظمة الدفع عبر الإنترنت بعين الاعتبار". وأشار إلى هدف "تحسين الأنشطة المالية في ميانمار".
لكن مع ذلك؛ سيُسهّل الكيات الرقمي أيضاً اكتشاف ومراقبة المعاملات التي تهدف إلى الإطاحة بالحكومة.
ويبقى أن نرى ما إذا كانت العملات الرقمية يمكن أن تكتسب زخماً في ميانمار. فعلى الرغم من إطلاق خدمات الهاتف المحمول على نطاق واسع في عام 2014؛ إلا أنَّ انتشار الإنترنت كان بنسبة 43% فقط في يناير 2021، وفقاً لـ "داتاريبورتال" (Datareportal). وفي عام 2019؛ في ظل الحكومة المدنية لم يكن لدى 74% من السكان حسابات مصرفية.
عن ذلك، قال كيم إدواردز، كبير الاقتصاديين في البنك الدولي في ميانمار، إنَّ البنوك المركزية تحتاج إلى هيكل تنظيمي سليم وتكنولوجيا لكي تصبح العملات الرقمية قابلة للحياة؛ كما أضاف أنَّ ميانمار "ليست في أفضل وضع لمتابعة مثل هذا الموضوع".
وبالفعل؛ انهارت إحدى هذه المحاولات. فقد أطلقت مجموعة مجهولة في العام الماضي الدولار الميانماري، الذي يهدف إلى استبدال العملة الوطنية بعملة رقمية تستفيد منها حكومة الوحدة الوطنية بصفتها صاحبة المصلحة الأساسية؛ إلا أنَّ المشروع فشل في ظل نقص الدعم، بحسب أحد المتطوعين الذي طلب عدم ذكر اسمه خوفاً من الانتقام.
على الأرض، ما يزال الوضع قاتماً، وميانمار على حافة صراع عسكري كامل. في حين يرغب الكثير من المغتربين بالتبرع للمساعدة في تخفيف المعاناة، وعودة الديمقراطية إلى بلادهم.
وفي كشك ماي كياو سوي نيونت في سنغافورة؛ يتخلى بعضهم عن الطعام، ويُقدّمون حزماً صغيرة من النقود البسيطة. ومنهم ماي كياو سوي نيونت التي تقول، إنَّها لا تستطيع العودة إلى الوطن ما دام المجلس العسكري موجوداً، لذا؛ فهي تفعل أفضل ما في وسعها لجمع الأموال في الخارج، نظراً لعدم وجود ما تخشاه.
وعندما سُئِلتْ عن كيفية وصول الأموال إلى ميانمار؛ رفضت الخوض في التفاصيل، قائلة: "الأمر معقد وخطير".