المقالات
العولمة المفرطة والاختيارات الخاطئة
من المسلم به في عموم الأمر الآن أن حقبة ما بعد التسعينيات من العولمة المفرطة بلغت منتهاها. لقد تسببت جائحة مرض فيروس كورونا كوفيد - 19، والتدخل الروسي في أوكرانيا، في الدفع بالأسواق العالمية إلى مرتبة دنيا ثانوية وداعمة في أفضل الأحوال خلف الأهداف الوطنية، خاصة الصحة العامة والأمن الوطني. لكن كل الحديث عن تفكيك العولمة لا ينبغي له أن يلهينا عن احتمال تسبب الأزمة الحالية في إنتاج عولمة أفضل في واقع الأمر.
داني رودريك
الاقتصادية
Wednesday, May 25, 2022 - 03:37 PM
Views: 207
الحقيقة أن العولمة المفرطة كانت في تراجع منذ الأزمة المالية العالمية التي اندلعت في الفترة 2007 ــ 2008. بدأت حصة التجارة في الناتج المحلي الإجمالي العالمي تتضاءل بعد عام 2007، حيث سجلت نسبة الصادرات الصينية إلى الناتج المحلي الإجمالي انخفاضا شديدا بلغ 16 نقطة مئوية. وتوقفت سلاسل القيمة العالمية عن الانتشار. ولم تتعاف التدفقات الرأسمالية الدولية قط إلى المستويات المرتفعة التي كانت عليها قبل 2007. واكتسب الساسة الشعبويون الذين يعادون العولمة صراحة قدرا أكبر من النفوذ في الاقتصادات المتقدمة.
الواقع أن العولمة المفرطة انهارت تحت وطأة تناقضاتها العديدة. فأولا، كان هناك التوتر بين المكاسب المتحققة من التخصص والمكاسب التي جلبها التنويع الإنتاجي. كان مبدأ الميزة النسبية ينص على أن الدول يجب أن تتخصص فيما تجيد إنتاجه حاليا. لكن خط طويل من الفكر التنموي اقترح أن الحكومات ينبغي لها بدلا من ذلك أن تدفع الاقتصادات الوطنية إلى إنتاج ما تنتجه الدول الأكثر ثراء. وكانت النتيجة الصراع بين السياسات التدخلية التي تنتهجها الاقتصادات الأكثر نجاحا، خاصة الصين، والمبادئ الليبرالية المرعية في النظام التجاري العالمي.
ثانيا، أفضت العولمة المفرطة إلى تفاقم المشكلات المتعلقة بالتوزيع في عديد من الاقتصادات. كان الجانب الآخر الحتمي للمكاسب المتحققة من التجارة متمثلا في إعادة توزيع الدخل من الخاسرين إلى الفائزين. ومع تعمق العولمة، تنامى حجم عملية إعادة التوزيع من الخاسرين إلى الفائزين على نحو متزايد نسبة إلى المكاسب الصافية. وانتهت الحال بخبراء الاقتصاد والتكنوقراط الذين استخفوا بالمنطق المركزي الذي يستند إليه فرعهم من المعرفة إلى تقويض الثقة العامة به.
ثالثا، قوضت العولمة المفرطة القدرة على مساءلة المسؤولين الحكوميين أمام ناخبيهم. وقوبلت الأصوات المنادية بإعادة كتابة قواعد العولمة بحجة معاكسة مفادها أن العولمة ثابتة ولا تقاوم، "المعادل الاقتصادي لقوى الطبيعة، مثل الرياح أو الماء"، على حد تعبير الرئيس بل كلينتون. وفي الرد على أولئك الذين شككوا في النظام السائد، قال توني بلير رئيس وزراء المملكة المتحدة الأسبق: "ربما يمكنكم أيضا مناقشة ما إذا كان الخريف يجب أن يلي الصيف".
رابعا، كان منطق الفائز التام والخاسر التام ومحصلته الصفرية في التعامل مع الأمن الوطني والمنافسة الجيوسياسية متناقضا تماما مع منطق المحصلة الإيجابية في التعاون الاقتصادي الدولي. مع صعود الصين كمنافس جيوسياسي للولايات المتحدة، وتدخل روسيا في أوكرانيا، أعادت المنافسة الاستراتيجية تأكيد ذاتها على الاقتصاد
<
من الممكن أن نتصور سيناريو ملائما حيث نتمكن من إيجاد توازن أفضل بين امتيازات الدولة القومية ومتطلبات الاقتصاد المفتوح. قد تعمل إعادة التوازن على هذا النحو على تمكين الرخاء الشامل في الداخل والسلام والأمن في الخارج.
تتمثل الخطوة الأولى في قيام صناع السياسات بإصلاح الضرر الذي لحق بالاقتصادات والمجتمعات بسبب العولمة المفرطة، فضلا عن سياسات السوق أولا الأخرى. يتطلب هذا إحياء روح عصر بريتون وودز، عندما كان الاقتصاد العالمي يخدم الأهداف الاقتصادية والاجتماعية المحلية - التشغيل الكامل للعمالة، والازدهار، والعدالة - وليس العكس. في ظل العولمة المفرطة، قلب صناع السياسات هذا المنطق رأسا على عقب، حيث أصبح الاقتصاد العالمي الغاية والمجتمع المحلي هو الوسيلة. ثم أدى التكامل الدولي إلى التفكيك المحلي.
قد يساور القلق بعض المراقبين من أن يتسبب تأكيد الأهداف الاقتصادية والاجتماعية في تقويض الانفتاح الاقتصادي. الواقع أن الرخاء المشترك يجعل المجتمعات أكثر أمانا وميلا إلى تأييد الانفتاح على العالم. يتمثل أحد الدروس الرئيسة المستفادة من النظرية الاقتصادية في أن التجارة تعود بالفائدة على أي بلد ككل، لكن هذا لن يتحقق إلا بمعالجة المخاوف المتعلقة بالتوزيع. من المصلحة الذاتية للدول جيدة الإدارة والتنظيم أن تكون منفتحة. وهذا أيضا أحد الدروس المستفادة من التجربة الفعلية في ظل نظام بريتون وودز، عندما تزايدت أحجام التجارة والاستثمار طويل الأجل بشكل كبير.
يتلخص شرط ثان مهم لأي سيناريو جيد في امتناع الدول عن تحويل السعي المشروع لضمان الأمن الوطني إلى عدوان على آخرين. ربما تكون مخاوف روسيا معقولة بشأن توسع حلف شمال الأطلسي "الناتو"، لكن تدخلها في أوكرانيا يأتي ردا غير متناسب على الإطلاق، ومن المرجح أن يجعل روسيا أقل أمانا وازدهارا في الأمد البعيد.
من منظور القوى العظمى، والولايات المتحدة خصوصا، يعني هذا الاعتراف بتعددية الأقطاب والتخلي عن السعي إلى فرض الهيمنة العالمية. الواقع أن الولايات المتحدة تميل إلى النظر إلى الهيمنة الأمريكية في الشؤون العالمية على أنها الوضع الطبيعي للأمور. من هذا المنظور، يشكل تقدم الصين الاقتصادي والتكنولوجي في جوهره وبشكل بدهي تهديدا واضحا، وتختزل العلاقات الثنائية بين الدولتين في مباراة محصلتها صفر.
إذا نحينا جانبا مسألة قدرة الولايات المتحدة على منع صعود الصين النسبي فعليا، فإن هذه العقلية شديدة الخطورة وهدامة. فهي بين أمور أخرى تؤدي إلى تفاقم المعضلة الأمنية. ذلك أن السياسات الأمريكية المصممة لتقويض الشركات الصينية، مثل "هواوي"، من المرجح أن تجعل الصين تستشعر التهديد فتستجيب بطرق تؤكد مخاوف الولايات المتحدة من النزعة التوسعية الصينية. كما أن النظرة المستقبلية ذات المحصلة الصفرية تزيد صعوبة جني المكاسب المتبادلة المترتبة على التعاون في مجالات مثل تغير المناخ والصحة العامة العالمية، مع الاعتراف بأن الأمر لن يخلو بالضرورة من المنافسة في عديد من المجالات الأخرى.
باختصار، لا ينبغي لعالمنا في المستقبل أن يكون ذلك العالم، حيث تتفوق الحسابات الجيوسياسية على كل شيء آخر، وحيث تحرص الدول على تقليص تفاعلاتها الاقتصادية بين بعضها بعضا. إذا تحقق هذا السيناريو البائس، فلن يكون هذا راجعا إلى قوى جهازية خارجة عن سيطرتنا. فكما هي الحال مع العولمة المفرطة، سيكون السبب أننا اتخذنا اختيارات خاطئة. مع انهيار العولمة المفرطة، تنظر سيناريوهات الاقتصاد العالمي في كامل الاختيارات المتاحة. وأسوأ النتائج، عندما نتذكر ثلاثينيات القرن الـ 20، قد يكون انسحاب دول أو مجموعات من الدول إلى الاكتفاء الذاتي.
ويتمثل احتمال أقل سوءا، لكنه يظل بغيضا، في أن تفضي سطوة الحسابات الجيوسياسية إلى اندلاع الحروب التجارية وتحول العقوبات الاقتصادية إلى سمة دائمة للتجارة والتمويل الدوليين. يبدو السيناريو الأول غير مرجح، فالاقتصاد العالمي يتسم بقدر من الاتكالية المتبادلة أكبر من أي وقت مضى، وستكون التكاليف الاقتصادية بالغة الضخامة، لكن من المؤكد أننا لا نستطيع استبعاد السيناريو الثاني.
خاص بـ «الاقتصادية»
بروجيكت سنديكيت، 2022