عاجل
المقالات

في ظل غياب الرقابة التشريعية التجارة الإلكترونية.. بؤرة غسل الأموال الجديدة!

لا شك أن التجارة الإلكترونية أضحت ضرورة ملحة لعصرنا هذا، خصوصاً في ظل جائحة كورونا وفرض الحجر المنزلي، حيث أصبحت التجارة الإلكترونية هي الأساس، والتجارة التقليدية استثناء من الأساس، فلا يمكننا أن نعتبر عقد التجارة الإلكترونية بين المستهلك والتاجرعقداً حديثاً عارضاً، بل هو ضرورة ملحة فرضتها الظروف؛ الأمر الذي يستدعي سرعة تنظيمها بقانون، حيث أشار تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) إلى أن التجارة الإلكترونية (بيع السلع والخدمات عبر الإنترنت) قدرت بنحو 29 تريليون دولار في عام 2017 في المملكة المتحدة وحدها.

وبما أن المد الإلكتروني ازداد في المجتمع الكويتي، خصوصاً خلال فترة الحظر المنزلي، فإنه حتماً قد آن الأوان لأن يتم تنظيمها في الكويت تنظيماً تشريعياً دقيقاً دون أن يحدَّ من مرونتها، بل المطلوب أن يزيد من أمنها ومصداقيتها واستقرار المراكز القانونية للمستهلك والتاجر على حد سواء، لكي تصبح الأركان التعاقدية ووسائل الإثبات واضحة وملزمة للأطراف، ففي الكويت - مع الأسف وحتى يومنا هذا - لا يوجد قانون واضح وصريح لتنظيم التجارة الإلكترونية، بل لدينا قانون معاملات إلكترونية، وقانون جرائم إلكترونية، لا قانون تجارة إلكترونية.
 
لذلك بات من الضرورة الالتفات لأهمية وجدّية سن تشريع ينظم عملية التجارة الإلكترونية حتى لا تكون مرتعاً جديداً لجرائم غسل الأموال في ظل غياب الرقابة التشريعية.
 
لا يمكننا إنكار أن التجارة الإلكترونية تتمتع بمزايا كثيرة تجعلها أسهل للمستهلك بكثير من التسوق التقليدي، وتجعلها تحظى بقبول واسع جداً، إلا أنها -مع الأسف- قد تكون أرضاً خصبةً لعمليات النصب والاحتيال وغسل الأموال، وذلك لعدم وجود رقابة محكمة لكمية المبيعات الفعلية وأعدادها والفواتير المصدّرة ومدى دقة السجل والنشاط التجاري لها، كما أنه من المتصوّر تخفّي بعض التجار الإلكترونيين تحت أسماء وهمية ومستعارة واستخدام شركات غطاء إلكترونية، ما يجعل التعرف على الهوية صعباً جداً، كذلك قد يتعذر الوصول إلى البيانات المهمة والدقيقة للمتاجر الإلكترونية، وأيضاً تتعذر معرفة طبيعة علاقة الوساطة الإلكترونية بالتاجر، وعلاقة المتاجر الإلكترونية ببعضها، في ظل غياب الرقابة التشريعية ووجود هذه الفجوة، فإننا لا نستبعد أن تكون هذه التجارة، هي محطة غسل الأموال القادمة، ما سيضر حتماً بسمعه دولة الكويت.
 
لذا، فقد آن الأوان للإسراع في سد هذا القصور التشريعي، واتخاذ التدابير الاحترازية لحماية الأفراد، ولا سيما أن المجتمع الكويتي مجتمع استهلاكي من الطراز الأول.
 
من جانب آخر، يجب ألا نتجاهل حق الدولة في الاطلاع على سجلات جميع العمليات التجارية الإلكترونية ومراقبتها لكي لا تُترَك ملاذاً آمناً لعمليات التبييض وشرعنة الأموال غير القانونية والقيام بالأنشطة المشبوهة.
 
لا بد من الإسراع في تنظيم التجارة الإلكترونية تشريعياً، لحماية المستهلك وتحقيق الحماية للمستخدمين في شبكة الإنترنت ومراقبة عمليات غسل الأموال ودحضها، مع الأخذ بالاعتبار الدوافع الإيجابية الأخرى المهمة، مثل دعم نمو الاقتصاد المحلي ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، عن طريق زيادة الثقة في التعاملات التجارية الإلكترونية عبر تسجيل بيانات واضحة خاصة بالتجار، وبيانات واضحة خاصة بالمستهلكين والمتجر الإلكتروني. إضافة إلى ذلك، فإن الدولة ستكون على بيّنة من مراقبة كمية الأموال والفواتير التي يتم إصدارها وكيفية إدخالها للبنوك، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الثقة في هذه التجارة، ثم زيادة الاستثمار فيها، ويغلق الطريق على عمليات غسل الأموال.
 
