المقالات
العقوبات الاقتصادية والصدمات العالمية
لم يخضع اقتصاد في حجم روسيا منذ الثلاثينيات لطائفة واسعة من القيود التجارية كتلك التي تم فرضها بسبب الصراع الروسي - الأوكراني. لكن على عكس إيطاليا واليابان في الثلاثينيات، تعد روسيا في الوقت الحالي من كبار مصدري النفط والحبوب وغيرهما من السلع الأولية الأساسية الأخرى، كما أصبح الاقتصاد العالمي أكثر تكاملا إلى حد كبير. ونتيجة لذلك، أصبحت للعقوبات حاليا تداعيات اقتصادية عالمية أكبر كثيرا مما عهدناه من قبل. وينبغي أن يكون حجم هذه العقوبات دافعا لإعادة النظر في مفهوم العقوبات كأداة قوية من أدوات السياسات لما ينشأ عنها من تداعيات اقتصادية عالمية ملموسة.
نيكولاس مولدر
الاقتصادية
Friday, July 01, 2022 - 02:25 PM
Views: 193
غير أن العقوبات ليست هي المصدر الوحيد للاضطرابات التي يشهدها الاقتصاد العالمي. فقد سجلت أسعار الطاقة ارتفاعا مستمرا منذ العام الماضي بسبب فرط الأعباء المفروضة على سلاسل الإمداد، الأمر الذي أدى بدوره إلى إعاقة مسار التعافي من الجائحة. كذلك ارتفعت الأسعار العالمية للغذاء بنسبة 28 في المائة عام 2020، و23 في المائة عام 2021، كما سجلت زيادة حادة قدرها 17 في المائة هذا العام خلال الفترة ما بين شباط (فبراير) وآذار (مارس) فقط. ونتجت عن الحرب أضرار مباشرة في أوكرانيا أيضا، حيث أدت إلى غلق الموانئ الوطنية المطلة على البحر الأسود، ما منع أوكرانيا من تصدير القمح والذرة وزيت دوار الشمس ومجموعة من السلع الأخرى.
وأدت صدمتان أكثر حدة إلى تفاقم الآثار الناجمة عن انقطاع الإمدادات من أوكرانيا: العقوبات التي فرضتها على روسيا 38 حكومة في أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا، واستجابة الشركات والبنوك العالمية لتلك التدابير. وأسهم هذا الكم الهائل من القيود القانونية والتجارية والمالية والتكنولوجية في فرض معوقات حادة أمام نفاذ روسيا إلى الاقتصاد العالمي، كما أحدث زيادة كبيرة في أعداد السلع الأولية التي تتوافر بالدولتين ولم يعد لوصولها إلى الأسواق العالمية سبيل. واقترنت هذه العقوبات الكاسحة ضد روسيا بالأزمة في سلاسل الإمداد العالمية والاضطرابات التي تشهدها أوكرانيا بسبب الحرب، ما تسبب في صدمة اقتصادية قوية غير مسبوقة. وسيؤدي فرض عقوبات إضافية على صادرات النفط والغاز الروسية، إلى تفاقم هذه التداعيات.
يغدو حجم العقوبات ضد روسيا أكثر وضوحا بالنظر إلى التاريخ الاقتصادي على مدار القرن الماضي. فحتى العقوبات الأكثر حدة خلال فترة الحرب الباردة، مثل العقوبات التي فرضتها منظمة الأمم المتحدة والدول الغربية ضد روديسيا "زيمبابوي حاليا" وضد جنوب إفريقيا في عهد الفصل العنصري، أو العقوبات الأمريكية على كوبا وإيران، لم تستهدف الاقتصادات الكبرى. وبعض العقوبات المفروضة حاليا، ولا سيما ضد إيران وكوريا الشمالية وفنزويلا، يعد أكثر صرامة مقارنة بالعقوبات ضد روسيا، وإن كان وزن هذه الدول أقل كثيرا سواء في الاقتصاد العالمي أو التجارة الدولية.
ويعد تأثير العقوبات ضد روسيا من فئة مختلفة تماما. فروسيا تأتي في المرتبة الـ 11 ضمن أكبر اقتصادات العالم، كما أن دورها كأحد مصدري السلع الأولية الرئيسين في مجموعة الأسواق الصاعدة يضفي أهمية هيكلية على مركزها. ووحدها الولايات المتحدة وكندا وأستراليا في مجموعة الاقتصادات المتقدمة هي التي تملك بصمة مماثلة في الاقتصاد العالمي والزراعة وأسواق المعادن. ومنذ نهاية الحرب الباردة أيضا، وبفضل جهود تعزيز التكامل خلال ما يزيد على عقدين، أصبحت روسيا من الاقتصادات شديدة الانفتاح، حيث سجلت نسبة التجارة إلى إجمالي الناتج المحلي لديها 46 في المائة حسب البيانات الصادرة عن البنك الدولي. وضمن مجموعة الأسواق الصاعدة السبع الكبرى، تفوقت المكسيك وتركيا وحدهما على هذه النسبة عام 2020 "78 في المائة و61 في المائة"
خلال فترة الثلاثينيات هي العقد الوحيد خلال القرن الماضي الذي شهد عقوبات مماثلة ضد دول من الوزن نفسه في الاقتصاد العالمي. فخلال ستة أسابيع من غزو بينيتو موسيليني لإثيوبيا في تشرين الأول (أكتوبر) 1935، فرضت عصبة الأمم مجموعة من العقوبات ضد إيطاليا، وهي ثامن أكبر اقتصاد على مستوى العالم. واشتركت في تنفيذ العقوبات 52 دولة من الدول ذات السيادة التي بلغ عددها آنذاك 60 دولة على مستوى العالم .
وتضمنت هذه التدابير على مستوى تنفيذ العقوبات، حظر الأسلحة وتجميد المعاملات المالية، ومنع تصدير عدد من المواد الخام الضرورية للإنتاج خلال فترة الحرب، غير أن التدبير الأكثر حدة على الإطلاق كان حظر جميع الواردات من إيطاليا. وأمكن ذلك بسبب العجز الهيكلي في الحساب الجاري لإيطاليا الذي جعل هذا الحظر أكثر ضررا لإيطاليا منه للدول التي شاركت في تنفيذ العقوبات.
خلال الفترة من تشرين الأول (أكتوبر) 1935 إلى حزيران (يونيو) 1936، تراجع الإنتاج الصناعي في إيطاليا 21.2 في المائة، كما انخفضت الصادرات خلال الأشهر الخمسة الأولى من تنفيذ العقوبات 47 في المائة قبل أن تستقر عند نحو ثلثي مستوى ما قبل العقوبات. وأدى الحظر الذي فرضته عصبة الأمم على الواردات من إيطاليا إلى زيادة الأسعار الدولية للمنتجات الغذائية، مثل اللحوم والفاكهة والزبدة، والمواد الخام والمنتجات المصنعة، مثل الصوف والمنسوجات والمنتجات الجلدية. غير أنه تجدر الإشارة إلى أن العقوبات لم تنجح في وقف الغزو الإيطالي لإثيوبيا، وهو ما يرجع في جزء كبير منه إلى أن الولايات المتحدة وألمانيا، وهما أول وثالث أكبر الاقتصادات على مستوى العالم، لم يكونا من البلدان الأعضاء في عصبة الأمم ولم يشتركا بالتالي في تنفيذ العقوبات. ونتيجة لذلك، استمرت إيطاليا في استيراد الفحم والنفط، ونجحت في التصدي لصعوبات شديدة طوال ثمانية أشهر.
وفي أواخر الثلاثينيات، كانت اليابان سابع أكبر اقتصاد على مستوى العالم وأحد البلدان التجارية التي فاقت إيطاليا في انفتاحها. وخلال الفترة ما بين صيف 1939 وآب (أغسطس) 1941، اتفق عدد متزايد من الدول الغربية الراغبة في كبح الغزو الياباني للصين على فرض عقوبات أدت تدريجيا إلى تراجع عدد الشركاء التجاريين ومع بداية الحرب العالمية الثانية، حيث فرضت الإمبراطورية البريطانية ومستعمراتها وغيرها من الأراضي الواقعة تحت سيادتها، قيودا على صادرات المواد الخام الاستراتيجية وجعلت الأولوية لاستخدامها بين الأراضي التابعة للإمبراطورية.
ومع نهاية العقد، أصبحت اليابان أكثر اعتمادا من ذي قبل على واردات المواد الخام "ولا سيما النفط والحديد الخام والنحاس وخردة الحديد" مقارنة بالولايات المتحدة، وهي الاقتصاد الأكبر على الإطلاق في منطقة المحيط الهادئ الذي ظل على الحياد. واستجابة لعمليات الغزو التي قامت بها اليابان في عامي 1940 و1941، صعدت الولايات المتحدة تدابيرها الاقتصادية تدريجيا وصولا إلى فرض حظر كامل على النفط في نهاية المطاف، وذلك بالاشتراك مع الإمبراطورية البريطانية وهولندا. كذلك قامت بتجميد احتياطيات الين المحتفظ بها في الولايات المتحدة، وقرب نهاية عام 1941، تراجعت تجارة اليابان 20 في المائة إلى 25 في المائة خلال 18 شهرا فقط. وانهارت قدرتها على الوصول إلى الواردات الأساسية، ما دفعها إلى الهجوم على مستعمرات الولايات المتحدة وأوروبا في جنوب شرق آسيا للحصول على المواد الخام اللازمة لاستمرار آلة الحرب. وبينما تحملت إيطاليا وطأة الحظر المفروض على صادراتها، الذي أدى إلى الحد من قدرتها على كسب النقد الأجنبي، تعرضت اليابان لضربة أكثر حدة نتيجة تجميد أصولها الأجنبية ومنعها من الحصول على واردات حيوية من شريكها التجاري الرئيس الوحيد المتبقي
أدت الصدمة الناجمة عن الكساد العظيم إلى تقويض جانب كبير من الثقة والتعاون اللذين أسهما في دعم الاستقرار السياسي الدولي. وتصاعدت حدة الحروب التجارية لتتحول إلى نزاعات دبلوماسية، ما أدى إلى ظهور توجه نحو تكوين تكتلات سياسية واقتصادية. وكان لزاما على عصبة الأمم باعتبارها الكيان المنوط بحفظ النظام في حقبة ما بعد الحرب العالمية الأولى، إنفاذ العقوبات ضد الدول التي تهدد السلام العالمي. واتضح من العقوبات أن القوى الغربية تشكل ثقلا كبيرا في الاقتصاد العالمي. غير أن الأوضاع المعاكسة التي سادت حقبة الكساد وانعدام التعاون المالي والنقدي بين الدول كانا دليلا على أن العقوبات تسببت في توترات إضافية ولم تنجح في المحافظة على السلام في نهاية المطاف.
ويتضح من التاريخ خلال الفترة الفاصلة بين الحربين العالميتين أن البيئة الاقتصادية العالمية تحدد الصيغة المحتملة للعقوبات وتشكل تأثيرها. وقد شهدت حقبة الكساد أزمة زراعية وانهيار النظام النقدي وتراجع التجارة. ونتيجة لهذه التطورات، تراجعت الصادرات العالمية، وتفككت تكتلات العملة، وانخفضت الأسعار العالمية خلال الجزء الأكبر من الفترة ما بين عامي 1928 و1939. ومن ناحية أدى ذلك إلى تراجع أرباح التصدير، وانخفاض تكلفة انقطاع الروابط الاقتصادية أيضا. لكن من الناحية الأخرى، انخفضت أسعار الواردات لتضمن بذلك فرصة مستمرة للحصول على الاحتياجات الأساسية من المعادن والغذاء والطاقة. وفي الوقت الذي استخدمت فيه العقوبات، كان العالم يشهد درجة متزايدة من الاكتفاء الذاتي، وتراجعا في الاعتماد المتبادل بين الاقتصادات الوطنية إلى الحد الأدنى الضروري. لذلك، فإن عقوبات الثلاثينيات لم تتسبب سوى في أضرار طفيفة لاقتصاد عالمي محطم بالفعل. لكنها هددت معيشة المواطنين على نحو تطلب تصعيدا عسكريا. وعلى العكس، نجد أن نسبة التجارة العالمية إلى إجمالي الناتج المحلي أعلى كثيرا في الوقت الحالي، مدعومة بنظام مالي عالمي قائم على الدولار يتسم بدرجة كبيرة من التكامل. وبدلا من انخفاض الأسعار، تشهد الأسواق العالمية في الوقت الحالي ضغوطا تضخمية هائلة. وتنشأ عن ارتفاع أسعار السلع الأولية أرباح استثنائية في الدول المصدرة، بينما تشجع الاقتصادات المستوردة للطاقة على التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة. وفي الوقت نفسه، ازداد التكامل بين الأسواق المالية، ما يجعل التدفقات الرأسمالية من الاقتصادات المتقدمة عاملا أساسيا للنمو والاستثمار في اقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية. وبفضل هذا التعاضد، يتمتع الاقتصاد العالمي في الوقت الحالي بمكاسب هائلة، حيث تتيح التجارة فرص عمل لنسبة أكبر من القوة العاملة، وأصبح بالإمكان الحصول على الواردات من عدد أكبر من المصادر. لكنه يواجه مخاطر متزايدة نظرا لإمكانية اختناق النقاط المحورية في تدفقات السلع الأولية والمعاملات المالية والتكنولوجيا بسبب المشكلات التي تواجه سلاسل الإمداد، أو استهدافها من خلال العقوبات الحكومية.
نتيجة لهذه التغيرات، يمكن أن تتسبب العقوبات حاليا في خسائر تجارية أكبر من أي وقت مضى، وإن كان يمكن التخفيف من وطأتها من خلال تحويل مسار التجارة أو العزوف عنها. وفي الوقت نفسه، لا تشكل العقوبات في العصر الحديث تهديدا مباشرا بقدر ما كان عليه الحال في الثلاثينيات، ما يحد مخاطر التصعيد العسكري. غير أن زيادة التكامل بين الأسواق أفسحت المجال لانتشار الصدمات الناجمة عن العقوبات عبر مختلف أجزاء الاقتصاد العالمي. وهكذا، فقد أدت العولمة خلال القرن الـ21 إلى زيادة التكلفة الاقتصادية لاستخدام العقوبات ضد الاقتصادات الكبرى التي تتمتع بقدر كبير من التكامل فيما بينها، كما أتاحت لهذه الدول فرصة أكبر للثأر من خلال الروابط الاقتصادية والتكنولوجية بدلا من التدخل العسكري.