فيجب أن تكون هناك مراقبة صارمة للمخالف من هذه المتاجر الإلكترونية، والتدرج في العقوبات بدءاً من الإنذار، ثم فرض عقوبات تصل إلى حجب المتجر الإلكتروني إذا استمر في المخالفات.
 
وعلى النقيض من ذلك، فإن ترك بابها مفتوحاً على مصراعيه، يجعلنا تحت تهديد عمليات غسل الأموال المتطورة، التي لا تكل في البحث عن الثغرات التشريعية في كل نظام قانوني، فيجب رأب هذا الصدع في التشريع، حتى لا تكون الكويت محطة غسل أموال نتيجة قصور تشريعي.
 
ولتحقيق كل ما سبق فإننا نوصي بأن يتضمن قانون التجارة الإلكترونية في الكويت التالي:
 
1- تفاصيل بيانات المستهلك وحمايتها.
 
2 - البيانات الواجب الإفصاح عنها من قبل التاجر.
 
3 - إصدار تراخيص رسمية لمزاولة مهنة البيع الإلكتروني وإنشاء متجر إلكتروني.
 
4 - تنظيم بنود العقد الإلكتروني وشروطه.
 
5 - اشتراط إصدار الفاتورة وسياسة الاسترجاع.
 
6 - حالات فسخ العقد الإلكتروني.
 
7 - قيد وتسجيل المحل الإلكتروني في سجل معتمد.
 
8 - تنظيم منصات الوساطة الإلكترونية.
 
9 - سن العقوبات الرادعة وتنظيمها، بحيث تضمن أداء العمل بالشكل القانوني والصحيح.
 
إضافة إلى ذلك، نرى أيضاً أن القانون يجب أن يجرّم احتفاظ التاجر بالبيانات الشخصية الائتمانية التي تخص المستهلكين لفترة طويلة، ونقترح أن تكون 14 يوماً، ثم يجبر التاجر على التخلص منها.
 
في كل الحالات يجب على المستهلك إمعان النظر في العقد الذي يربطه بالمتجر الإلكتروني قبل الموافقة على البدء في التسوق، لأنه في بعض الأحيان ربما يكون المتجر قد حصل على إقرار بالاحتفاظ بالبيانات الشخصية والائتمانية، بل أحياناً يسمح له بأن يقوم بتتبع موقع المستهلك. ولذلك، أصبح لزاماً تنظيم التجارة الإلكترونية لتحقيق المصلحة التجارية للأطراف الثلاثة (التاجر، المستهلك، الدولة)، وبذلك سنكون قد حقّقنا عدالة ووضعنا نظاماً آمناً يحمينا من التعاملات المالية المزيفة، يمكّن الدولة من إغلاق ثغرات جرائم غسل الأموال. وقديماً قالوا لأعرابي: رحِمَ اللهُ من جبَّر كسر يدك! فقال: بل رحمَ اللهُ من وقاهُ قبلَ أن يُكسَر.
 
4 طرق للاحتيال الإلكتروني
 
تتعدد طرق الاحتيال الإلكتروني وأساليبه، ومنها على سبيل المثال:
 
1- الاحتيال على المستهلك بإرسال سلع مغايرة للسلعة المعروضة إلكترونياً، أو عدم التسليم إطلاقاً.
 
2 - شراء سلع وخدمات من متاجر ومزادات إلكترونية عن طريق استخدام بيانات مسروقة.
 
3 - القيام بعمل واجهة متجر إلكتروني مزيف لتغطية بيع سلع غير مشروعة.
 
4 - استخدام مواقع أخرى للدفع بحيث تبعد الشبهة عن المتجر الإلكتروني، ثم القيام باستخدام عدة مواقع مشابهة لتغطية إدخال الأموال غير المشروعة في البنوك.
 
د. بشاير الماجد
 
أستاذة القانون في جامعة الكويت
 
dr.bashayer@alqabas.com.kw
 
 
طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك